هل الفلسفة عديمة الأهمية؟

لطالما سمعنا البعض يقولون: "ما فائدة الفلسفة؟" وكأن التفكير العميق وإجهاد العقل يفسدان متعة الحياة. هؤلاء يرون أن كل شيء يجب أن يكون بسيطًا: تأكل، تشرب، تنام، وتنتهي الحياة.

أما نحن المساكين الذين نتجرأ كالحمقى على التفكير في أسئلة مثل: "ما معنى الحياة؟" و"هل نعيش في محاكاة؟"، فنحن في وجهة نظرهم أشبه بمن يحاول صنع كعكة دون وصفة، النتيجة عادة ما تكون في مخيلتهم فوضى فكرية أو إجهادًا عقليًا من غير داعٍ، وبلا جدوى!

تعالَ معي لأبين لك ما أرمي إليه بتأمل تلك الأمثلة المسلية:

اقرأ أيضًا: أهمية الفلسفة في جميع نواحي الإنسان

مثال: قهوة الصباح

تخيل هذا السيناريو: تجلس في شرفة منزلك الجميل، تشرب قهوة الصباح وأنت تفكر في اليوم الذي ينتظرك. فجأة تتساءل: "هل حقًا هذه القهوة موجودة؟ أم أنني أتوهم؟" ثم تسأل نفسك: "ما معنى الوجود أصلًا؟" الآن، قبل أن تعتقد أنني بدأت أفقد عقلي، دعني أوضح لك: هذه تساؤلات فلسفية.

الشخص الذي يُعد الفلسفة عديمة الفائدة سيقول لك: "اشرب القهوة واسكت!"، أما الفيلسوف قد يجيب: "ما جدوى شرب القهوة إن لم أفهم وجودها وتكوينها وفائدتها، إلخ؟" وبذلك تبدأ يومك بمزيج من الكافيين والحيرة الوجودية. هل هناك أفضل من ذلك؟

مثال آخر: السيارة المعطلة

فكر في تلك اللحظة التي تتعطل فيها سيارتك على الطريق. أنت غاضب، منزعج، وتلعن تلك الشركة المصنعة التي لم تؤدِ عملها كما يجب. فجأة، ودون سابق إنذار، تجد نفسك تتساءل: "هل هناك غاية وراء هذه الحادثة؟ هل الكون يحاول إخباري بشيء؟

في هذه اللحظة، يظهر صديقك العملي الذي لا يؤمن بالفلسفة ويقول: "غيّر العجلة واستمر". وهنا يظهر الفيلسوف بداخلك: "لكن يا صديقي، ماذا لو كانت هذه العجلة المكسورة مجرد رمز لعجلة حياتي المكسورة وتحتاج إلى إصلاح عميق؟  صديقك ينظر إليك بدهشة، ويتركك في منتصف الطريق ويذهب لطلب مساعدة.

اقرأ أيضًا: رهانات الفلسفة عند ألان باديو

الفلسفة والتكنولوجيا: الهواتف الذكية

هل لاحظت يومًا كيف نستخدم هواتفنا الذكية في كل لحظة؟ قد تتساءل عن السبب الذي يجعلك تقضي ساعات في تمرير الشاشة دون سبب. حينئذ يأتي دور الفيلسوف: "هل هذا السلوك مجرد إدمان؟ أم هو محاولة للهروب من فراغ الحياة الوجودي؟ أما الشخص العادي فسيقول لك": "استمتع فقط بالتطبيقات والألعاب، لماذا تعقد الأمور؟".

الفلسفة وإعداد الطعام: لماذا البيض مقلي؟

دعني آخذك إلى مشهد آخر: أنت في المطبخ تحاول إعداد وجبة البيض المقلي. تسأل نفسك: "لماذا البيض مقلي وليس مسلوقًا؟ هل توجد ناك فلسفة خلف هذه العملية؟" قد يكون الجواب بسيطًا: لأنك تحب البيض المقلي. لكن، إن كنت فيلسوفًا، فستتساءل: "هل اختياري لقلي البيض يعكس حريتي الفردية أم أنني مقيد بعادات المجتمع الذي يقول البيض المقلي أكلة شعبية؟".

من الأمثلة السابقة، بالطبع فهمت ما أرمي إليه، فأنا أثق بقدراتك العقلية.

فهمت أني أبين لك عمومًا طريقة التفكير الفلسفية، وما الفرق بينها وبين طريقة التفكير العادية. لكنك إلى الآن لم تقف وقوفًا كليًّا على جواب قاطع يؤكد لك مدى الاستفادة من هذا التفكير الفلسفي، وهل الفلسفة مفيدة أصلًا؟

فلذلك تعالَ معي لنبين بالتفصيل: هل الفلسفة علم مفيد وأفاد البشرية جمعاء؟ أم هي مجرد محض هراء!

اقرأ أيضًا: الفلسفة والعلوم الاجتماعية في حياة الإنسان

ما أهمية التفكير؟

يحضرني مقولة شهيرة للكاتب الكبير أحمد خالد توفيق، يصف فيها الفلسفة بقوله: "الفلسفة هي فن الحديث عن البرتقالة إلى أن تفسد بدلًا من أكلها!"

فهو يقصد بهذا أن الفلسفة كلام فارغ، لا يؤدي إلى فائدة، فالفلسفة لا تفعل شيئًا سوى الحديث عديم النفع عن البرتقالة، عن شكلها، لونها، إلخ، دون الاستفادة منها عمليًا.

مع حبي وتقديري الشديدين للدكتور أحمد خالد توفيق، لكنني أختلف معه في هذا الرأي جملةً وتفصيلًا؛ فلولا الحديث عن البرتقالة، والتفكير في كنهها وطبيعتها، لما عرفنا تكوينها وفوائدها، وأنها غنية بالفيتامينات كفيتامين C مثلًا، وما استفدنا منها في كثير من العلاجات.

ولولا التفكير، لما استطاع نيوتن اكتشاف قانون الجاذبية الذي كان له دور كبير في اختراعات كثيرة غيرت نظام العالم.

لو كان مثل من يزعمون عدم جدوى الفلسفة والتفكير، لتلقف التفاحة الساقطة فوقه وحشرها في فمه، واستمتع بطعمها اللذيذ وسكت.

التفكير يا سادة هو الذي يميزنا عن الدواب التي لا تعقل، فلو لم يكن لتفكير فائدة، فلماذا إذًا ميزنا الله به؟ أي بالعقل الذي هو أداة التفكير، وحثنا الله في كثير من آيات الذكر الحكيم على التدبر والتأمل والتعقل والتفكر والتذكر... إلخ.

قد يقول قائل: وما علاقة التفكير بالفلسفة؟

انتظر، هل تعلم أن سؤالك فلسفي في حد ذاته؟ الفلسفة تفكير، وبعض التفكير فلسفة، فكل فلسفة تفكير، ولكن ليس كل تفكير فلسفة.

أي إن الفلسفة هي نوع من التفكير المتقدم المنهجي المنظم، من أجل فهم الحقائق.

اقرأ أيضًا: تاريح الفلسفة العربية وتأثيرها على الفكر الإنساني

الفلسفة أساس تقدم الدول

ماذا تقول؟

نعم صديقي، لا تتعجب هكذا، الفلسفة هي حقًا أساس تقدم أي مجتمع.

هل تعلم أن أساس التقدم العلمي والتكنولوجي الرهيب الذي نحياه الآن هو منهج فلسفي منطقي في الأساس؟

المنهج التجريبي الاستقرائي الذي أسسه الفيلسوف الكبير فرنسيس بيكون هو الأساس الذي ارتكزت عليه جل الاختراعات العلمية والتكنولوجية الحديثة. لا تصدقني؟ حسنًا، ابحث وتقصَّ الأمر بنفسك.

قال الفيلسوف العظيم ديكارت: "تقاس نهضة الأمم وتقدمها الحضاري بمقدار شيوع التفلسف الحقيقي فيها".

وقال أيضًا: "إن الفلسفة هي التي تميز بيننا وبين الأقوام الهمجيين الوحشيين".

وفي مقال سابق لي، كتبت قائلًا: "إن أساس كل تقدم هو الإبداع، وأساس كل إبداع هو الفلسفة والفكر المنظم والواعي".

وبقليل من التأمل، انظر متى كنا نحن المسلمون والعرب متقدمين، حين كان لدينا فلاسفة عظام كابن طفيل، وابن رشد، وابن باجة، والفارابي، والكندي، وابن سينا، وغيرهم.

حين كان التفكير لدينا أسمى الغايات، وظيفة الحكام والنبلاء.

وقد فصلت القول في هذا الشأن في مقال لي سابق بعنوان: "إذا أردنا تقدمًا، فعلينا بالفلسفة". اطّلع عليه إذا أردت الاستزادة.

اقرأ أيضًا: تعريفات الفلسفة وأهميتها في حياة الإنسان

الفلسفة والوطنية

الفلاسفة في كل زمان ومكان هم حصن الأمة الحصين، درعها الأمين.

هم من ينمّون عند الشعوب روح الانتماء والولاء للأوطان، والدفاع عنها من الأعداء، ويرسخون عقيدة الوحدة والاتحاد. كما فعل الفلاسفة الألمان أمثال هيجل، الذي أسهم بأفكاره في توحيد ألمانيا، بعدما كانت مقسمة لدولتين، ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية.

وانظر إلى فلاسفة اليونان، أمثال سقراط وأفلاطون، كيف كانوا يجعلون شعبهم يعتز بوطنه ويحبه. فكانوا يُصدرون دومًا لشعبهم، أنهم أرقى الأجناس، وأنهم فقط الأحرار، وغيرهم من غير اليونانيين هم العبيد.

مع اختلافنا مع نظرتهم العنصرية بالطبع، لكن الشاهد أنها محاولة كانوا يريدون بها ترسيخ الاعتزاز بالنفس عند شعبهم.

اقرأ أيضًا: ما هي الفلسفة وما غرضها عند الفيلسوف ديكارت؟

أهمية تدريس الفلسفة

قد يتساءل البعض: ما جدوى تدريس الفلسفة؟ وما هي الفائدة التي سيستفيدها الطلاب من دراستها؟

حقًا لا تدري! إذًا دعني أخبرك.

الفلسفة تعلم الطالب أمورًا لا غنى عنها، تمثل وعيه ووجدانه. طبعًا أنت لا تعرف ما معنى وجدان أصلًا أيها المنكر للفلسفة.

المهم، فالفلسفة تعلم الطالب كيف يفكر تفكيرًا واعيًا وناقدًا، فلا يقبل أي شيء إلا بدليل، ولا ينساق وراء أي خرافات أو ترهات.

تجعله يمتلك عقلًا واعيًا ناضجًا، يفحص كل شيء ويمحصه من جميع الجوانب قبل الحكم عليه. وإذا حكم، فإنه يبين إيجابياته وسلبياته على السواء؛ لأنه تعلم في الفلسفة الموضوعية وعدم الانحياز لشيء على حساب آخر إلا بدليل، مع تجنيب ميوله ورغباته جانبًا.

تعلمه القيم والأخلاق، وتنمي لديه حب المعرفة والفضول العلمي والتساؤل عن أي أمر من أجل الفهم، وتجعله يفكر في كل شيء وفي أي شيء للوصول إلى الحقيقة.

كل ذلك وأكثر تعلمه الفلسفة. ومع ذلك، يأتي أحد العباقرة ليقول لك: "ما أهمية تدريس الفلسفة؟ ماذا سنستفيد منها؟" أصمت أيها الورِع، كفاك عجنًا.

وقد يسأل سائل آخر ويقول: "ما قيمة الفلسفة في عصر العولمة والمعلومات؟".

هذا العصر الذي تتوفر فيه المعلومات بكثرة ويسهل الحصول عليها، فما الحاجة إلى الفلسفة والتفكير حينئذ؟

الفلسفة تمنحك القيم والأخلاقيات التي تجعلك قادرًا على التعايش في هذا العصر، وتعلمك انتقاء المعلومات الصحيحة، وتبني القيم المثلى التي تتفق مع الإنسانية والعرف والدين.

اقرأ أيضًا: تاريخ الفلسفة الغربية.. وأهمية دراستها في العصر الحالي

هل للفلسفة فائدة عملية؟

كثيرون يظنون أن الفلسفة كلها أمور نظرية عقلية لا صلة لها بالواقع.

هذا ليس صحيحًا. فكما أن الفلسفة تحتوي على النظري المجرد، فهي تحتوي أيضًا على الواقعي العملي.

فالفلسفة تنقسم إلى قسمين: فلسفة قديمة وفلسفة حديثة.

الفلسفة القديمة هي التي تعنى بالأمور النظرية والمعنوية، فتتحدث عن أشياء مثل: الوجود، الأخلاق، القيم، المعرفة، وغيرها. ولذلك سميت قديمًا "أم العلوم".

تبحث في هذه المسائل عن أصل الوجود مثلًا، طبيعة النفس، وماهية الحقيقة. كلها أمور عقلية نظرية تظن من الوهلة الأولى أن الحديث فيها عديم الأهمية، لكن لا!! لها أهميتها بالتأكيد، فهي تُمكّنك من التفكير العقلي والوعي الفكري، وإن لم تستفد استفادة حسية.

أما الفلسفة الحديثة، فهي المعنية بالأمور العملية التطبيقية. فتتحدث عن مشكلات الحياة الواقعية المعاصرة، كمشكلات البيئة مثل التلوث والتصحر، وكيفية علاج هذه المشكلات، والتكنولوجيا وآثارها، إيجابياتها وسلبياتها، وتتناول القضايا المستحدثة، مثل الاستنساخ والهندسة الوراثية والروبوتات، والذكاء الاصطناعي... إلخ.

وتتحدث عن مشكلات الإنسان الواقعية واليومية التي تواجهه في هذا العصر، وما يجب عليه تبنيه من قيم في هذه الأيام، وغير ذلك الكثير من الأمور ذات النفع العملي والمباشر للإنسان.

اقرأ أيضًا: اليوم العالمي للفلسفة..أين نحن منه الآن ؟

أمثلة تطبيقية على الفلسفة الحديثة واهتماماتها

1- فلسفة العقل

تخيّل أنك تنظر إلى المرآة. ما الذي يؤكد لك أن الذي تراه هو "أنت"؟ هذا ما تبحث فيه فلسفة العقل الحديثة. إنها تسأل: ما الوعي؟ هل عقولنا تشبه الحواسيب؟ وما العلاقة بين العقل والجسد؟ فلسفة العقل تحاول أن تفهم كيف يمكن للأفكار والمشاعر أن تتشكل من أشياء مادية مثل الدماغ.

2- الفلسفة السياسية

فكر في العالم كأنه لعبة شطرنج. كل حركة تقوم بها يمكن أن تؤثر على من حولك. الفلسفة السياسية الحديثة تسأل: ما النظام المثالي الذي يجعل كل القطع تتحرك بانسجام؟ تهتم بالعدالة، والحرية، والمساواة. هل الديمقراطية هي أفضل نظام للحكم؟ وكيف نحمي حقوق الأفراد في مجتمع كبير؟

3- الفلسفة والذكاء الاصطناعي

أرى اندهاشك! نعم هذا صحيحًا، الفلسفة وثيقة الصلة حتى بالتطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، لكن دعنا نأخذ مثال توضيحيًا وتطبيقيًا لما نزعم.

في عالم الذكاء الاصطناعي الفلسفة تؤدي دورًا محوريًا في تصميم الأنظمة التي تتعامل مع القرارات المعقدة. فعلى سبيل المثال، في السيارات ذاتية القيادة، هل تختار السيارة حماية الراكب أو تجنب الإصابات الكبيرة في حادث سير قد يصيب عددًا أكبر؟ هذه القرارات تستند إلى أفكار فلسفية حول العدالة والمسؤولية.

اقرأ أيضًا: فوبيا الفلسفة.. ولماذا العداء نحو الفلسفة؟

ختامًا

إذًا، هل الفلسفة عديمة الأهمية؟ بلا شك، وفقًا لأولئك الذين لا يريدون التفكير، قد تبدو كذلك.

ولكن دعونا نكن صرحاء، الحياة دون فلسفة ستكون أشبه بمشاهدة فيلم دون حبكة، مجرد مشاهد متتالية دون فهم لما يحدث.

الفلسفة هي تلك الأداة التي تساعدنا على التفكير بأسلوب أعمق في كل ما نفعله، من شرب القهوة إلى قلي البيض.

هي ما تجعلنا نتساءل ونتحدى الأمور التي نأخذها أمرًا مسلمًا به. وفي النهاية، حتى لو لم تصل إلى إجابات، فأنت في الأقل استمتعت بالرحلة الفكرية.

وفي المرة القادمة التي يسألك فيها أحدهم: "ما فائدة الفلسفة؟" فقط أخبره: "الفلسفة هي ما تجعلني أستمتع بأشياء بسيطة مثل البيض المقلي وقهوة الصباح، في حين تتذمر أنت من تعطل سيارتك!".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

أجدت الحديث والتحدث
مقال ثرى جميل مفيد 👍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة