هل الفلسفة تمنح الإنسان السعادة ؟ أم أن السعادة فلسفة في حد ذاتها؟

لا يزال السؤال الذي شغل كل الفلاسفة هو  هل الفلسفة تمنح الإنسان السعادة ؟ أم أن السعادة فلسفة في حد ذاتها . وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال فعندما حاول اسبينوزا أن يبلور أفكاره حول العلاقة بين السعادة والفلسفة والانفعالات لم يجد الطريق أمامه مهدا للتعبير عن هذه الأفكار بشكل مناسب وبدون أن يتعرض لعراقيل أو معارضة من معاصريه سواء من الفلاسفة أو من غيرهم، وذلك لأن  اسبينوزا ظهر في وقت كانت فيه الفلسفة متهمة بشكل عام ويوجه لها اتهامات متفاوتة الدرجة تتعلق في معظم الأحيان بالهرطقة أو بأنها تحمل في ثناياها أفكار تدعو للإلحاد.  وبصفة عامة فإنه يمكن أن نعتبر أن الاتهامات الموجهة إلى الفلسفة في الحضارة اليونانية والرومانية كانت تنقسم في مجموعها إلى قسمين: هناك أولا اعتبار الفلسفة نشاطا تنويريا ذا خطورة حيث انه يحطم   التقوى الدينية والآداب الحسنة، وهناك بعد ذلك أنها كانت موضع الاحتقار، فما هي إلا مهنة معلم مدرسة ولا تليق بالمواطن الذي يعي واجباته ولا برجل المجتمع.

ولكن وجد إلى جانب هذا موقف آخر هو ذلك الذي كان يرغب في أن يتلقى المرء الفلسفة باعتبارها عنصرا من عناصر الثقافة العامة وهو الموقف الذي عبر عنه اسبينوزا، فقد كان من المفيد، وفقا لأفكار اسبينوزا، أن ينال الشاب شيئا من الفلسفة إلى جانب دراسة أمور أخرى. وكان هذا واجبة ثقافية وتوسيعا للأفق العقلي وتعميقه للمباديء الخلقية. وبعد ذلك فقد كان من الممكن للمرء أن ينال منها مهارة لا تقدر بثمن في مناقشة المشكلات المفضلة .

ولذلك لم يكن من المستغرب أن يلجأ الناس للاستماع للفلسفة لتكوين مدارك معرفية ، وهو المشهد الذي بدا معتادا بوضوح منذ عهد أرسطو نفسه ، فقد كان القسم الأكبر من المستمعين إلى المحاضرات الفلسفية ومناقشات الفلاسفة منذ ذلك الوقت من المستمعين الآتين من خارج حلقات المدارس الفلسفية والذين كانوا يرغبون في توسيع تكوينهم الثقافي، ولكن بدون أن يصيروا مع ذلك متخصصین.

. وكان هؤلاء يذهبون لسماع محاضرات فلاسفة جد مختلفين، وكان الأمر كذلك في عصر شيشرون إلى درجة أنه يمكن التحدث بالفعل عن وجود أربع جامعات كانت مستقرة في أثينا ، وتشمل هذه الجامعات أتباع المدرسة الأكاديمية، وأتباع المدرسة المشائية، والرواقیون والأبيقوريون، وكان الشباب يذهب إليها للتلمذة لعدة سنوات. وقد أصبح الفلاسفة أنفسهم يأخذون في اعتبارهم هذه الأوضاع. لكنا يجب أن نلاحظ أن  الشباب في الحلقة التي كانت تقوم حول سقراط نفسه، كان يعتبر في نظر سقراط هو الجمهور الحقيقي للتعليم الفلسفي.

في مثل هذا المناخ ووسط هذا التراث الثقافي الذي ظهر فيه اسبينوزا كان الفلاسفة قد ألفوا كتب وملخصات وتعاليم موجزة خصيصا من أجل أن يعرف هؤلاء الذين يفتقدون إلى الوقت أو إلى الفرصة  من أجل أن يعرفوا الأفكار الرئيسية لنظام فلسفي ما.  وهكذا فبجانب الفلسفة الموجهة إلى أتباع الفيلسوف، هناك الفلسفة الموجهة إلى المثقفين وهي تفرقة نراها عند أرسطو نفسه ، والتي استفاد منها اسبينوزا  عند وضعه أفكاره، وهذه الفلسفة هي التي يحتاج إليه الرجل المثقف هو معرفة بعض النظريات الرئيسية التي بها يوجه حياته وبعض القواعد المنهجية التي تمكنه من التمييز بين الصحيح والفاسد من القضايا على الأقل بصفة عامة .

ومع ذلك فإن الفلاسفة (منذ عهد سقراط) ورغم تنازلات من هذا القبيل لم يحاولوا إخفاء ادعائهم أن الفلسفة لها أن تشكل حياة كل إنسان بأسرها، فالوجود الجدير بالإنسان إذا أخذنا الأمور على نحو دقيق ليس ممكنا بغير الفلسفة، وعلى الرجل والمرأة وعلى الشاب والشيخ عليهم جميعا الاشتغال بالفلسفة، وليس هناك من  سن مبكرة كثيرة أو متأخرة كثيرة للبدء في هذا. ويشير أحد محاوړي سقراط مرة بشكل واضح صريح إلى أنه إذا ما كان ما ينادي به سقراط صحيحا فإنه سيصبح على المرء أن يغير من أسلوب حياته من الجذور وتصور هذا مجموعة من الحكايات التي تبين كيف أن رجل المجتمع عندما يتصل مع الفلسفة فإنه يتغير تماما، وهكذا الحال مع القبيادس ومع بوليمون الأفلاطوني  ومع كثيرين غيرهما .

ووفقا لهذا جعل سبينوزا  السعادة هدف للأخلاق وهو يأخذ الانفعالات ضمن سياق الأخلاق العامة التي من الممكن أن تؤدي للسعادة، ويعرف السعادة ببساطة بكونها وجود اللذة وانتفاء الألم، ولكن اللذة والألم أمران نسپیان وليسا مطلقين وليسا حالتين معينين بل انتقاليين. ويعتبر سبينوزا إن اللذة هي انتقال الإنسان من حالة كمال أقل إلى حالة أعظم کمالا. واللذة تأتي هنا من زيادة قوة الإنسان. كما يعتبر سبينوزا أن الألم هو انتقال الإنسان من حالة كمال أعظم إلى أخرى أقل كمالا، وأنا أقول انتقال لأن اللذة ليست كما في حد ذاته.

وعلى هذا يذهب سبينوزا إلى أنه لو ولد إنسان كاملا لما شعر بعاطفة اللذة، ونقيض هذا يزيد الأمر وضوحا. إن جميع العواطف والمشاعر تحرك وانتقال نحو الكمال والقوة، أو انتقال وهبوط من الكمال والقوة، فالعواطف والمشاعر جميعها انتقال وتحرك إلى القوة والكمال، أو هبوط منهما. ويقول سبينوزا: «أنا أفهم من العاطفة أوضاع الجسد التي تزيد فيه أو تنقص قوة العمل والتي تساعد أو تقید هذه القوة المزعومة . وفي هذا السياق يرفض سبينوزا ما ذهب له الرواقيون والمدرسة الديكارتية من أن الانفعالات يمكن أن تكون خاضعة لإرادة الإنسان أو أن الإنسان يمكن له أن يتحكم في انفعالاته، كما يذهب سبينوزا إلى القول بأن الانفعالات لا يمكن كبحها أو السيطرة عليها إلا بانفعالات مقابلة تماثلها في القوة أو أقوى منها، وعلى سبيل المثال فإن الكراهية العميقة عندما تقابل بالحب الشديد فإن هذا الحب ينتصر في نهاية المطاف على الكراهية وتتحول هذه الكراهية إلى حب عظيم كأنه لم يسبق قبله كراهية من قبل. وهي الأفكار التي  حاول سبينوزا أن يبرهن عليها برهانا هندسيا.  وفي نفس الوقت فإن سبينوزا ذهب إلى أن  العقل لايمكن أن يأمر بانفعالات لا تتناسب مع رغبات الإنسان أو مع مصالحه. بل ما يحدث هو أن العقل يختار دائما بين أكثر الخيرين نفعا للإنسان، أو أقل الضررين شرا للإنسان، أو قد يبحث عن الخير في شر أقل، أو قد يتنازل عن خير أكبر في سبيل أن يكون احتمال الشر الذي قد يتعرض له الإنسان أقل، ومع الأخذ في الاعتبار أن الحرية التي يتمتع بها الإنسان في هذا السياق هي حرية ( جبرية نفسية) خاضعة لمبدأ السبب الكافي الذي يعني أن السبب المختار هو الأحسن.  وعلى هذا يكون مبدأ العقل هو الاختيار وفقا للفهم على اعتبار أن الفهم هو المصدر الوحيد للنفع الذي يحققه الإنسان أو الذي يتوخاه من وراء انفعالاته .

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.