هل الدراما سبب في انتشار الجريمة؟

إن ارتباط سكان الأرض بالإنترنت في كل شؤون حياتهم، ابتداءً من الطعام والشراب إلى الترفيه والثقافة، جعل الدراما بكل أشكالها جزءاً من هذا الزحام الرهيب، والذي ينمو ويستبيح قدرتنا على الاختيار.

أصبح الفارق بين الخيال والواقع الحقيقي والافتراضي ضيقاً، وليس من الإنصاف أن نتجاهل خطر تدفق الصور في اليوم والليلة.. 

كما أنه ليس من الإنصاف أن نتهم الدراما كأداة، لأن آلاف القنوات على يوتيوب وغيره، يديرها شباب ومراهقون هواة وربما يقدمون محتوى سيئاً من الناحية الفنية، يشبه الدراما أو يجعلون الدراما موضوعاً ينقدونه، بدون أي خبرة أو معرفة، وإنما لذائقة شخصية.

تعرف على الدراما وتأثيرها في صياغة الأخلاق

تجنباً للتنظير الممل وتكرار ما كتبه النقاد مراراً، يمكن أن نلخص المواقف والاتجاهات من الدراما وعلاقتها بالواقع، فيما يأتي:

  • اتجاه يرى أن الدراما، الغاية منها التسلية وإمتاع المشاهد، وعلى الناقد أن ينظر لبنية العمل الدرامي، من الناحية الفنية والجمالية والحرفية، وليس من دور العمل الدرامي - في رأيهم - أن يقدم وعظاً أو إصلاحاً للمجتمع.
  • اتجاه يرى أن الدراما عليها أن تكون صورة فنية للواقع، وأن تنقل ظواهر المجتمع كما هي، ولكن بشكل إبداعي جمالي، يضفي عليها الكاتب رؤيته، ويرى أن الناقد لا ينبغي عليه، أن يقدم وعظا أو أن يرسم صورة مزيفة للواقع.

ومع اعتبار الاتجاهين - ولو نسبيا - يتبنى آخرون دور الفن والرواية، في ترسيخ القيم في المجتمع، وضرورة وجود رسالة قيمية وأخلاقية، في العمل الدرامي، وهذا ما أتبناه أيضاً.

نشر الأفكار والسلوكيات المنحرفة

نحن نعلم سلفاً، أن المجتمع فيه من السلوكيات المشينة، والتي تكون نادرة في معظم الأحوال، وإن كانت غاية القائمين على العمل الدرامي، هي إبراز المجتمع بما فيه، للتنبيه على خطورة ذلك، حينئذ تكفي الإشارة، وذكاء المشاهد يمكنه من فهم الربط بين الشخصيات وتصاعد الأحداث.

لكن عندما يأتي البطل، في مشاهد تجتمع فيها نماذج من السلوكيات المنحرفة، والتي نربي أبناءنا على أنها سوء أدب، تبدأ مشكلة المشاكل

وصناعة السينما تقوم على ترويج الأفلام، من خلال نجوم ومشاهير من الممثلين والممثلات، وعادة ما يتم طبع شخصية البطل في النص المكتوب، على النجم السينمائي المحبوب.. 

وحينها يصبح البطل على الورق هو النجم المحبوب، والذي يستغله المنتج للترويج للعمل وتحقيق أعلى إيرادات.

وهكذا يصبح النجم قدوة! وعادة ما تلعب الأحداث والمؤثرات والموسيقى التصويرية، لتجلب التعاطف مع النجم، بغض النظر عن سلوكياته داخل العمل، ونحن نسلم بأن هذا تمثيل، لكن كما قال الأولون: ما تكرر تقرر

وأرجو أن تتذكر صديقي القارئ حادثتين من أبشع ما رأينا، مع فتاتين في منطقة الدلتا، والتي كانت محافظاتها معروفة بتحفظها، أعني نيرة أشرف وسلمى بهجت رحمهما الله

وعندما نراجع مشاهد لأعمال عديدة، تروج بصورة غير مباشرة، للقتل خارج القانون، وللانتقام والبشاعة ومراعاة خطف أبصار وقلوب المشاهدين، حتى أصبح القطع والذبح والطعن، مشاهد مألوفة.

تعرف على الدراما اليمنية

النجم البطل والترويج به

وقد تجد "البطل" - في شخصية النجم - يمارس التحرش، بل والعلاقات غير المشروعة، مع مجموعة من التصرفات النمطية، مثل التدخين بشراهة، أو تناول الخمر..

وقد تجده يحطم سيارات، ويستخدم أسلحة بشتى الأنواع، وإن لم يكن يمثل شخصية ضابط

ومع ذلك يقتل ويسرق ويروع ويتعاطى مخدرات... إلخ، والمشاهد يتعاطف معه ويتابع بشغف كيف سينجح البطل في الانتقام أو النصر

وإذا كان أكثر المتابعين لتلك الأعمال، من المراهقين غالباً، فماذا تنتظر من سلوكياتهم

وقد كان الأمر هينا نوعاً ما، قبل القنوات الفضائية والإنترنت والهواتف المحمولة المتقدمة، وانتقلت السينما بإنتاجها كله - وليس فيلما أو فلمين- في متناول هاتف في يد مراهق. 

واتسع الأمر ليشمل المسلسلات، والتي يمكن للواحد أن يشاهد مسلسلا من 30 حلقة، في ثلاثة أيام.

تصور أنت مستوى الشحن النفسي، والتلاعب بمشاعر الأولاد والبنات، وقد يكون مضحكاً أن نتحدث عن تحديد عمر المشاهد، كأن يأتي التنبيه على أن المسلسل (+16 أو +18)..

فقل لي ما الذي يمنع بنتاً عمرها 14 سنة مثلاً من أن تشاهد أي شيء على الإنترنت، وهناك آلاف الوسائل للمشاهدة بخلاف يوتيوب ونتفلكس.

الترويج للتدخين

هناك اتفاق عالمي على خطورة التدخين، ومساعي حكومات في أمريكا وأوروبا، للتخفيض من نسب التدخين، فبماذا نفسر إذا الإصرار على كمية من السجائر تتعدى العشرين سيجارة، في الحلقة الواحدة؟

هل يمكن أن يساعد ذلك في تقليل التدخين أم الإقبال عليه؟

مع الربط بين البطل والتدخين، والتفكير والتدخين، والتوتر والتدخين، والذكاء و"الفهلوة" والتدخين. مع الإلقاء بأعقاب السجائر في أي مكان، وكأن مكانها الطبيعي ليس سلة المهملات!

تعرف على إضفاء الطابع الرومانسي على قصص الجريمة يثير العديد من المخاوف الأخلاقية

الترويج للانتحار

مسلسل 13 reasons why هو أحد المسلسلات التي تسببت في قلق بعض الهيئات الأمريكية والأوروبية..

واستجابت نتفليكس في 2019م بحذف المشهد الذي يظهر انتحار بطلة المسلسل، لكونه مؤلم ومثير للجدل

ولاقى القرار استحسان مجلس الآباء التلفزيوني، بسبب قساوة المحتوى على المشاهدين الصغار

ورد الفعل المتخوف يؤكد خطورة الأعمال، التي تجعل الشباب متعاطفا مع الخطأ.

تعرف على رسائل الحب بين الأفلام والمسلسلات والواقع

السخرية من القيم وأذى الآخرين

في أحد الأعمال، التي لاقت إقبالاً كبيراً من الشباب – وهو مسلسل اللعبة – نجد الاستهانة والسخرية من كل شيء، أثناء تنافس شخصين، على المقالب وتحقيق "سكور" أعلى، وخطر هذا النوع من الدراما، تشجيع المراهقين على سلوكيات خاطئة.. 

ويجعل القيم والأخلاق مثيرة للسخرية، وكان من الممكن أن يوجه صناع العمل، التنافس من خلال النجاح في العمل أو الدراسة مثلا، مع الإبقاء على الكوميديا

لكن الصراع القائم على حرق ممتلكات الغير، والسرقة، والكذب، والاستهانة بقداسة العلاقة الزوجية، لا شكّ أنه يشجع على الخطأ والعبث، وتعليق كل شيء على شماعة الضحك و "الهزار".

تعرف على سلاسل الأفلام في السينما المصرية

البحث عن القدوة:

الدراما وسيلة هامة لترسيخ الهوية، وقيم المجتمع، ورواية التاريخ بل تستخدم في التعليم والعلاج والسير الذاتية للأعلام، تحتاج لرؤية وطنية، وتقديم قدوات للمراهقين

ولا بأس من أن تعرض معاناة الشباب وكفاحهم، لكن نموذج المواطن "العبيط" و"السفيه"، كما في "اللمبي" مثلا، يشوه عند الناشئة معنى القدوة..

لذلك أعتقد أن صناع الدراما يجب أن يكون لهم خطة استراتيجية، وأن نرى الشاب الطموح الشهم المتفوق، جنباً إلى جنب من يخالفه

فالواقع يشهد بمئات الشباب العلماء، في مصر وغيرها من الدول العربية، ومعظمهم نجح نجاحاً باهراً في الغرب، في تخصصات مختلفة، شخصيات رائعة وملهمة ومتنوعة في بلادنا..

نحتاج أن يتسع وعي وخيال الكتاب، ليعرضوا لنا مثل هؤلاء، ولو تتبعوا مسيرة كفاح بعضهم، لخرجوا بمئات الأعمال، ويكفي حتى الآن لم نجد عملاً يجسد شخصية د. أحمد زويل، وهذا الموقف غريب لا أفهمه.

محاضر في الصيدلة الإكلينيكية، والجودة الصحية وإدارة الذات. مؤسس مبدعون للتدريب

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل جدا ، من أجمل ما قرأت

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أشكرك ممتن جدا

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Sep 30, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Sep 29, 2022 - معاذ يوسف طاهر ناصر جلاب
Sep 15, 2022 - اروى حسين فلاني
Sep 12, 2022 - آلاء يحيى مطر
Aug 10, 2022 - منة الله صبرة القاسمي
Jul 9, 2022 - شيماء التميمي
Jul 8, 2022 - يونس محمود عزيزه
Jul 7, 2022 - درويش الببيلي
Jun 19, 2022 - محمد جمال عبدالله العزيزي
نبذة عن الكاتب

محاضر في الصيدلة الإكلينيكية، والجودة الصحية وإدارة الذات. مؤسس مبدعون للتدريب