هل الحب أعمى؟!

في إحدى تلك الليالي العاصفة المزمجرة الممطرة، حيث لا مظلة تنفع ولا جزمة لدخول الماء إلى الأقدام تمنع, ولا غطاء (ما يسمى بالمعطف) لدخول الهواء إلى العظم يمنع . ولا صوت استغاثتي إن حصل لي شيء يُسمع.

 وبينما كنت أحاول جاهداً إبقاء ولو بقعة صغيرة مما على جسدي جافة، ألا وهي جيب داخلي في هذا المعطف المائي حيث صودف أنني أضع فيه هاتفي ومحفظتي، فهما الشيئان الوحيدان اللذان يُعرَفان عني في حال حملتني تلك الرياح إلى أي مكان آخر وزمن آخر.

وبينما كنت في حالة عراك مع تلك الرياح في محاولة إبقاء جسدي على تلك الأرض، ولبرهة أحسست أنه حتى تلك المحاولة سوف تبوء بالفشل، وبرغم صريخ الصواعق وهدير الرعد إذ بي أسمع أنين يأتي من داخل هذا الزاروب الضيق.

توجهت وبأقصى سرعة بمعدل 50 سم في الساعة بسبب ردع الرياح التي كانت في حالة إصرار من أن تحملني وتأخذني إلى ديارها.. وبعد دهر وصلت إلى مكان الأنين، إذ بي أرى شيئاً مرمياَ على الأرض، خلعت معطفي بعناء بسبب ما يحمل داخله من ماء.. ولففت هذا الشيء به وحملته عائداً به إلى وكري (المقصد = منزلي).

فور وصولي (قصدي وصولنا) خلعت تلك الخرقات المملوءة بالماء وحملت هذا الشيء إلى ملاذي الآمن (غرفتي الخاصة) (هذا الخطأ الأول من عدة أُخر) وبدأت عملية تدفئته والتهدئة من روعته واستكشاف ما حل به.

بعدما أحسسنا جميعاً أنا والشيء وأنتم .. أعزائي يا من تقرأون بالدفئ والأمان، نظرت ملياً الى هذا الشيء وهو متلحّف بلحافي الذي لا أملك غيره (هذا الخطأ الثاني من عدة أُخر) ورحت أتأمله جيداً وهو يرمقني بنظرة الخائف والمطمئن في أن واحد (كيف يعني هذا .. كيف هو خائف ومطمئن في نفس الوقت؟؟!!) حاصلته ...

قلت له مُرحِباً .. أهلاً وسهلاً بك في بيتك ومكانك.. كلمات وتعابير تقال من باب اللياقة للضيف (هذا الخطأ الثالث من عدة أُخر) وسألته: هل آتيك بمشروب ساخن أم تفضل تناول وجبة ساخنة أولاً. ومن باب الكرم الحاتمي والتشجيع  دعمت سؤالي وقلت له: أرجو أن تعتبرني في خدمتك ولك أن تطلب ما تشاء (هذا الخطأ الرابع من عدة أُخر).

بعدما شرب وأكل.. الأخضر واليابس وأصدر بعض الأصوات الداخلية والخارجية (ولا أعني تلك التي تصدر من الفم). وبينما نحن في حالة بحلقة (ملحوظة للذين لا يعلمون.. البحلقة = النظر للآخر بعيون جاحظة) في بعضنا البعض، تشجعت و سألته هذا السؤال الذي كان يراودني منذ الفترة الأولى التي رأيته فيها ملقياً على الأرض في ذالك الزاروب في تلك اللحظة المشؤومة.

سألته: هل أعرفك؟  هل سبق أن التقينا أو تمت معرفة بعضنا البعض في مكان ما؟ في زمن ما؟!

واسترسلت في أسئلتي التي وكما يقال عنها بطعمة وبلا طعمة،و أنا أنظر إليه خلال كلامي وهو لا يزال على تلك النظرة التي يرمقمني بها.. نظرة الخائف والمطمئن في آن واحد (لا زال السؤال موجود .. كيف يعني هذا ؟!)

إلى أن قفزت إلى رأسي بعض الذكريات .. إنه .. أنا وهذا الشيء كنا التقينا مع بعضنا ذات يوم بينما كنت أرعى ديناصوراتي في مزرعتي العزيزة في ذاك الزمن الجميل .. وأتى هو متمختراً .. متنكراً و متشبهاً بالقمر, حيث ومن نظرتي الأولى إليه إنقرضت ديناصوراتي وطارت مزرعتي، وارتحلت معه إلى حيث لم أعد أذكر إلى أين.. وكأنني أصبت بفقدان للذاكرة طوعاً أو قضاءاً وقدراً.

لن أقوم بحصر دماغي وتضيع وقتي ووقتكم الثمين بالتفكير ومحاولة التذكر.. لذا.. اليوم نهار جديد.. الشمس ساطعة.. السماء صافية.. الرياح رحلت مبحرة في مياهها بعيداً مع صواعقها ورعدها وبرقها.

بقلب فرح وسعادة مرفرفة لا أعلم لماذا ؟! طلبت من ضيفي أن نخرج ونستمتع بهذا الزمن.

كان جميلاً.. بهياً يشبه القمر (هذا التشبيه ليس بغريب عني!!) ذهبنا إلى كل الأماكن.. إلى كل المدائن.. لعبنا ضحكنا أكلنا وشربنا .. أخبرته كل أسراري وقصصت له كل أقداري (هذا الخطأ الخامس من عدة أُخر) أصبحنا اثنان في واحد (أكيد هنا أنا لا أقصد التسويق لأي مسحوق تنظيف).

ومرت الثواني والدقائق مع الساعات والأيام .. ونحن نسبح في بحورالسعادة في هذا الذمان، ومعه نسيت كل أهلي.. وأصحابي.. وأعمالي والخلان (للمرة الثانية) (هذا الخطأ السادس من عدة أُخر).

أعطيته مفتاح قلبي وعقلي وبيتي وما ادخرته من زمان تحسباً لغدر الزمان. (هذا الخطأ السابع من عدة أُخر)

بقينا ما علينا في هذا العرس الخرافي فترة من الزمان.. حتى نهار أمس حيث كنا في البستان وفي سعادة ما بعدها سعادة نأكل الرمان.. طلب المزيد.. تسلقت الشجرة بلحظات قصيرة ونزلت وبيدي ما يريد.(هذا الخطأ الثامن من عدة أُخر).

لم أجده.. ورأيته مع غيري في آخر البستان.. ناديته.. ركضت نحوه واقتربت منه وسألته مستفسراً ماذا حصل؟! لماذا مع هذا ( ال غيري ) أنت تغادر المكان؟! في صمته المعتاد جاوبني، ورمقني بتلك النظرة.. نظرة الخائف والمطمئن في أن واحد (كيف يعني؟!).

لوحت له بكلتا يديّ.. قفزت من حوله جيئة وذهاباً.. ولكن لا شيء وكأنه لا يراني.. وكأنه أعمى!!

في تلك اللحظات قفز هذا الذي اسمه التاريخ ووقف أمامي ويديه حول خاصرته وقال مذكراً إياي حول من يكون هذا الشيء و كيف لي أن أعرفه..

قال:  إنه هذا الذي يلقبونه  بالحب.. يأتي متنكراً بشكل جميل ويرحل مع ما لديك من جميل.

وأضاف: ألم أقل لك من زمان بأن الحب أعمى.. ألم تتعلم من تجربتك الأولى معه.. ألم تتعلم بأنه ومهما قدمت له ومهما فعلت له ومهما لوحت له فلن يراك.. لأنه أعمى.

ويزيد التاريخ على مسمعي بأن عمى الحب يأتي بأنواع وأشكال مختلفة.. فهنالك الخبيث وهنالك الحميد وهنالك من يتركك حتى ولو بينكم عمرمديد على الحديد.

مشدوهاً.. مصدوماً.. منكوساً فاغراً فاهي، وقفت و.....

حاصلته.. وأنا في غمرة سعادتي (أعني تعاستي) بدأت أشعر بنقاط على وجنتي، مسحتها وقلت مخاطباً نفسي الكئيبة: منذ زمن طويل لم تدمعي وتبكي. ومسحت دمعات أخرى.. وأخريات..

لأعي بأن ما يسقط على خدودي (يا نوسواتهم ما أحلاهم وهم مبللين بالدمع) ما هي إلا قطرات تنزل من السماء التي بدأت تمطرني بوابل من ماءها، وعادت تلك الرياح تعصف مع أصدقاءها (السيد رعد وحرمه الأخت صاعقة).

ورأيتني كما ذاك الزمن الجميل حيث بدأت قصتي.. أركض محاولاً أن أحافظ على  بقعة صغيرة مما على جسدي جافة.. ألا وهي جيب داخلي في (هذا المعطف المائي) حيث صودف أنني أضع فيه هاتفي ومحفظتي، وكما ذكرت لكم سابقاً (فقط في حال نسيتم أعزائي) هما الشيئان الوحيدان اللذان يعرًفان عني في حال حملتني تلك الرياح الى أي مكان أو زمان آخران.

وفي خضم ما أنا به من نزاع وعراك مع الرياح وأخواتها.. إذ بي أسمع أنين من ذاك الذاروب.. أراني أركض وبسرعة ناحيته.. إنه هو.. رأيته جالساً على الأرض.. (ماذا ؟.. أتظنون أنني سوف أعيد الكرة للمرة الثالثة .. لا وألف لا فالثالثة ثابتة)

لذا وأسرع من البرق الذي يهدر فوق رأسي، أعطيته معطفي وسروالي وحذائي وهاتفي ومحفظتي طواعية هذه المرة  وتمسكت بتلك الرياح العاتية قبل مغادرتها، عسى تنقلني معها إلى مكان وزمان آخران لا وجود لأي أعمى بهما. وعلني أقوم ببداية جديدة لن يكون بها سواي وذكرياتي مع ديناصوراتي ومذرعتي الحبيبة والخلان.

ووعد مني .. أنه عندما أصل إلى اللامكان سوف لن أقوم بإرسال عنواني لأي شخص كان.. خاصة أنتم يا من تقرأون... لأنني أعلم بأنكم إن رأيتموني ستواجهونني بما حصل معي ومني سوف تشمتون..

ختاماً نصيحتي لكم ولمن حواليكم، إنتبهوا لأنه من الممكن جداً أن يكون الحب الذي لديكم أعمى أو سيصاب بالعمى.

إلى لقاء قريب ( يمكن نعم.. يمكن لا).

 الأخطاء الثامنية.. هي فقط لتذكير ذاتي ولمن رغب من أن لا يقع بها.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب