في عامي الجامعي الأول وبينما أتمشى على الرصيف مررت ببائع كتب، فتوقفت لأمارس هوايتي الثالثة بعد القراءة وشراء الكتب، وهي التحديق طويلًا بعناوين الكتب المتراصة هناك، والروايات المترجمة، والروايات الشبابية، ونصف المعروض كتبًا عن التنمية البشرية كل مشتقاتها، مثل إدارة الوقت وتنمية المهارات وزيادة الدافعية وتحرير الطاقات بمستوياتها المختلفة، سواء كانت تلك الطاقات ايجابية نحررها من أجل الإنجاز أو سلبية نحررها من أجل التخلص منها، الكثير من الأغلفة بصورة الراحل إبراهيم الفقي، أو العادات وسحرها، أو حتى ستيفن كوفي وغيرهم الكثير من الأسماء اللامعة في هذا المجال.
لم أكن أعرف ما هذا العالم حتى أخبرتني إحدى الصديقات أنها تحب هذا النوع من الكتب، كتب التنمية البشرية، كنت قد سمعت ذلك المصطلح قبلًا لكنني لم أتقبله، ولم يغرني التعرف إليه إلا من باب إدارة الوقت وكيفية التعامل معه، كنت أظن أن التنمية البشرية تنحدر كجزء من الطب النفسي، لكنني الآن بعد قراءات طويلة فيها أسميها علم التشجيع.
اقرأ ايضاً وهم وهم التنمية البشرية
بداية مصطلح التنمية البشرية
لم تبدأ التنمية البشرية بمفهومها الحالي، بل بدأ ذلك المصطلح على يد الخبير الاقتصادي محبوب الحق، الذي استند إلى عمل (أماراتيا سين) الحائز على جائزة نوبل في القدرات البشرية، وهي نهج للنهوض برفاهية الإنسان، لا يرتكز ذلك على الإنسان فحسب، بل أيضًا على الدول وما توفره للأفراد من الفرص والخيارات، وما تقدمه لهم من أجل أن ينهضوا بحياة شعوبهم للأفضل، وتهتم بهذا الجزء الأمم المتحدة للشأن الإنمائي.
وتحتل مصر المركز 108 في مؤشر التنمية البشرية بالنسبة لدول العالم، كما تحتل المركز الثامن عشر طبقًا لتقرير جامعة الدول العربية للعام 2018.
اقرأ ايضاً هل التنمية البشرية خدعة علمية؟
هل التنمية البشرية علم بالفعل؟
لا يوجد قسم في أي جامعة أو مدرسة في العالم يقوم بتدريس هذا العلم، ولا يوجد أيضًا تخصص يدعى تخصص التنمية البشرية، لذلك فهي ليست علمًا معترفًا به، أو تخصصًا أكاديميًا، إنما جاء صعودها؛ لأنها تمثل مخدرًا لشعور الفرد، وزيادة حماسه، وإشعاره بأنه ليس فاشلًا وبأنه قادرًا على فعل كل ما يريده ويتمناه.
جاءت التنمية البشرية كحبة الترامادول التي تعطي إحساسًا زائفًا بالنشاط، ثم حينما تنتهي فاعليتها يعود الفرد إلى طبيعته العادية لتفاجئه بصدمة قوية، وهي أنه غير قادر على فعل أي شيء، خاصة تلك الكلمات شديدة التحفيز التي تخبرك بأنك قادرٌ على إدارة حياتك، قادرٌ على فعل أي شيء، قادرٌ على حيازة القوة والثروة والجاه والمال، والمشكلة الكامنة في التنمية البشرية أنها كلامٌ عام لا يراعي الفروق الفردية بين الأشخاص أو ظروف حياتهم، لكنه يعامل الجميع بالمثل، يعطي نفس الدواء لكل الأمراض.
يقول إن الجميع بإمكانهم النجاح في أي تخصص يريدونه، دون وضع الذكاء في الاعتبار، كما يرون أن الجميع لديه القدرة على إدارة حياته، بإغفال بعض الظروف الاجتماعية والبيئية، بل وأحيانًا مشاكل الصحة العقلية التي تؤدي إلى تدهور حالة الإنسان ومنعه من التغيير والمقاومة.
اقرأ ايضاً خطأ التعميم لمفاهيم التنمية البشرية للجميع
التنمية البشرية خدعة للكسب
حينما تساءلت إحدى الصديقات عن ذلك دافعت أخرى وقالت: التنمية البشرية أفضل العلوم الإنسانية وأرقاها، كعادة المؤمنين بها يهبّون دوماً للمدافعة عنها؛ لأنها في نظرهم علمٌ لا يقبلون المساس به، كما أنه من الظلم أيضًا القول بأنها كلها دجل، وكلمات منتقاة بعناية من أجل كسب المال والرونق الاجتماعي من جهة أو من أجل بضعة أفراد.
لكن في حقيقة الأمر هناك بعض الموضوعات التي نظمتها التنمية البشرية، مثل تنظيم الوقت، فقد أثبتت بعض طرق تنظيم الوقت المنقولة عن كتبها فاعليتها، كما أنها أفادت بعض الأشخاص أصحاب النظرة السلبية للحياة، لا يمكن لها أن تصبح نقطة مضيئة على الإطلاق.
فهي قد تشعرهم ولو لفترة بسيطة بأن الحياة أفضل مما يرون، وأن هناك متسعًا لتحقيق ما يصبو الفرد إليه، وكذلك قد تكون هناك بعض الكتب المحفزة التي تفيد الأفراد فعلًا في حيواتهم، مثل تجارب بعض الأشخاص الملهمة.
التنمية البشرية ومشكلات الصحة النفسية
إن كانت التنمية البشرية تقوم بتحفيز الآخرين، فإنها قد تسبب الكثير من المشكلات لأولئك الذين يعانون من الاكتئاب وتبعاته؛ لأن الأشخاص المكتئبين كثيرًا ما يهاجمهم الشعور بأنهم لا يستحقون أي شيء، وأنهم عديمو الفائدة، أو أنهم أولئك الذي يرون أنفسهم فاشلين، حينما يستمعون إلى محاضرات التنمية البشرية وما يدور فيها، ومن أنك قادر على المضي قدمًا ولا شيء يمكنه ايقافك، قم وأنجز أعمالك، قم وقاوم الظروف السيئة المحيطة بك، سيشعر أنه مسؤول بشكل كبير عما يشعر به، وبناءً على ذلك تزيد أزمته عمقًا، وتصبح حالته أكثر سوءًا مما يترتب عليه أن تدهور حالته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.