هل التقاعد آخر الحياة أم أنه مجرد بداية؟

يُعدُّ وقت الفراغ وقتًا ميتًا، إن لم يستغله صاحبه فيما يعود عليه بالنفع، بمردود معنوي أو مادي أو كليهما معًا. لهذا فانتسابه لما يُسمى بالوقت الثالث كأنه وقت خارج مؤشر الزمن، يمسي رهينًا بقيمة الوقت المستهلك من لدن الفاعل. بحيث وجب في كل عمل كيفما كان نوعه، أن يُحتسب داخل جدول محدود بسقف زمني معين.

اقرأ أيضاً أسلوب التخاطب للعاملين في الشرطة أثناء الخدمة وبعد التقاعد ودلالته الإنسانية والمهنية

أهمية الوقت وتقديره

لو كان مجرد وقت راحة أو وقت متعة واسترخاء. لأن من لم يحترم تلك الجزئيات الزمنية المحسوبة عليه، مهما تهرب أو حاول التملُّص منها، ما استطاع تمديد زمن عمره المحدود، بمعنى أنه يساهم في ضياع الفرص من بين يديه سدى، وهو أحوج إلى كسب كل فترة من زمن حياته الذي لا يدري عن مداه شيئًا. لهذا، لا بد أن يقيِّم ويثمِّن كل فرصة سانحة لاستغلالها لصالحه، مهما كانت ظروف عمله ومهما جرت الأوضاع ضد أهدافه؛ لأن من سنن الزمن أنه لا ينتظر أحدًا، ولا يهمه شأن أي شخص كان. وبالتالي وجب أن يحسن من تصرفاته تجاهه  كأنه صاحب حق، أو أنه بطل مشهد، أو سيد موقف، وذلك لأنه وبكل بساطة مقام الزمن يعلو ولا يُعلى عليه.

 للزمن مكانة وقيمة ظرفية ومعنوية، لا تقل شأنًا عن قيمة الروح لدى أي فرد منا. والحكمة هنا، أن نجعل من الوقت، قائد كل أهدافنا وانتظاراتنا، وإن قلَّت فرص المتعة به. والأهم، أن نستفيد من كل تجربة به أو فيه، وأن نتقيَّد بما ينصه علينا أي ظرف زمني معين، بحيث نعمل بجد على ضرورة كسب الوقت والتمتع فيه قدر المستطاع، وليس لنتركه يضيع هكذا بدون أي نفع مقابل؛ لأن ضياعه يساوي فقدان فرص ثمينة قد لا تُعوَّض.

 لهذا وجب علينا أن نهتم أكثر بما لدينا من كنز الزمن المتوفر، لأنه مهما استقبلنا الظرف، أو دُفع بنا الى الرضوخ للاستسلام، لا بد من جعل عجلة الوقت تدور في الاتجاه الصحيح، أي نحو ما نصبو إليه وليس العكس؛ لأن نسبة مدة الحياة المتوقعة منذ الولادة لدينا كبشر، لا تتجاوز تسعين سنة على العموم إلا نادرًا.

 وحسب الظروف الحياتية لكل شخص معاصر، والذي بات لا ينعم بصفة كافية من وقته بسبب كثرة انشغالاته، وكذا مسؤولياته الشخصية والوظيفية. الشيء الذي دفع به إلى تقنين جدول وقته حسب أولويات أهدافه، مما يسهل عليه تلبية جل مآربه وكذا واجباته، بين ما هو شخصي وما هو اجتماعي. ورغم ذلك فقد نجده يشتكي من كثرة أشغاله وقلة ما يسمى بـ "الوقت الثالث"، أي تلك المدة الزمنية التي يخصصها لنفسه، لكي يتمتع بما تيسَّر له من وقته الخاص.

اقرأ أيضاً تعرف على إتيكيت الموظف في مقابلة العمل

فيم تتمثل حياة المتقاعدين؟

 تتمثل حياة المتقاعدين بصورة نمطية لدى أغلبهم، وكأنهم يعيشون تحت سقف واحد، فنلاحظ أن مصير أيٍّ منهم، لا يختلف كثيرًا عن الآخرين، خاصةً، من ناحية الجانب النفسي ثم الاجتماعي، كلًّ حسب وضعه الصحي وكذا أوضاعه المادية كذلك. التي قد تقوم مقام الدعم الأساسي لكل فرد مهما كانت أحواله العامة، وحيدًا أو وسط ذويه أو مختلطًا بمجتمعه الصغير.

لهذا يفترض أن نفرق بين وجدان حياة شخص مسن متقاعد، وآخر لم يعرف أو لم يجرب مسيرة عمل محكوم بتوقيت محدد، وتحت شروط عمل خاصة، مقابل أجر محدود أيضًا. وهذا التباين في القيام بما نسميه بالواجب المهني مثلًا، قطعًا قد يؤثر بصفة مباشرة أو غيرها في نفسية المعنيِّ بالأمر، مهما كانت خلفيته الثقافية أو تكوينه الأكاديمي أو السياسي منه؛ لأنه لا شك سيرغب في تحقيق كل ما حُرم منه وهو لا يزال يزاول مهامه، تحت لواء إدارة القطاع الذي كان يعمل به.

 وهكذا سنجده بعد حصوله على تقاعده، أي بعدما استرجع حريته كاملة من تبعية نظام معين، يتوق إلى أخذ زمام أموره من جديد، وبأسلوب جديد كذلك، كلما سمحت ظروفه الخاصة بذلك؛ لأنه يراها فرصة أخرى، ربما لا ثانية لها، وبكل حزم وعزم، يباشر مسيرة حياته الجديدة، وذلك بأن يتابع تنفيذ برامجه اليومية مع بعض التغيرات الطفيفة، لا من ناحية المواقيت أو من ناحية محتوى سلة المهام المنوطة به وهي كثيرة عند بعضهم.

اقرأ أيضاً 5 نصائح لاجتياز مقابلة العمل والتعيين على الوظائف الشاغرة

مميزات فترة التقاعد

 توجد واجبات، ستدفع بالمسؤول إلى التعامل مع بعض الحالات بكل عفوية لأنه خياره، أو لأنه مرغم على ذلك. حسب صفته الاجتماعية أو لأنه ربما وجد نفسه محاصرًا بين إكراهات " سوسيو- اقتصادية " ملزمة، تلك التي قد تجرفه إلى ما قد لا يُحمد عقباه. فتجده يشكو من فراغ مزمن بصفة عامة، بحيث قد تظهر عليه بعض أعراض العطالة، لما تثيره من ملل وكسل، وقلق وتوتر عصبي، من جراء أن المعني بالأمر لم يكن مستعدًّا لاستقبال ظرفه الجديد. وكذا لم يعمل على التكيف مع وضعه الخاص ومسايرة الحال الذي وجد نفسه فيه، بدون أن يحاول ولو تدريجيًّا، التأقلم والاستئناس بنمط حياته المستقبلية.

 من حسنات التقاعد، أنه فترة زمنية مهمة لمن كان محظوظًا، لكي يتمتع بما توفَّر له من الوقت الممكن من حياته الباقية، خاصة إن استطاع أن يتماشى وظرفه المستجد، ليتسنى له السير قدمًا، متوجها إلى حيث يرى فجر مستقبله القريب، وهو يصارع حاضره بكل ما جادت به قوة التحدي لديه، بدون أن يترك أية ثغرة يأس تتملكه ولو لحين، مهما هبت رياح ظروفه الخاصة أو العامة أو هما معًا. بل هي فرصة له لكي يعتمد على نفسه أكثر، طبعًا يجب أن يحتكم إلى بعض الصبر وسعة الصدر.

 والمهم هنا، هو أن يبحث عن كل ما قد يجعله سعيدًا، ولمَ لا، مدعومًا أحيانًا بدفء أناس وأشياء وأماكن، وكل ما قد يرفع من معنوياته وسط زخم أعباء الحياة الجديدة عليه. وذلك حسب شخصية كل فرد على حدة، ثم هناك عامل دور وسطه الاجتماعي وكذا محيطه الأقرب له من نفسه، الذي بدوره يؤثر فيه كما يتأثر هو منه وبه، بكل ما قد يجلب له من دواعي الراحة أو قلة القلق.

وذلك أيضًا حسب استعداده النفسي والمادي. وكذا حسب ما يمتلكه من ملكات المعرفة وقدراته الإدراكية للأشياء. وخاصة، وجوب القدرة الحسية الحركية وتناغمها لديه، لأنه لا مجال للمقارنة ما بين شخص وآخر، فيما يتعلق بالاستطاعة الإرادية وضبط النفس، وكذا التمكن من تحضير جدولة زمنية لبرامجه أو مشاريعه القصيرة أو متوسطة المدى منها، حسب أولويات خصوصياته وكل ما يهمه بصفة عامة.

اقرأ أيضاً أفضل 10 وظائف للعام 2023

طموحات الشخص المتقاعد

 الأهم بالنسبة للمتقاعد بعد الرغبة والقدرة، يأتي عامل الزمن الذي قد يجعله يعجِّل بالقيام بكل ما يتاح له به، بحيث قد تتزايد رغباته وطموحاته لتحقيق مسلسل بعض أمنياته وأحلامه، التي يسعى أن يلمسها أو أن يتلذذ بطعمها، ما قد سيجعله ربما أكثر سعادة أو على الأقل، قد يوهم نفسه بأنه حصل أخيرا على ما كان يتمناه في السابق.

حينما كان ينعم بعنفوان قوة عضلاته، وحين كان في مرحلة بداية مساره، وحين كان لا يهتم بوقع الزمن عليه، وبالأحرى حين كانت شخصيته تتروض داخل مساحات مجتمعه المحاطة بحدود وطنه الكبير. نعم، كل هذا قد يستحضره خلال زمن وجيز وهو يطل من نافذة تاريخه أو ماضيه القريب البعيد. وفي لحظة تأمل عابرة، قد يحزن وقد يسعد من أجلها، وقد تدمع عيناه وقد يبتسم، وقد يضحك وقد يبكي، كإحساس ممزوج بعبارات خافتة قد تنفث من حنجرته وقد تموت هناك اختناقًا.

 هي حالة حرجة يصعب التعبير عنها، رغم أن حاملها صدره قد يسع العالم. لكن للحظات فقط، لأن الماضي لا ينسى، ولأن الفقر مذلة، ولأن الجهل عدو لا يُقهر بسهولة، ولأن سيف الزمن مشحوذ لقطع أعناق الأبرياء أحيانًا قبل المجرمين، ولأن الحق قد يأتي وقد يتأخر، ولأن العمر قصير جدًّا وإن زينا موكب صاحبه كما يشتهيه.

 وتمر الأيام والسنوات، وصاحبنا يتأرجح ما بين حالة العبد تارة، لأنه يجد نفسه ما بين مطرقة واجبات العمل وسندان الاستمرار فيه، ثم حالة أخرى يشخصها خارج أوقات عمله، وكأنه سيد نفسه ليتعايش وسط محيطه الخاص به. لربما هي ضريبة قانون العمل المأجور، وأن الواجب يفرض على كل من قبل بشروط اللعبة، قبول قواعدها إلى النهاية، كأنه سباق ضد الزمن. والواجب هنا، يلزم صاحبه بأن يمتثل لكل بند فيه كما يجب.

 وقد يأتينا خبر موعد التوقف عن العمل، بسبب السن القانوني للتقاعد بحيث يبدأ العد العكسي لنتأهب لاستقبال العرض الأخير من حياتنا المهنية، لدى المنظومة التي كنا نعمل بها، كما لو كنا على خشبة مسرح، فلا بد من أن يُسدل الستار عند نهاية آخر مشهد. حينها، غالبًا ما يسمع فيه صوت تصفيق وتشجيع من لدن الجمهور، اعترافًا وتقييمًا لما قدم لهم من متعة وترفيه ولو لمجرد محاباته ليس إلا.

الاحتفال بموسم التقاعد

 أما صاحبنا المتقاعد، فبعدما يبعث إلى مركز أو قسم المعاشات، لكي يصبح أحد رواده، لكونه سيظل اسمه مسجلًا هناك إلى آخر يوم من عمره. ويا له من مصير! حتما هو مصير محزن؛ لأن صاحبنا سوف ينتقل من عالم كان دوره فيه ذا شأن وتقدير، إلى عالم صار فيه طيفه يتعايش في وسطه كظله وهو يتقمص دورًا ثانويًّا قد لا يشعر به الآخر، وكأنه شبح ضال كباقي المتقاعدين خاصة الجدد منهم لأن شبكة واقعهم محدودة ومتشابهة، وكأنهم نزلاء بدار العجزة. 

 لذا، وجب على كل من أدركه موعد "التقاعد"، أن يتهيأ لاستقباله، بل للاحتفال بموسمه، وكانه موسم حصاد سنين شقائه وكدِّه، بكل جد وعناية. لكي لا يفقد حماسه وقوة إرادته في تسيير وتدبير الآتي من عمره. بعدما يحال إلى زمن المعاش، الذي ما هو إلا مرحلة من مراحل حياة المستفيد منه، لأنه فعلًا فرصة ثانية خاصة لمن عاش ووصل إلى أجله، وصار واحدًا ممن صارع على حلبة الحياة إلى آخر رمق، بل وقد نزل من عليها، وهو يحمل جائزته بين يديه، وأجمل النياشين هنا، لهو شرف البطل المغادر.

 نعم إنها فرصة ثمينة لمن استبق إلى فكرة تكليف نفسه بمهام أخرى، لكن هذه المرة يكون بها، المسؤول الأول وصاحب المبادرة، وكذلك المستفيد من هذه التجربة ولو على المدى الطويل. لأنه في الأخير، حينها سيتمتع لا محالة بما قدمه لنفسه هدية واستحقاقًا، بعدما كافح وضحَّى من وقته كثيرًا...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة