هل الإنسان كائن بسيط له وعي واحد أم أنه متعدد الرغبات ووعيه متشابك ؟

هل الإنسان كائن بسيط له وعى واحد ورغبة واحدة ؟ أم أن الإنسان كائن معقد الرغبات ووعيه متشابك؟ فالإنسان كائن بسيط، كائن رغبة ووعي، إنه وحدة راغبة، وليس كوجيتو، أو حيوان عاقل. إنه كائن يسعى إلى إثبات وجوده ويسعى بكل قوة إلى حفظ وجوده.

هكذا يغدو الإنسان عند سبينوزا “كوناتوس”، وهو يدل على الوظيفة الوجودية للذات، أي ذلك الجهد الذي به تسعى الكائنات في كيانها وإثبات وجودها بقدر ما تستطيع. وبما هو متعلق بالنفس والجسم -هذه النفس التي يتمثل جهدها الرئيسي في إثبات الجسم لمدة غير محدودة-على حد السواء. “فالكوناتوس” هو عين ماهية الإنسان. وهو ما يجعله يحافظ على كينونته الفزيائية والفكرية بقدر ما يستطيع. فلا يمكن لكوناتوس جسم بسيط أن يكون سوى جهد للمحافظة على الحالة التي عينت له، أما كوناتوس جسم مركب فهو جهد للمحافظة على علاقة الحركة والراحة التي تعرفه، أي لتثبيت أجزاء جديدة ضمن هذه العلاقات التي تعرفه.

فحقيقة الإنسان هي دائما وقبل كل شيء، سعي إلى الاستمرار في الوجود، وهو سعي حاضر على الدوام يولد علاقات معقدة بين الإنسان وغيره، وبين محيطه، وبين الحقل الذي يمارس فيه فعله، ثم أخيرا بين موضوع رغبته. إنه جهد Effort متواصل لدمج العلاقات الخارجية؛ أي عندما يجد جهاز عضوي فردي نفسه في مجابهة بعض الظروف الخارجية فهو يسعى إلى البقاء على ما هو عليه، ويسعى إلى الحفاظ على كم معين من التبادل بينه وبين المحيط الخارجي. وهو بذلك مجهود للصمود أمام ما كل ما يهدد وجوده ووحدته، أو ما قد يقوضه ، إنه جهد للإثبات وللمقاومة أيضا. فـ”الكوناتوس” في الفلسفة السبينوزية ليس واقعا عضويا، وإنما هو، بالضرورة، شكل من أشكال الحياة الذهنية شأنه شأن الانفعالات، فهو تلك الأشياء التي تملك حياة، وأيضا تلك القوة التي تستمر بها الأشياء في وجودها، بل قوة متميزة عن الأشياء ذاتها. ويستخلص سبينوزا من “الكوناتوس” قانونا أساسيا وهو أن “كل إنسان يسعى دائما إلى صالحه الشخصي أي إلى ما يراه خيرا له (خير أعظم) أو (شر أقل)؛ أي إننا نبذل جهدا لاستبعاد تأثير لا يناسبنا، والاحتفاظ بتأثير يناسبنا، وهذا قانون طبيعي أساسي في الطبيعة الإنسانية.

والحقيقة أنه في الشرف والثراء فوائد كثيرة ، وأني سأحرم من الحصول عليها إذا أردت البحث باهتمام عن مسألة جديدة. وإنه كلما ازداد حظ الإنسان من الثروة والشرف كلما ازدادت سعادته وازداد تبعا لذلك تحمسا لزيادتهما، ولكن إذا خاب أملنا وفشلنا في جمع المال وبلوغ الشرف فإن هذا يبعث في نفوسنا أشد الألم. وفي الشهرة أيضا مثل هذا النقص الكبير ، فإذا أردنا الشهرة وجب علينا أن نوجه حياتنا بطريقة تبعث الرضى والسرور في الناس وأن نتجنب ما يكرهونه وأن نبحث عما يبعث السرور في نفوسهم... ولكن التوجه بحبنا إلى شيء أبدي خالد سيغي عقولنا بسعادة خالصة لا ألم فيها .... إن الخير الأعظم هو معرفة الاتحاد الذي يربط العقل بالطبيعة كلها .... وكلما ازداد العقل علما ازداد فهما لقواه ولنظام الطبيعة. . وكلما ازداد فهما لنظام الطبيعة ازداد مقدرة وسهولة على تحرير نفسه من الأشياء التي لا فائدة فيها. إذن فالعلم وحده هو القوة والحرية، والسعادة الدائمة الوحيدة هي طلب المعرفة ولذة الفهم

في نفس الوقت فإن أول أنواع المعرفة تأتينا عن طريق الأخبار والإشاعات، كمعرفتي مثلا بتاريخ ميلادي. وثانيهما ما يأتي عن طريق التجربة الغامضة كأن يعرف الطبيب علاج عن طريق التأثير العام بنجاح هذا العلاج في شفاء المريض، ولكن هذا العلاج لم يتوصل له الطبيب عن طريق التجارب العلمية الثابتة القاطعة. وثالث أنواع المعرفة هو ما يأتينا عن طريق الاستدلال السريع أو المعرفة التي نصل لها عن طريق التفكير، كأن ينتهي بي التفكير إلى كبر حجم الشمس عندما أرى أن جميع الأشياء يصغر حجمها كلما ابتعدت عن النظر. وهذا النوع من المعرفة أرقى من النوعين الأوليين، ولكنه مع ذلك ممرضة للأخص السريع عن طريق التجربة المباشرة ، كما فكر العلم منذ مئات السنين في شق طريقه إلى الفضاء بهذا النوع من المعرفة التي لا يستحسنها علماء الطبيعة الآن. لذلك فإن أرقى أنواع المعرفة هو النوع الثالث وهو ما يأتي عن طريق الاستدلال السريع والإدراك المباشر.

ويعتقد سبينوزا أن الأشخاص المتضلعين في الرياضيات يعرفون الكثير عن إقليدس بهذه الطريقة البديهية، ويعترف بحسرة وأسف أن الأشياء التي تمكن من معرفتها عن طريق هذا النوع من المعرفة قليلة جدا.

يخفض سبينوزا في الأخلاق النوعين الأولين من المعرفة إلى نوع واحد، ويسمي المعرفة البديهية بكونها إدراك الأشياء في نواحيها وعلاقاتها الأبدية ، وبهذه الجملة يقدم تعريفا للفلسفة . لذلك فهو يحاول أن يجد وراء الأشياء والحوادث قوانينها وعلاقاتها الأبدية. وبذلك يفرق سبينوزا بين النظام المؤقت وهو عالم الأشياء والحوادث، وبين النظام الأبدي، وهو عالم القوانين والبناء الذي يسير هذه الأشياء والحوادث.

وبشكل عام يمكننا القول إن سبينوزا رسخ بشكل قوى لفلسفة العقل أو فلسفة الذهن كما يطلق عليها البعض، وساهمت أفكار بشكل فعال في حل المعضلات التي واجهت الفلاسفة ومن يعملون في نظرية المعرفة، وتحولت هذه الأفكار آه ثوابت فروع الفلسفة التي تهتمّ بدراسة طبيعة العقل والأحداث والوظائف والخصائص الذهنية بالإضافة إلى الوعي وعلاقتهم بأعضاء الجسد وخاصة الدماغ.

إن العقل ليس مادة، والمادة فكرة وليست عملية الدماغ سببا. كما أنها ليست نتيجة أو أثر وليست هاتان العمليتان مستقلتين ومتوازيتين، إذ ليس هنا عمليتان وليس هنا وجودان، بل هناك عملية واحدة نراها من الداخل فكرة ومن الخارج حركة. هنا وجود واحد نراه من الداخل عقلا ومن الخارج مادة. ولكنه في الحقيقة ليس إلا مزيج مندمج من الاثنين، والعقل والجسم لا يؤثر أحدهما بالآخر لأنهما ليسا شيئين، بل شيئا واحدا، ولا يستطيع الجسم أن يحمل العقل على أن يفكر، ولا يستطيع العقل أن يحمل الجسد على أن يبقى في حركة أو سكون أو يتخذ وضعا آخر. والسبب في ذلك بسيط وهو «أن حكم العقل ورغبة الجسم وميوله شيء واحد بعينه. وكل العالم متحد بنفس هذه الطريقة المزدوجة. فأينما وجدت عملا ماديا فليس ذلك إلا جانبا واحدة من العملية الحقيقية التي لا يراها بوجهيها إلا النظر الشامل الذي يمكنه أن يدرك العملية الباطنة المستترة وراء الظاهرة المادية، والعملية العقلية الداخلية ترتبط في كل مرحلة مع العملية الخارجية المادية ونظام الأفكار وارتباطها هو نفس نظام الأشياء وارتباطها. وبهذا فإن عنصر الفكر وعنصر المادة شيء واحد يبدو مرة فكرة ومرة امتدادا .

وبعد أن أزال سبينوزا الفرق بين الجسم والعقل وجعل منهما حقيقة ذات وجهين أو مظهرین، نراه يتجه إلى تقليل الفرق بين العقل والإرادة، ويقول إنهما حقيقة واحدة وكل ما بينهما من فرق فهو فرق في الدرجة لا في النوع إذ لا يوجد في العقل ملكات ولا موجودات منفصلة تسمى عقلا وإدارة أو خيالا أو ذاكرة.

ولذلك فعندما وضع مشروعه السياسي اعتبر أن العاطفة أو الشعور لیست خيرا أو شرا في نفسها، ولكن بمقدار ما تنقص أو تزيد من القوة التي فنضفيها على المشروع السياسي، وعلى ذلك فقد ذهب إلى أن الفضيلة هي قوة العمل وهي في نفس الوقت نوع من المقدرة على تأسيس المشروع السياسي، كما ذهب إلى أنه كلما زادت مقدرة الإنسان في الاحتفاظ ببقائه والبحث عما ينفعه كلما زادت فضيلته .


 

بقلم الكاتب


كاتب مصري


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب مصري