هل أنت حَيٌّ أم أنك ذكرى مُؤصَّلَةٌ، كل المَنافذِ إلى الجوابِ مُعطلة، وكل البقايا من الزوايا في حياتِك مؤجلة، الصوتُ حالكٌ بقلبكَ، والصمتُ يسأله، ماذا قد نفعل؟ وماذا لم يكن عدلًا أن نفعلَه؟ والعينُ تسأل أحشاءك العميقة: أين الجمالُ فيما يتشكل أمامنا منظرُه، وأين الثباتُ فيما يُرادُ منا تَأَمُّلُه؟ وأين الحنينُ إلى ما كان يمنحنا في الحياةِ عَطفَ الآلامِ وعَذبَ الأَخيلَة؟
والروحُ تُجادِلُ عما أصبح في الحياة غايةً فاصِلَة، أو بيتًا كريمًا فيهِ يُكرَمُ قلبكُ الجريحُ وينالُ بعضًا من إحسانهِ وحُسن تغافلِه، أو قولًا نَديًّا يُعدّدُ لكَ أحوالًا من الخير كُنتَ قد صنعتَها لِمَن ليس لك بهِ وَصلٌ ولا صِلَة، أهكذا هي حياتُكَ إن عَلِمتَ أنك حيٌ أم أن الذكرى أغلقت على قلبكَ المسألة؟
هذه ليست هواجِسُ أو هَمهَمَاتُ طيورٍ تلعَب، بل إن الصمتَ في فضاءِ الصوتِ أَصعَب، والوقتُ يغلِبُ الطامحينَ الجامحينَ ولا يُغلَب، وقوانينُ البشرِ الذين تدورُ في أفلاكِهِم تُشبِهُ قوانينَ الكلبِ حين الغَضب، فإِما أن تبقى وإِما أن تَهرب، إن كنت تريدُ العدلَ الذي يمنحُ قلبكَ حياةً فالعدلُ يُفرَضُ ولا يُطلَب، وكيف تفرضُ العدلَ وأنت هَشٌ رقيقٌ مُضطرب؟ وإن تهاجِر لترى العدلَ أو يراك بَعضُهُ فلربما كلاكما من الآخرِ سيقترب.
كم تَكثُرُ لكَ في الخيرِ الجهودُ والوعود، وكم قاتلتَ الفشلَ والظلمَ حتى تستطيعَ أن بالخيرِ إلى أحبابِكَ تعود، وكم حاصَرتكَ الدنيا لِتُثنيكَ عن صَبرِكَ الجميلِ الشديد، لكنك واجهتهُم جميعًا بقلبٍ من حديد، قلبٍ تحول غِشاءً رحيمًا للراحمين ويَزيد، قلبٍ فطرتُهُ أن الحياةَ والذكرى سهمان واسِعَان في فضاءِ الخلود، فأنت نِعمَ المُرادُ ونِعمَ المُريد لِمَن عَزّ على قلبِه يومًا أن يكون سعيدًا، ولِمَن طَردَتهُ قوانينُ البشر الحقيرةُ من إِنَائهَا المُغلَقِ ومَنَعتهُ أن يَجُود.
ستمرُّ الأيامُ وأنت على حالِكَ ستبقى، ليس منك في الإخلاصِ أَرقَى، وليس من عدوك في منع العدلِ أَشقَى، إن تهاجِر إلى العدلِ فجديرٌ بك أن بِأَوانيِكَ يُسقى، وإِن لم تَستطع أن تُهاجر إليه فسيأتيكَ في بحرِ الأيامِ، فبعدما ألقَت الدنيا حِبَالَها وعِصيّهَا لِتَسحرَكَ وتَظلمك فلقد كان موسى آخر مَن ألقَى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.