هكذا كنت إنسانًا في غابر الأزمان


جاء الإنسان إلى هذه الدُّنيا حاملًا معه جميع الوسائل والأسباب الَّتي تضمن له حياته وبقاءه على هذه المعمورة، فعاش كريمًا عزيزًا ذو قامة عالية وهمّة قويّة، وصار الزمان ينغصّ عليه حياته ومعيشته فبدأ يحوجه إلى أشياء ضمنيّة وأسباب ثانويّة في حياته ليتخذها ويوليها اهتمامًا لتحل محلّ الوسائل الأساسيّة في حياته، كالتّوسع في بناء الدّور والقصور، واتّخاذ الملابس الفاخرة، وأسباب الزّينة، والتّوسع في المأكل والمشرب، حتَّى دار الزمان وصارت الحروب والمصارع وميادين القتال فاتّخذ الناس أسبابًا ووسائل حربيّة متعدّدة، وكانت الهجرة والأسفار لهما دورهما البارز في إنشاء المدن والبلدان، واتّخاذ الأوطان، والمعايش المختلفة.

عاش البشر في قرية آمنة لبرهة من الزمان، ثمّ تحوّلت الأرض إلى جحيم تطاردهم يمينًا وشمالًا، وعاث البشر في الأرض فسادًا وخرابًا ودمارًا وقتلًا وتخريبًا وهدمًا وضياعًا، فأحسّ النّاس يبتعدون أكثر فأكثر وصاروا يضربون أكباد الإبل، وابتعدوا وطافوا الأرض، واتّخذ كل فئة ما يحلوا لها من الأرض موطنًا ومستقرًا.

ثمّ جار الزمان عليهم فصارت الأعاصير، والبراكين، والزلازل، ونزلت الأمطار، وتدفقت المياه من كل مكان، فغرقوا ولم يبقَ إلا نزر يسير من البشر، وتدمرت مساكنهم واستوت بالأرض مزارعهم جبالهم وعروشهم وكل أوطانهم، ثم عزموا على النشأة الثانية فخرجوا في بقاع الأرض يريدون خيراتها ويبحثون عن بساتينها وزروعها، ومياهها، وسهلها، وجبلها، ومأكلها، ومشربها، فانتشروا ثانية في ربوع الأرض فمن مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب، وحار، وبارد، وعالٍ وأسفل.

ونشأت الأوطان وصارت الأرض، وكأنها لعبة في أيدي البشر فعلموا، وتعلموا، ودرسوا، وأتقنوا، وعمروا، وفننوا في ذلك، وأنشأت من ذلك الفنون والعلوم، ثم لم يزالوا يخترعون ويكتشفون ويدركون ويلتمسون حتَّى صار المحال ممكنًا، وجرت المياه من أسفل لأعلى ومن سهل لجبلٍ ومن وطن لوطن. 

فكان من ذلك ما نراه اليوم ونشاهده من آثار في مصر العتيقة، والأردن، وفلسطين، والهند، والصين، وغيرها من ربوع الأرض كلها دلائل حقّ على انهماكهم في عمران الأرض وجميل صنائعهم. 

بقلم الكاتب


مؤلف وباحث ومترجم سابق لدى َمكتبة دار السلام بالرياض فرع لاهور


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رائع وجميل

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مؤلف وباحث ومترجم سابق لدى َمكتبة دار السلام بالرياض فرع لاهور