في هذا التوقيت من كل عام، وبمجرد إعلان نتائج الثانوية العامة، يصبح الشغل الشاغل للآباء والأبناء على السواء البحث عن الكلية المناسبة في ضوء مجموع الدرجات التي حصل عليها الابن في الشهادة الثانوية التي غالبًا ما تنحصر بين كليتين أو ثلاثٍ.
اقرأ أيضًا: أفضل 5 محفزات لتشجيع طفلك على المذاكرة
في هذه السطور نطرح تصورًا لما يمكن للآباء فعله في أثناء رحلة البحث عن الكلية المناسبة لأبنائهم، آخذين في الاعتبار رغبة ابنهم في المقام الأول، وفهم احتياجات سوق العمل، والمجالات التي يحتاج إليها خلال السنوات المقبلة، من واقع التجربة والخبرة للآباء، وسؤال المحيطين في دائرة المعارف والأصدقاء.
القرار الأصعب
يعد اختيار الكلية المناسبة أحد أصعب القرارات في حياة الأسرة والابن تحديدًا؛ نظرًا لأنها ترسم ملامح مستقبله الأكاديمي والوظيفي، لذلك دائمًا ما يكون الابن حتى الوالدان بحاجة لمن يرشدهما إلى اختيار الكلية المناسبة للابن في ضوء المجموع الذي حصل عليه في الثانوية العامة.
قد يكون هذا المرشد أو الموجه من داخل العائلة، أو من دائرة الأصدقاء والمعارف، أو واحدًا من الوجوه التي تطل علينا عبر وسائل الإعلام المختلفة، المهم في كل ما سبق، أن تعلم أن دورك هو الإرشاد والتوجيه، وليس فرض الرأي بالقوة في نهاية المطاف على ابنك.
رغبة ابنك
الشيء الأول الذي على الآباء فعله، هو معرفة رغبة الابن، فهذا هو المحك، بدونها لا أهمية تُذكر للخطوات التالية.
في أي المجالات يرى الابن نفسه؟
سؤال يجب أن يرد الابن عليه بنفسه، غير أنه ومن الضروري أن يتقدم الوالدان والمقربون منه بنصائحهم حول ما يحتاج إليه سوق العمل، فقد يفضل الابن مسارًا ما، غير أن فرصه في سوق العمل تكاد تكون معدومة.
في كثير من الأحيان، يكون الابن بحاجة للكبار كي يضيئوا له الطريق ويقدموا له الحلول والبدائل؛ لكي يتمكن في النهاية من أخذ القرار المصيري بالكلية التي يلتحق بها، وتحدد توجهه الأكاديمي والمهني خلال السنوات المقبلة.
والحقيقة أن المجال لا يكون مفتوحًا أمام الطالب كي يختار بين بدلاء عدة، لأنه بالنهاية محكوم بعدد الدرجات التي حصل عليها في الثانوية العامة، لذا الحيرة تكون بين كليتين أو ثلاث يفاضل بينها الابن، ويكون بحاجة لمن يساعده ويوجهه نحو الاختيار المناسب من واقع الخبرة والتجربة والمعرفة باحتياجات سوق العمل.
نقطة في غاية الأهمية يجب أخذها في الاعتبار، وهي أن الابن على سبيل المثال، قد يكون من نوعية الأبناء التي لا تتحمل رؤية منظر الدماء أو الجروح، لذا لا يمكن أن نفكر في إلحاقه أو ترشيحه لكلية مثل الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة؛ لأنه بهذا الشكل وبهذه الطبيعة لن يستطيع الدراسة فيها، ومن ثم يتعين عليه اختيار كلية أخرى تناسب طبيعته.
احتياجات سوق العمل
للأسف كثير من الأبناء ليست لديهم دراية باحتياجات سوق العمل، فقط مجرد انبهار بكلية معينة يريد الالتحاق بها لمجرد أنه سمع من أحد الأصدقاء أو المعارف من يمتدح الدراسة بها، في الوقت الذي قد تكون غير مطلوبة في سوق العمل، ليجد الابن نفسه بعد التخرج، ضمن طوابير العاطلين، وقتها قد يصاب بالاكتئاب، ويضطر إلى العمل في مجال آخر بعيد كل البعد عن مجال دراسته.
لذلك فمعرفة احتياجات سوق العمل ضرورة بالنسبة للابن الذي يرغب في العمل بمجال دراسته؛ فذلك أدعى أن يتم توجيهه نحو المجال الذي يحتاج إليه سوق العمل، ولكي يتمكن من تحقيق حلمه الوظيفي بالالتحاق بالعمل الذي يتفق ودراسته بالمرحلة الجامعية.
اقرأ أيضًا: مرحلة المراهقة.. التأسيس يبدأ من الطفولة
صلاة الاستخارة
من عظمة الدين الإسلامي أنه لا يترك شاردة ولا واردة تعود بالنفع على المسلم إلا وأرشده إليها. وإذا كنا نطالب الآباء والأمهات باستحضار التربية الإيمانية في كل أمور حياتهم وفي كل مرحلة من مراحل تربية الأبناء منذ الولادة، فيجب أن نعلِّم أبناءنا أنه كما يجب عليهم استشارة من هو أكبر منهم وأكثر خبرة ومعرفة وتجربة؛ عملًا بالحكمة التي تقول "لا خاب من استشار"، علينا أن نعلِّمهم أيضًا أن يلجؤوا إلى الله بصلاة الاستخارة طالبين منه وراجين أن يلهمهم الصواب في اختيار الكلية التي تناسبهم.
أن تعلِّم ابنك منذ الصغر أن كل ما يجري في هذا الكون له مدبر ومقدِّر منذ آلاف السنين وقبل أن تأتي إلى هذه الدنيا، وأننا مطالبون بالسعي والأخذ بالأسباب، وأن نترك النتائج على الله؛ فهو سبحانه يختار لنا ما يصلحنا في دنيانا وآخرتنا، بهذا نكون قد ربطنا أبناءنا بالدين منذ الصغر.
ليست نهاية المطاف
تذكَّر دائمًا أخي الكريم أن الكلية ليست نهاية المطاف، وإن لم تصدق كلامي، فانظر حولك لترى كم من قريب وبعيد عنك يعملون الآن في غير تخصصاتهم، ومع ذلك حققوا نجاحًا باهرًا في المجال الجديد الذي اقتحموه، فالعبرة ليست بالكلية التي التحقتَ بها خاصة إذا كان مجموعك من أوصلك لها، وإنما العبرة بتطوير ذاتك بالمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، فالكلية هي البداية ولكنها ليست النهاية.
وإذا كان الأهل يحزنهم التحاقك بهذه الكلية بعدما كان يحدوهم الأمل أن تلتحق بإحدى كليات "القمة" فاعلم أنه مؤقت، وبمجرد أن تبدأ دراستك بالكلية الجديدة، يصبح أمرًا واقعًا، يدفعونك بعدها لكي تتخرج من كليتك بأفضل التقديرات الممكنة، حينها يشعرون بسعادة غامرة.
قصة حقيقية
تحضرني هنا قصة حقيقية وواقعية لأحد الأصدقاء تخرج من كلية الآداب، قسم الجغرافيا، ربما بحكم درجاته التي حصل عليها في الثانوية العامة، ومع ذلك تمكَّن من التخرج من بين أوائل الدفعة، لم تمنعه دراسته من متابعه شغفه بالفوتوشوب وبرامج المونتاج.
خلال إجازة الصيف لم يكن مثل كثير من الأبناء الذين يجلسون بالبيت يضيعون أوقاتهم أمام الشاشات، لكنه كان يحصل على دورات تدريبية في مجال الفوتوشوب لصقل شغفه بهذا المجال الذي وجد فيه ذاته، وبعد أن تخرج واستلم خطاب تعيينه، ضمن أوائل الخريجين، بالجامعة، أتيحت له فرصة السفر لإحدى الدول الخليجية، ولكن ليست في مجال الجغرافيا والمساحة التي درسها بالجامعة، ولكن في مجال الفوتوشوب، فما كان منه إلا أنه جرى وراء شغفه وترك الوظيفة قبل أن يستلمها، وها هو الآن بالخارج منذ تخرجه قبل نحو 14 عامًا.
يقول الإعلامي السعودي أحمد الشقيري: "من الظلم أن نحكم على السمكة بعدم قدرتها على الطير، ومن الظلم أن نحكم على الطير بعدم قدرته على السباحة داخل حوض من المياه، لكل مخلوق قدرة، ولكل مخلوق موهبة، وكذلك الإنسان، كل إنسان عنده موهبته، لكن المشكلة أن كثيرًا من الشباب لا يعرفون ما موهبتهم، وبذلك يعانون عند اختيار التخصصات".
للأسف هذا واقع كثير من أبنائنا في الوطن العربي، لديهم المواهب والقدرات والإمكانات والطاقات، ولكنها بحاجة لمن يكتشفها، وهذا لا يمكن حدوثه إلا في بيئة داعمة ومحفزة، بيت يسوده الهدوء والاحترام المتبادل بين أفراده، يحترم الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير، لا مجال فيه لفرض الرأي بالقوة، فكل ما يهم الأسرة مطروح على طاولة الحوار، وليدلو كل واحد برأيه.
اكتشاف مواهب الأبناء يحتاج أبًا قريب من أبنائه، وأُمًّا قريبة من بناتها، تخصِّص من وقتها لتجلس معها وتسمع منها وتعرف ما يسعدها وما يزعجها، تقدِّم لها الدعم والتشجيع، فرُبَّ كلمة كانت سببًا في إلهام طفلك العبقري أن يبدع ويبتكر، ورُبَّ كلمة تركت جرحًا لا يندمل.
اقرأ أيضًا: لماذا تترك طفلك أمام شاشة الموبايل؟
خاتمة لا بد منها
خلاصة القول، ولكي نخرج بفائدة تربوية من هذه المقالة، فإنه لا شك بأن العلاقة بين الآباء والأبناء إذا لم تكن قوية ومتينة منذ الصغر وفي اتجاهين لا اتجاه واحد، فالأب منزوع بفطرته نحو حب ابنه، كذلك الابن يجب أن يحب أباه، فتكون طاعته له طاعة حب لا طاعة خوف، وشتان بينهما.
فإذا حدث ذلك كان له الأب والصديق والرفيق، وعليك أيها الأب أن تستحضر دومًا التربية الإيمانية في كل أمر من أمور حياتنا، وأن نحترم آراء أبنائنا واختياراتهم بعد ما قدمنا لهم النصح والتوجيه؛ فالإنسان بتجاربه، فدع ابنك يخض تجربته بنفسه، واعلم أيها الأب الكريم أن علاقتك بابنك أكبر من أي كلية يلتحق بها، بل إنه قد يواجه تحديات كبيرة خلال دراسته الجامعية، ويكون بأمس الحاجة لقربك منه؛ كي يواجه هذه التحديات بإرادة قوية، فكن بجانبه قبل أن يطلبك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.