هكذا تتكون شخصية طفلك

يولد الطفل صفحة بيضاء نقية، يكتب فيها الأبوان خاصة في سنواته الأولى -أول ثلاث سنوات- ما يرغبون أن يصبح جزءًا من شخصيته عندما يكبر.

في هذه المقالة سوف نسلط الضوء على ثلاث قوى رئيسة تُسهم في تشكيل شخصية الطفل منذ لحظة الميلاد.

اقرأ أيضًا: كيفية بناء شخصية قوية

الأبوان

تسهم ثلاث قوى من البيئة المحيطة بالطفل في تكوين شخصيته منذ لحظة الميلاد، بل حتى قبل أن يجيء إلى الحياة، القوة الأولى تتمثل في الوالدين، الأب والأم، صاحبيْ التأثير الأقوى على الإطلاق في تكوين شخصية الطفل؛ فهما المعلم الأول، والمدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل أولى دروس الحياة، وبواسطتهما يتعرف على البيئة من حوله ويستكشف معالمها عبر حواسه وتجربته الخاصة به.

تتأثر شخصية الطفل بالمعاملة التي يجدها من أبويه، فالتربية القائمة على الحب والحنان والرعاية والاهتمام وإشباع احتياجات الطفل العاطفية قبل الجسدية، تسهم في شخصية سوية، والعكس صحيح. البيت الذي يخلو من المشاعر، الاحتواء، الحب، الحنان، الكلمة الطيبة، القبلة الحانية، الحضن الدافئ، من شأنه أن يخرج أطفالًا يفتقدون لمشاعر الحب في البيت، فتكون النتيجة، أنهم يبحثون عنه خارج البيت، في الأصدقاء أو الإنترنت، وهنا تكمن الخطورة.

الأسرة الجيدة هي من تتفهم احتياجات الطفل الأساسية وتحاول إشباعها بشتى الوسائل، ولا تترك الفرصة للمؤثرات الخارجية أن تتدخل ولو بقسط بسيط، إدراكًا منها بخطر هذه المؤثرات سواء الأصدقاء أو الإنترنت في تربية الأبناء، وتصدير قيم وثقافة وتقاليد تختلف عن ثقافة مجتمعه وأخلاق دينه التي ينشأ عليها.

بل إن هذه الأسرة تؤثر احتياجات طفلها في احتياجاتها، قد يحرم الأب أو الأم نفسه من شراء بعض المستلزمات الأساسية له كالملبس على سبيل المثال، من أجل توفير ما يلزم لأبنائه، وكذلك عندما يبدي الطفل خوفه من الضوضاء أو الصوت المرتفع، يسارع الوالدان إلى احتضانه وتهدئته وطمأنته، فيتعلم الطفل بهذه التجربة ألا يخاف من الأصوات المرتفعة أو العالية، بل وسيكتشف بنفسه كيف يتعامل مع هذه الأصوات المزعجة.

في المقابل، يوجد آباء وأمهات يتسمون بالأنانية وحب الذات، حتى لو كانت على حساب أبنائهم، فيبخلون بمشاعرهم تجاه أبنائهم، كأن يعبروا عن حبهم بلغة الحب التي يجيدها الطفل ويحبها، يبخلون على الطفل بوقتهم، فتجد الأب وبعد عودته من العمل، يخرج مسرعًا للجلوس مع الأصدقاء حتى ساعات الليل ليعود بعدها كي ينام.

وهذه الأم التي تتحدث إلى صويحباتها في الهاتف النقال بالساعات، تحكي تفاصيل يومها، ومشكلاتها مع الزوج والأولاد، ومشكلات العمل إن كانت امرأة عاملة، وهكذا طوال اليوم، وتترك طفلها أمام الشاشات بالساعات، دون اعتبار للأضرار التي يمكن أن تترتب على ذلك.

اقرأ أيضًا: خطوات زرع الثقة بالنفس عند الأطفال

ثقافة المجتمع

القوة الثانية التي تُسهم على كثيرًا في تكوين شخصية الطفل منذ لحظة الميلاد هي الثقافة السائدة في المجتمع الذي ينشأ فيه الطفل، والثقافة مصطلح عام يشمل العادات والتقاليد السائدة، طريقة اللبس، الأكل، حتى الفكر والاعتقاد، لذلك ما قد يكون مقبولًا في مجتمع ما، قد لا يكون مقبولًا في مجتمع آخر، نظرًا لاختلاف ثقافة المجتمعين.

للأسف خلال العقود الأخيرة، طرأت على مجتمعاتنا ثقافات وتقاليد وقيم دخيلة على هذه المجتمعات التي تتفرد بسمات وخصائص لطالما ميَّزتها عن باقي الثقافات، فصار شبابنا يقلد الغرب في المظاهر أو الشكل الخارجي مثل الملبس، المشرب، قصة الشعر، الاختلاط بين الشباب والفتيات، وغيرها من القيم الدخيلة على مجتمعاتنا، فصرنا مقلدين للغرب في توافه الأمور، ويا ليت شبابنا أخذ عنهم العلم والتكنولوجيا واحترام العمل!

حتى طرائق التربية، على الرغم من وجود تراث أصيل لهذه الأمة، فإنها باتت تأخذ عن الغرب طرائقها في التربية والتعليم، تنقل عنه وتقلده، دون حساب للفوارق الكبيرة بين الثقافتين التي لطالما نهل منها الغرب وصنع منها حضارته التي يتغنى بها اليوم.

لذلك -نحن الآباء والأمهات والمربين- في أمس الحاجة اليوم قبل الغد للعودة إلى هذا التراث الأصيل لنقتبس منه ونطبقه في تربيتنا لأبنائنا على الأخلاق والقيم والمبادئ والثقافة المتفردة لهذه الأمة، والتي كانت في وقت من الأوقات تسود العالم كله، لأصالتها ومناسبتها لكل الحضارات والثقافات والشعوب.

قد يصدم البعض القول إن أبسط هذه التقاليد للغرب، تبدأ في تسمية الأبناء، واختيار اسم لهم فور ولادتهم، فأصبحنا نسمع أسماءً غربية غريبة من باب التقليد والافتخار بكل ما هو أجنبي، حتى اليافطات المعلقة على المحلات والمولات أصبحت باللغة الإنجليزية، وكأن في ذلك نوعًا من التحضر، إلى غيرها من المظاهر التي تبرز التقليد الأعمى للغرب في مجتمعاتنا الذي يندرج تحت الغزو الثقافي الذي حاول المستعمر الأوروبي طيلة قرون مضت مسح هوية هذه المجتمعات، ليحل محلها الثقافة الغربية.

وما نراه اليوم من نزعة البعض والحنين إلى الماضي المجيد والتراث الأصيل، إلا نقطة في بداية السطر من أجل عودة لأمجاد مضت، وهذه ردة فعل طبيعية للفطرة السليمة التي نشأ عليها أبناء هذه الأمة في عصر طغت عليه الماديات، حتى صارت مادة بلا روح، في حين أن هذه الأمة لطالما كانت الروح فوق كل مادة، وهو ما يجب أن نستحضره في تربية أبنائنا تربية روحية منذ نعومة أظفاره، وربط كل تفصيلة من تفاصيل حياته المعقدة بالدين لكي ينشأ طفلًا سويًّا يعرف ما له وما عليه.

اقرأ أيضًا: 10 وسائل لتنمية ذكاء الطفل

الصدمات/ المفاجأت

القوة الثالثة المؤثرة في تكوين شخصية الطفل تتمثل في المواقف الطارئة، أو ما يمكن أن نطلق عليه الصدمات، أو المفاجآت، مثل فقد أحد الأبوين في سن مبكرة، أو الحرب الدائرة في منطقتنا منذ عقود وما يستتبعها من تأثيرات نفسية وجسدية واجتماعية على الأطفال الصغار.

لك أن تتخيل ذاك الطفل الذي يستيقظ وينام على أصوات المدافع والانفجارات وأصوات الثكالى والأمهات لفقد الأحبة والأصدقاء، ترى ما وقع هذه الأشياء في نفسه! لا شك أنها تظل محفورة في ذاكرته لا يمكن للزمن أن يمحوها، خاصة إذا كانت سببًا في فقد عزيز أو حبيب، تظل عالقة في أذهان الأبناء حتى عندما يكبرون، تظل هذه الذكريات تراود منامهم، فيستيقظون مهمومين حزانى.

وثم إن هذه الصدمات من شأنها أن تخرج أبناءً يعانون مشكلات نفسية، قد تصل إلى حد الاكتئاب، فمنهم من ترتسم هذه الأحداث في شخصيته فيصير عدوانيًّا عنيفًا مع المحيطين به في المنزل، المدرسة، النادي، الشارع، وتصبح طريقة حله للمشكلات التي يقع فيها هو العنف والسلوك العدواني.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة