الدوبامين والإنجاز.. كيف يصبح التحدي إدمانًا خفيًّا؟

هرمونات السعادة ليست هرمونًا واحدًا فقط، بل هي عدة هرمونات، فنحن نشعر بالسعادة عندما نرى شخصًا نحبه، ونشعر بالسعادة حين ننجح في مهمة صعبة، ونشعر بالسعادة حين نواجه مشكلة وننتصر عليها. وقد أردت في هذا المقال أن أتكلم عن «لماذا نشعر بالسعادة عند إنجاز مهمة صعبة؟» وما خطر الإدمان على ذلك، ولماذا «الدوبلير» (مساعد الممثل) يقفز من مكان عالٍ، أو يقفز بين العربات ومن فوق النار بمعنى أصح، لماذا يؤدي أعمالًا خطرة يرفض الممثل القيام بها ويعرِّض حياته للخطر، هل هذا بسبب الحاجة إلى المال فقط، أم لماذا؟

هرمون الإنجاز هو مصطلح يُطلق على الدوبامين (dopamine)، لكن بصورة غير رسمية، لأن الدوبامين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالشعور بالمكافأة والتحفيز عند إنجاز المهمات. لا يرتبط الدوبامين فقط بالفرح عند إنجاز مهمة، بل يرتبط أيضًا بالدافع النفسي لإنجاز المهمة، وهو شبكة من المشاعر والتحفيز.

لماذا سُمِّي الدوبامين هرمون الإنجاز؟

  • لأنه يُفرز عند إنجاز مهمة.
  • عند مواجهة خطر كنت تخاف مواجهته.
  • عند تحقيق تقدم ولو بسيط في مشروع كبير كنت قد خططت له.
  • مجرد تخطيطك لتحقيق هدف وتوقّع مكافأة.
  • لذلك فهو هرمون الإنجاز أو well-being.

سبب تسمية الدوبامين بهرمون الإنجاز

كيف يعمل الدوبامين عند الإنجاز؟

  • مجرد تخطيطك يُفرز الدوبامين.
  • عند تنفيذ جزء بسيط يُفرز أكثر.
  • عند الإتمام يُفرز أكثر فأكثر. لذلك:
    إذا كنت تود أن يُفرز الدوبامين في جسمك، قسِّم أهدافك الكبيرة إلى أهداف صغيرة وابدأ الإنجاز، وسوف تشعر بسعادة كبيرة، واستمتع بالرحلة.

لكن، هل تعلم أن السعي المستمر للبحث عن الدوبامين بواسطة الإنجاز خطر كبير يجعلك تتعلّق بالنتيجة لا بالعملية؟ الإحساس بالإحباط عند عدم التقدُّم، ويدخل في الحزن إذا قلّ الدوبامين. لذلك لا بد من تحقيق التوافق بين الإنجاز والمتعة، والتقدم والمكافأة الذاتية. وهذا ما ينقلنا للحديث عن موضوع لا يقلّ أهمية، وهو «Dopamine Seekers».

مصطلح «دوبامين سيكرز» (Dopamine Seekers) يُستخدم لوصف الأشخاص الذين يسعون باستمرار وراء الأنشطة أو المحفزات التي تطلق مادة الدوبامين في الدماغ، وهي مادة كيميائية مسؤولة عن الشعور بالمتعة والمكافأة.

دوبامين سيكرز

هؤلاء الأشخاص قد لا يكونون مدمنين على شيء محدد، لكنهم مدمنون على الشعور بالمكافأة اللحظية، لذا يميلون إلى:

  • تصفّح السوشيال ميديا باستمرار
  • القفز من مشروع لمشروع دون إكمال
  • الإفراط في الأكل أو التسوّق أو مشاهدة المسلسلات
  • صعوبة التركيز على مهام طويلة المدى أو غير مثيرة
  • الملل السريع من الأنشطة الروتينية

لماذا يحدث ذلك؟

الدماغ البشري مبرمج على البقاء والمكافأة. عندما تفعل شيئًا مثيرًا أو جديدًا، يفرز الدوبامين مكافأة على السلوك. مع الوقت، يبدأ البعض يطارد هذا الشعور نفسه، حتى لو على حساب صحته أو إنتاجيته.

هل هذا شيء محفوف بالخطر؟

ليس فعلًا شيء شديد الْخَطَر، لكن لو استمر الشخص في البحث عن المحفزات دون وعي، من الممكن أن يؤدي إلى:

  • تشتُّت انتباه دائم
  • عدم القدرة على إنهاء المهام
  • فقدان المتعة من الأشياء العادية
  • شعور دائم بالفراغ على الرغْم من كثرة الأنشطة

كيف تتعامل مع كونك «Dopamine Seeker»؟

  • مارس التدرُّب على الملل: اجلس دون مشتتات لبضع دقائق يوميًّا
  • قلِّل المحفزات السريعة: مثل التنقل السريع بين التطبيقات
  • ركِّز على المهام العميقة: حتى لو بدت مملة في البداية
  • كافئ النفسك بطريقة مؤجِّلة: مثلًا، كافئ نفسك بعد الإنجاز لا في أثنائه
  • افهم نفسك: تتبَّع عاداتك واعرف متى ولماذا تهرب للمحفزات

في إحدى المرات سألوا «دوبلير» (مساعد ممثل): لماذا تقوم بأشياء تعرض حياتك للخطر؟ هل هذا بسبب الدافع المادي؟
فأجاب كالتالي:

«نعم، فنحن نحصل على الكثير من الأموال مقابل مشهد بسيط، ولكن المتعة التي أشعر بها عند مواجهة خوفي أو القيام بأشياء خارجة عن المألوف، متحديًا بذلك نفسي، تُشعرني بسعادة عارمة لا توصف بكلمات. فالهدف ليس فقط الكسب المادي، بل المتعة أيضًا».

إليكم التفسير العلمي لكلام «الدوبلير».

دوبلير الحياة: حين يُصبح الخطر إدمانًا

بينما يراقب الملايين مسلسلات الأكشن من خلف الشاشات، منبهرين بالمشاهد الجريئة والانفجارات المدوية، يبقى في الظل بطل خفيّ يقفز من أعالي المباني، ويتلقى الضربات، ويتشقلب في الهواء، لا لشيء إلا لأنه يحب ذلك. هذا البطل يُدعى «الدوبلير» – الشخص الذي يؤدي المشاهد الخطرة بدلًا عن الممثلين. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن بعض هؤلاء لا يفعلون ذلك من أجل المال فقط، بل لأنهم مدمنون على الخطر، بل على الشعور الذي يُرافقه.

ما وراء القفزة: متعة تفوق التمثيل

لسنا بصدد متعةٍ عابرة، بل نتحدث عن حالةٍ ذهنيّةٍ يُطلق عليها في علم الأعصاب «Euphoria»؛ وهي ذروة النشوة والسعادة التي يفرز فيها الدماغ هرمونَي الدوبامين والأدرينالين بجرعات مرتفعة، شبيهةٍ بتلك التي تنجم عن تعاطي المخدرات، لكنها تتولد بصورةٍ طبيعية تمامًا.

ذروة النشوة والسعادة

الدوبامين: هرمون الإنجاز والإدمان معًا

يُطلق على الدوبامين أحيانًا «هرمون الإنجاز»، لأنه يُفرَز في الدماغ عند التقدُّم نحو هدف، أو عند تجربة شيء جديد ومحفِّز. لكن في حالات معينة، يصبح الشخص مدمنًا على هذا الشعور، ويسعى وراء محفزات أقوى وأخطر لإشباع دماغه.

هؤلاء يُطلق عليهم في علم النفس: «الباحثون عن الإثارة» (Sensation Seekers) أو «مدمنو الأدرينالين».

هُم أشخاص لا تكفيهم الحياة الهادئة، بل يحتاجون إلى الخطر ليشعروا بالوجود.

الحياة العادية… لا تكفي

المشكلة أن بعض هؤلاء الأشخاص، حين يعودون إلى الحياة اليومية، يشعرون بالفراغ.

الأكل، النوم، العلاقات، الحديث العادي… كلها تصبح بلا طعمفيطلب عقلهم مزيدًا من الإثارة، مزيدًا من المخاطرة، حتى وإن كلّفهم الأمر حياتهم.

تقول دراسة نُشرت في مجلة علم النفس العصبي إن هؤلاء الأشخاص لديهم حساسية منخفضة نسبيًّا للمكافآت اليومية، ما يدفعهم للبحث عن محفزات أعلى لإفراز نفس كمية الدوبامين. تمامًا كما يحتاج المدمن إلى جرعة أكبر مع الوقت.

ما بين الشغف والإدمان

قد يبدو أن الدوبلير يعيش بشغف، لكن الخط الرفيع بين الشغف والإدمان قد يتلاشى بمرور الزمن.

فما يبدأ هواية جريئة، قد ينتهي بإدمان على الخطر، بل على لحظة اقتراب الموت.

ليس كل من يؤدي مشاهد خطرة مدمنًا، لكن من الضروري التفريق بين من يستمتع بالتحدي، ومن يهرب من الواقع إلى حافة الموت، بحثًا عن شعور مؤقت بالنشوة.

سأقص عليكم قصة أخرى لأوضح فكرتي: شخص اعتاد على الهدوء والطعام والشراب الجيد والنجاح في الحياة، فأصبح لا يقدِّر ذلك، وأصبح في بحث ممل عن طريقة لتغيير روتينه أو عمل أشياء مجنونة ليشعر بالمتعة التي كان يشعر بها، في المقابل، يوجد شخص آخر حياته صعبة ولا يملك قوت يومه، هذا الشخص يشعر بمتعة إذا حظي بهدوء ساعتين أو بوجبة جميلة.

شخص اعتاد أن يذاكر 10 صفحات، فإذا ذاكر 11 صفحة أحس بالمتعة. وشخص آخر اعتاد ألّا يدرس أبدًا، فإذا ذاكر صفحة واحدة شعر بالسعادة وبالتحدي لأنه لم يعتد الإنجاز.

الشخص الذي اعتاد إنجاز أهداف كثيرة خلال اليوم، إذا وقع أو أُصيب بمشكلة منعته من ذلك، يشعر بالإحباط والملل، ولذلك لا بد من تقدير الإنجازات الصغيرة اليومية حتى لا نُصاب بالملل.

أما الشخص الذي اعتاد الكسل، فإذا أنجز أيّ شيء يصبح سعيدًا بذلك الإنجاز.

أخيرًا، استطعت في هذا المقال أن أتكلم عن مجموعة من الأفكار المترابطة، وهي هرمون الإنجاز، و«الدوبامين سيكرز»، وأعطيت مثالًا على ذلك بالدوبلير.

من يعتَدِ الحياة العادية لا تكفيه المتع المؤقتة، فيبحث عن مزيد من المتع عن طريق أشياء أكثر تحدّيًا، ولكن قد يتحول ذلك إلى إدمان أو قد يعرّض حياة الإنسان للخطر، وقد يُصاب بالاكتئاب.

للمهتمين بعلم النفس والسلوك البشري، ولمن أراد أن يفهم: لماذا يحب البعض القفز من فوق الحياة، ليشعروا أنهم أحياء فعلًا؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة