هذيان مريض


كعادة زماننا سرمديّ الضيق والوحدة؛ فحينما يُضاف لهما أي تغيّرٍ - ولو بسيطٍ - يعتصر فؤادنا ألمًا، وترتجف أفكارنا خوفًا وسلبيّة.

إحداهنّ أصابتها نزلة بردٍ شرسة، كانت بمفردها ولم يعبأ أحدٌ بها، فانخرطت بالتفكير عن ماهية المرض، وكيف أنّه وحشٌ مفترس؛ يتصيّد البشر بعنايةٍ في وقتٍ حرج.

كيف يُذِهب لَمعانَهم؛ يغادرهم بعد تأكّده من أنّ حالتهم الرّثة ستبقى مديدًا، ولربّما تصير مصدر سخريةٍ أو شفقة؛ فهي لا تنسى أبدًا من صافحتها أثناء مرضها بعبارة "لِمَ أنتِ مبعثرة هكذا؟".  

انقضت نزلة البرد منذ أكثر من شهر، لكنّ حالتها النفسيّة بسببها لم تنتهِ؛ مازال فكرها قائمًا "مجرّد نزلة بردٍ جعلت رأسي سينفجر، فمي تحاوطه فقاعات، تركيزي منعدم، حرارتي تزداد وتزداد؛ هل يدري ڤيروس الإنفلونزا عن حاله أنّه قويٌّ ومؤثرٌ لتلك الدرجة! وإن كان يدري أفلا يعلم أنّ أذى شخصٍ – بتعمّد - من المحرّمات، وسيحاسبه اللّٰه، أتراه يدافع عن نفسه؟ ربّما، من الممكن أنّي تسبّبت له بأذى - بلا أيّ قصدٍ مني -، واعتبرني له عدوّة!

إنّني درست الڤيروسات، وذلك ڤيروس بسيط - أو لربّما كانت بكتيريا فهي أيضًا بسيطة -، فما الناتج إن كانت الإصابة بمرضٍ أكبر!

إنّنا -البشر- بالتّرتيب السُّلاليّ أعلى مرتبة، ومن المفترض أنّنا أقواها، لكن تلك وحيدة الخلية لها المقدرة بأن تذهب بنا إلى خبر "كان".   

فهلّا نتعظ!

تذكّرت حينها البكتيريا السبحيّة الّتي أودت بي فجأةً لشللٍ نصفيٍّ مؤقت رُغم ريعان قوّتي ونشاطي آنذاك، تذكّرت كلّ مخاوفي حينها، وماذا إن طال بي الأمد على هذه الشّاكلة؟ تذكرت كم كنت أضعف من الطّفل الرّضيع، لكنّ عبء تحمّلي كبيرٌ، كم كانت الإبرة مؤلمةً رغم المخدّر! وكم كانت كلّ خليّةٍ بجسدي تتمنّى الموت - رغم صبرها -، لكن حينما تصير أنت أوّل المشفقين عليك ستتمنّى الموت لا محال.

والعجيب حينما كبرت رأيت أنّها بكتيريا ضعيفة، لكنّنا باستخدامنا الخاطئ للدّواء أكسبناها شراسةً ومقاومةً لم تتخيّلها يومًا.

 فما مصيرنا مع أُحادي الخلايا؟!

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم