بينما تتزين العاصمة الاقتصادية بوعود الحداثة، يستفيق سكان حي باب مراكش في قلب الدار البيضاء على وقع مغاير تمامًا؛ وقع جرافات لا تكتفي بهدم الجدران، بل تقتلع تاريخًا كاملًا من الذاكرة الشعبية. إن ما يشهده حي باب مراكش اليوم ليس مجرد عملية هدم لمباني قديمة ضمن مخطط محج الحسن الثاني، بل هو تفكيك قسري لنسيج اجتماعي واقتصادي صمد لعقود.
في هذا المقال، ننقل لكم صورة حية من الميدان، لنرصد حجم المعاناة الإنسانية والآثار النفسية التي خلفتها آليات التنمية، ونتساءل: هل يمكن لبريق التحديث والتحضير لـ كأس العالم 2030 أن يعوض الأسر التي فقدت سكنها ومصدر رزقها وهويتها بين عشية وضحاها؟
باب مراكش.. تاريخ عريق
باب مراكش هو أحد البوابات المحصنة الموجودة في مدينة الصويرة في المغرب. ويعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر. وهو من البوابات الرئيسة للمدينة من جهة الجنوب الشرقي، ويعد معلمًا تاريخيًا وسياحيًا عريقًا.
تم بناء باب مراكش في القرن الثامن عشر بأمر من السلطان محمد بن عبد الله، وكان الباب ممرًا ضروريًا للطريق المتجهة إلى مراكش وأغادير.
كم عدد أبواب مراكش؟
اختلف المؤرخون في تحديد عدد أبواب مدينة مراكش، ولكن أبرزها والمعروفة تاريخيًا تزيد عن عشرة أبواب.
وفي قلب الدار البيضاء، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، بدأ حي باب مراكش يفقد معالمه زنقةً زنقة، وحجرًا حجرًا. عاينتُ بعيني هذا المشهد يوم الأربعاء الماضي، فتألمتُ من هول ما رأيت: الجرافات والآليات الضخمة تجثو على زنقة موحا وسعيد، وتكتسح المباني، والمحلات، والدكاكين، والمساجد، التي عاشت معها عائلات كاملة لعقود. لم يكن المشهد خبرًا في النشرة، بل واقعًا مرئيًا تُقام عليه نكبةٌ فوق أنقاض حياة بُنيَت بعرق الجبين، وأنجبت أجيالًا، وترعرعت فيها العشرات من الأسر التي جعلت من هذا الحي وسطها الأبدي.
حي وسطه البيت: تدمير شبكة حياة بأكملها
باب مراكش لم يكن سوقًا عابرًا، بل نسيجًا اجتماعيًا كاملًا: محلات تجارية، دكاكين مهنية، ووسائط، بيوت فوق البيوت، ومساجد تتوسط الأحياء، تُشكل فضاءً للعبادة واللقاء والتواصل. في زنقة واحدة، منزل عادي قد يأوي زوجين، وأبناء، وأرحامًا، وأصهارًا، يشكلون معًا طبقة سكانية كثيفة، صاعدة، وليست مجرد «عمارة إسمنتية» في المخططات البلدية.
هؤلاء السكان لم يُرحَّلوا من البداية؛ بل نَمُوا في الشارع، ودخلوا المدارس، وفتحوا أبواب التعليم لذرياتهم، وطوروا مهنهم وحرفهم داخل هذا الحي، الذي صارت كل مبانيه جزءًا من هوية عائلات بأكملها. المساجد كانت مركزًا للتكافل، وتعليم الأطفال، وحل النزاعات، ورعاية المسنين، وتنظيم الأنشطة الخيرية. هدم هذه المساجد، مع المحلات والبيوت، يعني تفكيكًا لنسيج ديني واجتماعي لا يُعوَّض بسهولة.
الهدم في يومه: بين الصدمة والعدالة المنقوصة
يوم الأربعاء، وفي ظل هدم متواصل بدأ منذ أيام ولا يزال يحصد المزيد من المنشآت، وقف عدد من السكان ينظرون إلى بيوتهم ودكاكينهم ومساجدهم وهي تُحطَّم أمامهم. لا إمهال طويل، ولا مرافقة كافية، ولا حوار مسبق؛ بل إنهاء سريع تحت ذريعة «تنظيم المدينة» و«رسم محج الحسن الثاني»، وهو المشروع الذي يستهدف تهيئة مساحات واسعة قرب مسجد الحسن الثاني والواجهة البحرية، وربطها بمسارات حديثة يُفترض أن تُحسن مظهر المدينة.

لكن ما لا يُذكَر في البلاغات: أن طلابًا ما زالوا في منتصف العام الدراسي، وأن هدم هذه المباني يُهدِّد استمرارية دراستهم؛ لا منازل بديلة، ولا توزيع مسبق، ولا حتى خطة واضحة للانتقال. يُفرض عليهم التحول فجأةً من حيِّهم المألوف إلى مجهول متخم بالأسعار، حيث الإيجارات فاحشة وسط تضخم سكني واضح في الدار البيضاء منذ انطلاق حملات الهدم الكبرى.
الانعكاسات الاقتصادية: ضياع مصدر الرزق والعمل
الهدم ليس انكسارًا في الجدران فحسب، بل قطع لدابر مصادر الرزق. دكاكين الحدادة، الخياطة، بيع الخضر، النجارة، الصيانة، وبعض المهن الصغيرة الأخرى كانت تمثل ميزانيات أسرة كاملة، وتعمل كشبكة تضامن داخل الحي. إغلاق هذه المحلات فجأةً يُفقد العشرات من الأشخاص وسيلة كسب اليوم، ويُدخلهم في دائرة البطالة أو العمل في شروط هشة، ربما في القطاع غير المهيكل.
على صعيد الأسر، يصبح الانتقال إلى أحياء جديدة بعيدة عن المركز تكلفة مالية باهظة: إيجارات أعلى، تكاليف مواصلات، وربما تقلص مساحة المسكن إلى الحد الأدنى. هذا يزيد عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، ويجعل التعليم، والصحة، والخدمات الأساسية، أكثر بعدًا وتطلبًا.
الانعكاسات الاجتماعية: تفكيك الروابط وارتفاع التوتر
تفكيك الأحياء القديمة لا يُحوِّل الناس من مكان إلى آخر فقط، بل يُفكك شبكة العلاقات: الأقارب على البلاطة نفسها، الجيران الذين يشاركون في المآتم والأعراس، العلاقات المهنية والودية التي تُبنى بالشوارع والأزقة. نقل الأسر إلى تجمعات سكنية مختلفة، ومناطق بعيدة، يُنهي قربَ المكان ويعود الأفراد إلى حياة مجزأة وفردية.
تفكك الأسر فيما بينها هو أحد أكثر المشاهد قسوة: بعض الأبناء يُضطرون للانتقال إلى مساكن مؤقتة أو إلى أحياء بعيدة، في حين تبقى الأم أو الأب في مسكن آخر، لأن لا أحد يقدر على تحمل إيجار واحد يجمع كل أفراد العائلة. هذا يُضعِّف الروابط بين الأجيال، ويزيد المسؤولية على الأبناء الوحيدين، ويزيد من توتر العلاقات داخل الأسرة.
الانعكاسات النفسية: صدمة الهدم وانهيار الاستقرار
الهدم هو صدمة نفسية مركَّبة: فقدان المكان الذي تُبنى عليه الذكريات، وضياع البؤرة المكانية التي تُؤمِّن الشعور بالاستقرار والانتماء. بعض العائلات فقدت أكثر من مجرد سقف؛ فقدت الروتين، والأمان، والقدرة على التخطيط للمستقبل.
البعض يعيش حالة حزن مستمر، أو سلوك هروب من الواقع، أو اكتئابًا لا يُعلن عنه، خاصة بين الأمهات والمسنين. الأطفال، بدورهم، يفقدون صداقاتهم، وبيئتهم الدراسية، ومساحات اللعب التي تُشكل جزءًا من تطورهم النفسي والاجتماعي. هذا يزيد من احتمالات تراجع الأداء الدراسي، وضعف الاندماج الاجتماعي، وارتفاع العنف أو التمرُّد داخل البيت أو خارجه.
المعاناة اليومية: من العائلات إلى المسنين ومن المساجد إلى المجهول
تحت الغبار والصخور، تُكتب قصص معاناة البشر وليست الأرقام فقط. بعض الأسر تُدفع إلى تجزئة العائلة: الأبناء هنا، الأم هناك، الزوج في مكانٍ ثانٍ؛ لأن لا أحد يستطيع تحمُّل إيجار منزل واحدٍ يكفي كل هؤلاء.
وأقسى الصور هي تلك للمسنين الذين كبروا وحدهم في بيت واحدٍ، ولم يعودوا يجدون من يُعينهم في التنقل أو الانتقال، فينتهي بهم الأمر في العراء، أو في زاوية موقوتة، أو في مساكن مؤقتة لا تضاهي حتى ما كانت فيه من طمأنينة. المساجد التي كانت ملجأً لهم أيضًا تتعرَّض للهدم أو الإغلاق، فيفقدون فضاءً مركزيًا للصلاة، والاجتماع، والدعم المعنوي.
البعض يُترك من دون مساعدة حقيقية، في حين تُهرول مجموعات من المنتفعين للاستفادة من الفوضى، وسرقة ما يُمكن إنقاذه من أثاث أو معدات قبل أن تُطوى صفحة الحي إلى الأبد.
التحضير لكأس العالم: التنمية أم التشرد؟
في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أن هذه العمليات تقع وسط حملة واسعة لإعادة تهيئة الدار البيضاء تحضيرًا لاستضافة مباريات كأس العالم 2030 مع البرتغال وإسبانيا. السلطات تُعلن عن استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطرق، وتحرير مساحات عامة مُحتَلة من أحياء قديمة، غالبًا ما توصف بالمستهدفة للتطوير.
لكن السؤال الأهم: ما ثمن هذا التحضير؟ هل تُقاس «العصرنة» بسرعة الجرافات، أم بحماية سكان الأحياء القديمة؟ عندما يُربط هدم باب مراكش بصور مبهرة لطريق مثالية جانب مسجد الحسن الثاني، يبقى في الخلفية أطفالٌ يفقدون استقرارهم الدراسي، ونساء تُطردن من بيوت مهنية كانت تُعيل أسرهن، وعُمَّال يفقدون مصدر رزقهم في اليوم نفسه الذي يُفترض أن يُفتح فيه ملف تعويضهم.
تأثير الهدم على المساجد: إسقاط الفضاء الروحي
قوات الهدم امتدت إلى المساجد الصغيرة والزوايا الشعبية التي تُقام فيها التجمعات اليومية، وحلقات القراءة، وبرامج التوعية، ودعم الأسر الفقيرة. إغلاق هذه المساجد أو هدمها يُضعف دور الدين والمجتمع المدني في استقرار الأحياء، ويجعل السكان أكثر عرضةً للشعور بالاغتراب والانهيار الأخلاقي.
المساجد لم تكن فقط مساجد للعبادة، بل مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا: أماكن يُعلَّم فيها الأطفال، وتُقام فيها الدروس، وتُنظم الأنشطة الخيرية. وقوعها تحت الجرافات يُفقد الحي قلبه الروحي، ويفتح الباب أمام الفراغ الثقافي والروحي الذي يصعب ملؤه بالأطر البديلة.
المتضررون بلا مظلة: من يحميهم؟
نادرًا ما يُسمع عن هيئات أو آليات فعَّالة لحماية هؤلاء المتضررين، أو لجعلهم أولوية في المفاوضات حول الترحيل والتعويض. في الميدان، يُقال لهم: «هذا أمرٌ نهائي»، «لا بد من القبول بأوامر الهدم»، وكأنهم لا يملكون حقًا في الاعتراض أو الاحتجاج أو الطلب لنُظُم تفاوضية شفافة.
في كثير من الحالات، لا تُقدَّم مقاربة متكاملة: لا تعويض مادي مناسب، ولا دعم نفسي، ولا مرافقة تربوية أو اجتماعية للأطفال والنساء. الأسر يُفرض عليها الانتقال إلى مساحات جديدة دون تهيئة مسبقة، فيعيشون حالة انتقالية مزمنة، يخشون فيها من الإخلاء والطرد، ويبقون في دائرة عدم اليقين.
خلاصة: بين الذكرى والمستقبل
باب مراكش كان مرآةً لحياة بسيطة، حقيقية، لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بروائح الأزقة، وضحكات الأطفال، وصخب الدكاكين، وصلات الجماعة في المساجد. هدمه اليوم قد يُقدَّم في الصور الإعلامية كحدثٍ «تنموي» أو «تنظيمي»، لكنه، في الواقع، لحظة قطيعة مع أحياء احتضنت أجيالًا كثيرة، وأسهمت في بناء هوية المدينة الشعبية.
التحدي لا يكمن في بناء شارع جديد أو مساحة عصرية، بل في إيجاد مساحة إنسانية موازية: إعادة توطين عادلة، تعويض حقيقي، حماية للحقوق، واحترام للذاكرة الجماعية ودور المساجد في الحياة اليومية. فالمدينة لا تُقاس بطول الطرق فقط، بل بقدر ما تحمي فيه من يعيشون على أطرافها، وبحجم ما تُقدِّمه من كرامة لمن يدفع ثمن «العصرنة» بدمه وعرقه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.