شهدت أسواق المعادن الثمينة خلال الأيام الأخيرة من شهر يناير 2026 تقلبات غير مسبوقة، عكست بوضوح حالة الاضطراب وعدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي.
فعلى الرغم من الهبوط الحاد الذي تعرضت له أسعار الذهب والفضة يوم الجمعة، فإن المعدن الأصفر لا يزال في طريقه لتسجيل أقوى مكاسب شهرية له منذ أكثر من 40 عامًا، في مفارقة لافتة تعكس حجم التوتر والتناقض في سلوك الأسواق المالية.
فقد هوت أسعار الذهب بأكثر من 8% في تداولات الجمعة 30 يناير، مسجلة أسوأ أداء يومي لها منذ عام 1983، في حين تراجعت الفضة بأكثر من 30% لتصل إلى نحو 80.4 دولار للأوقية.
وجاء هذا التراجع الحاد نتيجة مباشرة لارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختياره كيفين وارش رئيسًا جديدًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، خلفًا لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل.
ورغم هذا الانخفاض القوي، أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إلى أن الذهب حقق خلال شهر يناير أفضل أداء شهري له منذ أكثر من أربعة عقود، في حين سجلت الفضة أفضل شهر في تاريخها، محققة مكاسب تجاوزت 40%، وهو ما يعكس حجم الإقبال الاستثماري الكبير على المعادن الثمينة في ظل الظروف العالمية الراهنة.
الدولار في مواجهة الذهب
يرى محللون أن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار كانت العامل الحاسم في التراجع الأخير. فمع إعلان اختيار وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، ارتفع مؤشر الدولار بنحو 0.6% مقابل سلة من العملات الرئيسية، ما أدى إلى زيادة تكلفة الذهب بالنسبة للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى، وبالتالي إلى تراجع جاذبيته على المدى القصير.

وتوضح «فايننشال تايمز» أن الأسواق استقبلت اختيار كيفين وارش بارتياح نسبي، نظرًا لكونه يُصنف على أنه شخصية تميل إلى السياسة النقدية المتشددة، وهو قادر على مقاومة الضغوط السياسية التي قد يمارسها الرئيس ترامب من أجل خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع. وقد عززت هذه التوقعات من قوة الدولار، وأضعفت الطلب الفوري على الذهب.
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن شريحة من المستثمرين ترى في وارش «اختيارًا آمنًا نسبيًا»، مستندة إلى خبرته السابقة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي وسجله المعروف في دعم التشديد النقدي، وهو ما أعاد الثقة إلى العملة الأميركية، ولو مؤقتًا.
يناير 2026 الأكثر تقلبًا في تاريخ المعادن
وصفت نيكي شيلز، المحللة في شركة «إم كيه إس بامب»، شهر يناير 2026 بأنه «الأكثر تقلبًا في تاريخ أسواق المعادن الثمينة»، مشيرة إلى أن ما تشهده الأسواق من تذبذب حاد إنما يعكس حالة اضطراب عالمي غير مسبوقة.
فقد شهد الشهر تطورات سياسية وجيوسياسية متسارعة، أسهمت في زيادة حالة القلق وعدم اليقين لدى المستثمرين، من بينها الخلاف المتصاعد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحلفائه الأوروبيين بشأن جزيرة غرينلاند الدنماركية، إضافة إلى تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية قبل التراجع عنها، فضلًا عن تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وترى شيلز أن «ما لم يكن في الحسبان أصبح يحدث يوميًا»، مؤكدة أن هذه التطورات المفاجئة وغير التقليدية باتت تؤثر تأثيرًا مباشرًا في قرارات المستثمرين، وتدفعهم إلى التحرك بسرعة بين الأصول المختلفة بحثًا عن الأمان أو تحقيق الأرباح.
جني أرباح وتصحيح عنيف
من جانبها، فسرت رانيا جول، كبيرة محللي الأسواق لدى «إكس.إس دوت كوم»، التراجع الحاد في أسعار الذهب والفضة على أنه «تصحيح قوي وجني أرباح طبيعي» بعد الارتفاع السريع الذي شهده السوق خلال الأسابيع الماضية.
وقالت جول إن عددًا من المستثمرين والمؤسسات المالية حققوا أرباحًا كبيرة من صعود الذهب، ما دفعهم إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية وجني الأرباح، خاصة في ظل ارتفاع الدولار وزيادة المخاوف من استمرار التقلبات. وأضافت أن هذا السلوك يُعد صحيًا للأسواق، إذ يمنحها فرصة لإعادة التوازن بعد موجات صعود حادة.

آفاق الذهب في 2026
على الرغم من الانخفاض الأخير، لا تزال التوقعات على المدى المتوسط والطويل داعمة لأسعار الذهب. إذ تشير التقديرات إلى أن الأسواق ما زالت تتوقع خفض أسعار الفائدة الأميركية خلال عام 2026، وهو عامل تاريخي يدعم أسعار الذهب؛ نظرًا لأن انخفاض العائد على سندات الخزانة الأمريكية يدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل تحافظ على القيمة، مثل الذهب.
كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالتضخم والديون العالمية، يعزز من مكانة الذهب كملاذ آمن، حتى وإن شهد فترات من التراجع المؤقت.
اضطراب عالمي وسوق شديد الحساسية
في المجمل، يعكس الأداء المتقلب للذهب خلال يناير صورة أوسع لحالة الاقتصاد العالمي، الذي بات شديد الحساسية لأي قرار سياسي أو اقتصادي مفاجئ. وبين قوة الدولار، وتغير توجهات السياسة النقدية الأمريكية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، يجد المستثمرون أنفسهم أمام بيئة معقدة تفرض حذرًا مضاعفًا وسرعة في اتخاذ القرار.
ورغم الصدمات قصيرة الأجل، يبقى الذهب أحد أبرز الرابحين في زمن الاضطراب العالمي، مستفيدًا من فقدان الثقة في الاستقرار المالي والسياسي، حتى وإن كان طريقه مليئًا بالتقلبات الحادة.
معلومات قيمة شكرا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.