-
يعد سامح مهران قامةً أكاديميةً وفنيةً بارزةً في المشهد الثقافي المصري والعربي، حيث جمع في مسيرته بين التخصص العلمي الدقيق والإبداع الأدبي الملموس. انطلق في رحلته الأكاديمية بدراسة الدراما والنقد المسرحي، وتدرج في المناصب العلمية حتى نال درجة الأستاذية، وأصبح أستاذًا متخصصًا في نظريات الدراما والمسرح بالمعهد العالي للفنون المسرحية.
-
لم يكتفِ مهران بالجانب النظري، بل صاغ بفكره ومنهجه مسرحًا خاصًا يمزج بين الواقعية الحادة والنزعة التجريبية الجريئة، مما جعله فاعلًا أساسيًا في مد جسور التواصل بين المسرح العربي والعالمي، سواء عبر نصوصه التي تُرجمت للغات عدة، أو من خلال إدارته لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.، وهو ما يتجلى بوضوح في نتاجه الغزير، ولا سيما مجموعته المسرحية هاملت بالمقلوب، التي تقدم تشريحًا فلسفيًا واجتماعيًا لواقعنا المعاصر بأسلوب رمزي فريد.
النتاج الإبداعي والفكري لسامح مهران
يتميز المشروع الفني لسامح مهران بتنوعه الثري، فهو كاتب مسرحي يمتلك رؤيةً نقديةً وفلسفيةً واضحةً، وتتسم نصوصه بالعمق الفكري والقدرة على تشريح الواقع بأسلوب رمزي وواقعي في آن واحد. ومن أبرز ملامح إنتاجه:

- مسرحية طفل الرمال سنة 1994.
- مسرحية الطوق و الأسورة سنة 1996 الفائزة بجائزة المهرجان التجريبي.
- مسرحية أيام الإنسان السبعة سنة 1997.
- مسرحية المراكبي التي ترجمت إلى الإنجليزية ومثلت مصر في مركز يوجين أونيل المسرحي، كما ترجمت إلى الدنماركية وعرضت في الدنمارك عام 2005.
- مسرحية مين يأكل أبوه سنة 2006.
- مسرحية عز الرجال.
- مسرحية بازل وان.
- مسرحية السرقة الكبرى.
- مسرحية ياما في القتل مظاليم.
هاملت بالمقلوب: رحلة في عوالم المجموعة المسرحية
تضم المجموعة المسرحية للدكتور سامح مهران، المسماة «هاملت بالمقلوب»، عددًا من المسرحيات، وتبدأ بالنص المسرحي «شقة عم نجيب» وتنتهي بالنص المسرحي «ديسكو»، وتحمل بين طياتها سبعة نصوص مسرحية، وهي صادرة عن دار «إضاءات للنشر والتوزيع».

مسرحية «شقة عم نجيب»: الرموز الأدبية مرآة للواقع
في هذا النص المسرحي، يلتزم المؤلف د. سامح مهران بالشكل التقليدي للنص المسرحي، إذ يبدأ بوصف المشهد الذي تبتدئ به المسرحية.
كما يستخدم المؤلف لغة يسيرة وسهلة تناسب القارئ العادي، بما يساعد على استيعاب النص. إلا أنه، في مواضع محددة، يستخدم لغة أكاديمية تأثر بها نتيجة عمله في المجال الأكاديمي، مثل كلمات كـ«البلاي باك» و«جندرية»، بالإضافة إلى مصطلحات أخرى مثل: «ردنجوت» و«مونوكل»، وهو ما قد يشكل عائقًا لدى القارئ العادي في الوصول إلى معاني تلك المصطلحات.

إن استخدام المؤلف لعنصر التشويق في عنوان النص المسرحي «شقة عم نجيب» يثير التساؤل لدى القارئ: من هو عم نجيب؟ وما ماهية تلك الشقة المسماة باسمه؟
ومع تسلسل أحداث النص المسرحي عبر الحوار الدائر بين أبطال العمل، الذي يسير بسلاسة ويسر يتناسبان مع القارئ العادي، ينتظر القارئ الإجابة عن السؤال السابق ذكره. ومن خلال الأحداث المشوقة، يكتشف أن «عم نجيب» هو الكاتب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ، وأن تسمية الشقة باسمه ما هي إلا رمزية؛ إذ تحتوي الشقة، في أثناء توالي الأحداث، على شخصيات الأعمال الأدبية لنجيب محفوظ، التي تدور بينها وبين أبطال النص الأساسيين حوارات شيقة تتناول عددًا من الموضوعات.
توجد إشكالية تتمثل في أن النص المسرحي «شقة عم نجيب» لم يُذكر تاريخ كتابته، سواء في بداية النص أو في نهايته في هذه الطبعة من المجموعة. ولكن القارئ يستطيع أن يستنتج، من خلال أحداث المسرحية واستخدام شعارات أحداث يناير «عيش، حرية، كرامة إنسانية»، أن النص قد كُتب بعد يناير 2011.
النص المسرحي، في مجمله، شيق لا يصيبك بالملل عند قراءته، فيما عدا تلك المصطلحات الأكاديمية أو غيرها التي قد يتوقف القارئ عندها قليلًا محاولًا استيعابها. عدا ذلك، فالنص مكتوب بلغة سهلة وبسيطة، وهو ما لا ينال منه شيئًا، بل يُعد ميزةً تُحسب له.
مسرحية «ديسكو»: تداخل الحقيقة بالخيال
في هذا النص المسرحي، يأخذنا المؤلف إلى عالم يمتزج فيه الواقع بالخيال، وهو عالم يصفه من خلال أحداث النص قائلًا:
«الخيال دخل في الحقيقة، والحقيقة بتركب على الخيال».
ورغم ذلك، لا يتعثر القارئ أو يتحير في متابعة النص.
يستخدم المؤلف تعبيرات قاسية تضيف إلى واقعية الألفاظ التي تعبِّر عن المرحلة الزمنية التي يدور خلالها النص، وتبرز مأساة الموضوع الذي يتناوله، في ظلِّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع وأفراده.
ورغم أن القارئ قد يعتقد في البداية أن النص يناقش مشكلة التأليف في كتابة النص المسرحي، فإنه يكتشف، مع متابعة الأحداث، أن النص يناقش المشكلات الاجتماعية الراهنة بأسلوب واقعي يكاد يصل إلى حد العنف الأدبي.
استخدم المؤلف د. سامح مهران الإضاءة على نحو جيد للانتقال بين أحداث النص، وهو ما يؤكد إجادته استخدام الأدوات الفنية للنص المسرحي. ويتضح ذلك في أكثر من مشهد عبر أحداث المسرحية، بما أفاد النص وأبرز فكر المؤلف في تناول موضوع «ديسكو».
ومن الواضح أن استخدام اللغة البسيطة في «ديسكو» سمة تميز المؤلف عمومًا، ولا تقتصر على النصوص التي تناولناها هنا.
لم يتناول النص قضية اجتماعية واحدة فقط، بل تناول أكثر من قضية، منها: الهجرة إلى الخارج، ولجوء بعض الشباب إلى الدراسات العليا لملء وقت الفراغ والحصول على فرصة أفضل مستقبلًا، دون أن يكون الهدف هو تحصيل العلم ذاته، بالإضافة إلى مشكلة العمل والواسطة، والسلبيات التي طفت على وجه الحياة الاجتماعية، مثل الكذب وسرقة الأحلام… إلخ.
وتكررت إشكالية استخدام بعض المصطلحات التي قد تمثل حجر عثرة أمام القارئ العادي، مثل: «ريليف» و«سوفيته» و«الإضاءة تكسر الحركة».
مجموعة هاملت بالمقلوب
تضم المجموعة سبع مسرحيات، هي:
- شقة عم نجيب.
- إنبوكسي.
- هكذا تكلم الحمار.
- صبوحة.
- هاملت بالمقلوب.
- ميدان القمقم.
- ديسكو.
وكلها تشير إلى أن المؤلف د. سامح مهران يمتلك أدواته الخاصة التي يشكِّل من خلالها مسرحًا يتميز به دون غيره من المسرحيين، بما يجعل مسرحه ذا أسلوب خاص، سواء عند كتابة النصوص أو عند تجسيدها على خشبة المسرح، سواء أكان هو المخرج أم تولَّى إخراجها غيره.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.