هارالد هوفدينج: مؤلف تاريخ الفلسفة الحديثة ورائد فلسفة بقاء القيم

في قلب كوبنهاجن، نشأ أحد أعظم مؤرخي الفلسفة في العصر الحديث، هارالد هوفدينج، الذي استطاع أن يحول الفلسفة من مجرد تأملات ميتافيزيقية إلى منهج نقدي يلامس جوهر التجربة الإنسانية.

رغم نيله إجازة في اللاهوت، اختار هوفدينج طريق الفكر الحر، متأثراً بعمق بمواطنه «سيرن كيركجرد» ومنهج الوضعية الفرنسية.

وكان هارالد -إلى جانب كونه أستاذًا أكاديميًا- صاحب رؤية ثورية ترى في الدين «إيمانًا ببقاء القيم»، وفي الأخلاق «سبيلاً لتحقيق الرفاهية الإنسانية».

في هذا المقال، نسبر أغوار مسيرته الحافلة، ونستعرض كيف وفق بين تجريبية «هيوم» ونقدية «كانط» ليبني مذهبه الخاص في المعرفة والوجود.

من هو هارالد هوفدينج؟

هارالد هوفدينج (1843-1931م) مؤرخ فلسفة دانماركي. وُلد في كوبنهاجن في سنة 1843م، وفيها عاش طوال حياته. وكان أستاذًا للفلسفة في جامع كوبنهاجن من سنة 1883م إلى سنة 1915م، وكان قد حصل على إجازته العلمية في اللاهوت سنة 1865م، لكنه رفض الانخراط في سلك الكهنوت.

من هو هارالد هوفدينج؟

تأثر بمؤلفات مواطنه سيرن كيركجرد، فدفعه إلى دراسة الفلسفة. وسافر في سنة 1868-1869م إلى باريس، حيث اهتم بدراسة المذهب الوضعي في فرنسا. وتُوفي في سنة 1931م.

عمل كأستاذ للفلسفة في جامعة كوبنهاغن منذ عام 1883 وحتى 1915، تبنى المذهب الأحادي النقدي أو «الوضعية النقدية»؛ حيث جمع بين منهج علم النفس العملي والمدرسة النقدية.

فلسفة هوفدينج الخاصة في الدين

جوهر رؤية هارالد هوفدينج لفلسفة الدين يتلخص في عبارته الشهيرة «الدين هو الإيمان ببقاء القيم».

وفي ما تفصيل لأهم ركائز فلسفته الدينية:

جوهر الدين: لا يرى هوفدينج الدين كمجموعة من العقائد الغيبية أو البراهين المنطقية على وجود الله، بل يراه ظاهرة نفسية وأخلاقية تهدف إلى حماية القيم الإنسانية وضمان استمرارها في مواجهة التغيرات والعدم.

منهج البحث: قسّم دراسته للدين في كتابه (1906) إلى ثلاثة أبعاد:

    1. البعد المعرفي: بحث في حدود العقل في إدراك المطلق.
    2. البعد النفسي: ركز على التجربة الدينية الفردية والإيمان كموقف وجداني.
    3. البعد الأخلاقي: ربط بين الدين والأخلاق، معتبرًا الدين السند الروحي الذي يمنح القيم الأخلاقية طابعًا أبديًا.

بقاء القيم: الدين ينبع من حاجة الإنسان للشعور بأن ما هو خَيِّر وذو قيمة في الحياة لن يزول بفعل الزمن أو الموت، بل هو محفوظ في جوهر الوجود.

الدين والعلم: كان يرى ضرورة التوفيق بين الإيمان الديني كحاجة روحية وبين المنهج العلمي التجريبي، مما جعله يتخذ موقفاً قريبًا من الأدرية فيما يخص القضايا الميتافيزيقية البحتة.

إرثه العلمي: جولة في أهم أعمال هارالد هوفدينج ومؤلفاته الخالدة

تميز إنتاج هوفدينج بالغزارة والتنوع. فله في علم النفس كتاب اشتهر في هذا العلم عنوانه: (موجز في علم النفس على أساس تجريبي) (كوبنهاجن سنة 1881م)، ويمثل علم النفس التقليدي الذي بمقتضاه تنقسم النفس إلى ثلاث ملكات: الإدراك، والشعور، والإرادة.

لكنه يؤكد خصوصًا دور الإرادة بمعناها الواسع الذي يشمل: النزوع، والامتناع، والسعي، والحاجة، والطلب، والشهوة.

وينظر إلى الإرادة على أنها لها الأولوية، وأن المعرفة ترشد الإرادة، أما الشعور فهو علاقة الحاجة أو الشهوة، وهما أيضًا عناصر في الإرادة.

وفي الأخلاق له كتاب: (الأخلاق: عرض للمبادئ الأخلاقية وتطبيقها على الأحوال الرئيسة في الحياة) (كوبنهاجن 1887م).

وفيه دعا إلى أخلاق رفاهية، متأثرًا بمذهب المنفعة عند جون ستيوارت ميل. إذ رأى أن القيمة الأساسية هي أكبر سعادة لأكبر عدد من الناس. وفي حالة التنازع بين الأخلاق الفردية والأخلاق الاجتماعية يأخذ هيفدنج جانب الأخلاق الفردية. والأساس النفسي للأخلاق في نظره هو التعاطف النزيه عن الأغراض.

وربما كان أشهر كتبه هو كتابه: (تاريخ الفلسفة الحديثة: من عصر النهضة حتى الوقت الحاضر)، (في مجلدين، كوبنهاجن سنة 1894-1895م).

وفي الدين له كتاب: (فلسفة الدين) (كوبنهاجن، 1901م)، وفيه يتناول التجربة الدينية من وجهة نظر نظرية المعرفة، وعلم النفس، والأخلاق. وفيه يذهب إلى أن الأساس في كل الأديان هو الرغبة في الإيمان بوجود قيم، وأن الأديان المختلفة تتحدد بأنواع القيم التي يؤكدها كل دين.

كتاب فلسفة الدين

بين اليقين والأدرية: موقف هوفدينج من القضايا الميتافيزيقية

أما هوفدينج نفسه فكان في الدين لا أدريًا، أي لا يقرر شيئًا على سبيل اليقين في ما يتصل بكل العقائد الدينية.

وله في نظرية المعرفة كتاب: (الفكر الإنساني: أشكاله ومشاكله) (كوبنهاجن، 1910م) وفيه يؤكد الجانب النفساني في المعرفة أكثر من الجانب المنطقي، ويتأثر في نظريته في المعرفة بهيوم وكانت، وذلك بقوله «إن أشكال المعرفة الإنسانية ومبادئها خاصة بالكائنات الإنسانية، ولا يمكن البرهنة عليها وجوديًا». ومن ثم ينتهي إلى التوفيق بين التجريبية وبين نقدية كانط.

هارالد هوفدينج.. الفلسفة كحارس للقيم الإنسانية

يظل هارالد هوفدينج علامة فارقة في تاريخ الفكر الأوروبي، ليس فقط لكونه مؤرخًا بارعًا رصد تطور الفلسفة الحديثة بدقة متناهية، بل لكونه مفكرًا إنسانيًا سعى لحماية «القيم» من الاندثار في عصر العلم.

لقد أثبت هوفدينج أن الانفتاح على التجريب لا يعني التخلي عن الروح، وأن «الأدرية» التي تبناها كانت موقفًا منزهًا يهدف إلى احترام حدود العقل البشري.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة