كلنا يعرف المثل القائل:
وقوع البلاء خيرٌ من انتظاره. فلماذا يُعدّ هذا المثالُ على قدرٍ من الصواب؟
ببساطة يا صديقي، إذا خُّيرتَ بين أمرين، (ولكن النتيجة في النهاية واحدة)، بين أن تعلمَ أنك مصابٌ بالسكر (عافاني الله وإياك) وبين أن تنتظر أن تعلم نتيجة التحليل وهي أنك مصاب بالسكر أيضًا، فالأفضل أن تعلم مباشرة دون وجود فترة للانْتظار.
ولذا فإني أقول؛ إن هذا المثل على قدر من الصواب، وليس بالصواب المُطلق، لأنه إذا كان احتمال أن تكون نتيجة الانتظار أن تعلم أنك لستَ مصابًا بالسكر، فلا أظنّ عاقلًا سيؤثر وقوع البلاء على انتظار نتيجة ستكون ثمرتها عدم وقوع البلاء!
المهم أن الانتظار ليس بالأمر الجيّد في جميع الأحوال، لأنه بفرض أن النتيجة واحدة، فلن يكون هناك طائل منه، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك:
بالطبع نحن لا نعلم الغيب، والنتيجة لن تُمثِّلَ لنا قبل تأويلها (يعني قبل حُدوثِها) شيئًا وما دام الأمر كذلك، فقبل وقوع النتيجة تكون احتمالات تحقّقها من عدم تحققها متساوية سواء مارسنا الفعل أم الانتظار، لكن هذا الاحتمال سوف يصبّ في صالح الفعل إذا كان الفعل هادفًا إلى حل المشكلة لأن التأجيل ليس سببًا في الحل بل في تعقيد الأمور وحسب.
اللهُمَّ إلّا أن تكون المشكلة هي خصومة بين طرفين قد يُفيد مرور الزّمان في إذابة الضغائن بينهما. لكن صدقني حتى في هذه الحالة؛ قد تكون المواجهةُ أفضلَ من أن ننتظرَ ريثما تَصْفُ الأنفُس، بينما قد تنطوي الأيام على ما يسوء: فَربَّما مات أحدُ طرفي النزاع قبل أن يُفصِحَ له الطرف الآخر عن ندمه وإحساسه بالخطأ. ربما تتفاقم الأمور بينهما بدلًا من أن تصفو الأنفس…
تقول القاعدة الحربية الهجومُ خيرٌ من الدفاع، حتى في مباريات كرة القدم، لا يُحرز الفريق الذي يلعب بخطة دفاعية بحتة أهدافًا والعكس صحيح. إن فرصة تقدّمك حالة مهاجمة المخاوف أعظم بكثير من تلك التي تكون إذا هاجمَتكَ المخاوفُ.
ستنال المخاوفُ منك الشيءَ الكثير إذا كانت هيَ من يُهاجِم، أمّا إذا هاجمْتَها أنت فالأوقعُ أن تنتصرَ عليها.
ثم هَب أنك لم تنتصر، فلن تكون خاسرًا على كل حال. إن أسوأ نتيجة تحوزها حال لَعِبِ دور المُهاجِم هي التعادل السلبيّ صفر صفر. (عدا أن تكون المباراة بين الأهلي وبايرن ميونيخ!)
تعال يا صديقي لِنُحلِّلَ الخوفَ. فما هو الخوف؟ ما كُنهه؟ كيف يعوقنا عن المُضيِّ إلى الجهة التي نريدها؟
تخيَّل أن أهدافَك هي كنزٌ ثمين تبصره في نهاية طريق ما، ومع أنك تستطيع رؤيته جيدًا إلّا أنك لا تستطيع التقدّم نحوه، فما الذي يمنعك؟
*يخرجُ لك المارد الشرير من قمّة الدار المهجور، الموجود على ناحية من الشارع، فيقول لك؛ لا تتقدّم، وإلّا فإن مصيرك الموت أو شيئًا يقاربه.
*أو يخرج لك قرينُك الذُّهاني (على اعتبار أن لديك بوادر schezophrenia) ، ليخبركَ مثلَ خبر الأول، ثم يفِيء إليك صوابكُ، لتستيقنَ أن الأشياء التي تراءَت لك (كالجان أو القرين الذهاني) لم تكن إلّا خيالًا، ليس لها وجود، لقد كنت تحلم يا صديقي!
وعندما تريد أن تعاود السير لتقتنصَ الفرصة وتغتنم الكنز الذي يتلألأ أمام ناظريك، لا تلبث تلك الأشباح أن تعاود هي الأخرى التلألأَ أمام عينيك، وعندما تحاول إقناعَ عقلك بالإقلاع عن هذا الهراء، فإنه يخبرك أنك أنتَ من تختار ذلك. ولا تزال تتقلّب فِي هذه الدائرة السّلبية حتى يعود إليك صوابُك عودةً نهائية، ولكن بعدما بلغ عمرك الستين!
هل تَظنني أبالغ في هذا التصوير؟
هل تعلم أن أكثر من ثلثي الناس يؤثرون الموت على التحدّث أمام جمهور من الناس؟ فإن كان الأمر كذلك، فالخوف إذن أعظم شأنًا في النفوس من الموت، أليس كذلك؟!
ومع أنّ الخوف ليس إلا شيئًا معنويًّا بحتًا، ولا يعدو أن يكون فكرة تجول في فناء العقل، فإنه يصنع بنا هذه الصنائع! فلماذا يصل بنا الأمر إلى هذه الدرجة من السوء؟ وكيف لفكرةٍ مُتهافتة أن تكون صرحًا كبيرًا يقف عائقًا دون أحلامنا؟ كيف وهذا الصرح أوهن في الحقيقة من بيت العنكبوت؟
عندما يكون كل ما يتطلَّبُه الأمر هو نفخة تنفخها في هذا الجدار الفولاذي (من وجهة نظرك طبعًا)، حتى يهيل ويتقوَّض كالرّماد الفاتر، فلماذا لا تنفخها؟
الجواب هو كلمة من وجهة نظرك التي بين قوسين، لأنه ما دمت تقتنع أنه جدار فولاذيّ، فإنك حتى لن تفكرَ أن تفعل، وإلّا بدوْتَ مجنونًا (من وجهة نظرك للمرة الثانية)! ولكن ماذا لو تغيّرت قناعتك؟
هل علمت الآن أن الأمر فِي الحقيقة؛ لا يعدو أن يكون مُجرّد قناعات وأفكار تدور في رؤوسنا، ففكرةٌ هي التي حالت بينك وبين الفعل، وفكرة هي ما ستدفعك إلى الفعل أيضًا؟
ما الذي تحتاجه يا صديقي حتى تقتنعَ أن الخوف ليس إلّا سرابًا؟ ما هي الأدلة التي تحتاج للاستناد عليها لتغُير صورة الخوف وتراه على صورتِه الحقيقية؟
ومع أن الأمرَ لا يحتاج إلى أدلة، (إذ إن في مخزون حياتك الكثيرَ والكثيرَ من المواقف التي كُنتَ تُحجم عن الإقدام عليها فما أن شرعت تنقضُّ عليها حتى تبينَ لك أنك ما كنت تحارب إلّا وهمًا!) ومع ذلك كله، فإني سأعطيك مزيدًا من الأدلة تستند عليها لتبديد خوفك؟
أولًا: عليك أن تعي أفكارك وتراقبها:
فكثيرًا ما نتوقف طويلًا قبل أن نخوض ساحة الفعل، ويضحَكُ علينا عقلُنا بنسج الأسباب الكاذبة لتبرير انسِحابنا.
فلماذا تهُرب من الحديث أمام الناس؟
سيقول عقلُك: لأن المستمعين سيسخرون مني، أو يضحكون على هُراءاتي، أو لأنه ربما يقوم هذا الرجلُ المتجهِّمُ القاعد في الصفِّ الأماميِّ من المقاعد؛ ليبصقَ على وجهي إذا لم يُعجبه حديثي، أو ربما سينظر لي بعضُهم نظرةً ماكرةً تحمل فِي طياتها كل معاني الازدراء والتنقص!
لماذا لا تتقدّم إلى تلك الفتاة التي تحبّها لتخبرها عن مشاعرك وأنك تريد الزواج منها؟
سيقول عقلك: ربما تكون هذه الفتاة على صلة قرابة بالرَّجُلِ المتجهم الّذي كادَ يبصق في وجهي (منذ قليل) وهو يجلس في المقعد الأمامي، فَربما تحذو هذه الفتاة حذوَه وفي هذه الحالة سأحتاج إلى المزيد من المناديل التي أجفف بها وجهي!
لا تقلق فلن يكلّفكَ الأمر أكثر من منديلين!
وإن لم تكن تَمتُّ له بقرابة، فما الذي يدريك أن يكون (محمد على كلاي) قُدوتَها في الملاكمة، فعند إذن لن تحتاج إلى مناديل وإنما ستحتاج إلى طبيب جراحة فَكَّين!
على الرّغم من السخرية التي تجد بها كلامي، إلّا أن السخرية التي تفعلها حيالَنا عقولُنا أعظمَ بكثير!
فعندما تشرع في إنجاز أعمالك المتراكمة (بسبب الإهمال السابق):
فإنّ عقلك سيخبرك أن هذه الأعمال المتراكمة إذا حاولت الاقتراب منها، فإنها ستسقط على رأسك فتصاب بارتجاج في المخ. هل تظننُّي أمزح؟
ربما ينطوي الأمر على قدر من المزاح، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها، أن المبرّرات التي تطرحها عقولنا للإحجامِ عن الفعل لا تقوى على إقناع صبيّ بأن وضع يده في النار سيؤدّي حتمًا إلى احتراقه!
ثانيًا: عندما تشرأبُّ فكرةُ الخوف
أمام ناظري عقلِك، وقد وعيتَ بها وأدركتها؛ فعليك أن تقطع عنقَها قبل أن تستحيلَ إلى شعور الخوف. وأقصد بفكرة الخوف تلك المبرّرات التي يصنعها عقلك والتي لا تساوي في المنطق شيئًا. ذلك أن تقويضَ الفكرة وهدمَها أيسرُ من تقويضِ الشعورِ وهدمِه.
ولكن ليس عليك أن تفكّر في الأمر كثيرًا، وإنما عليك الانطلاق الفوري للهجوم على المهمّة من قاعدة الثواني الخمس التي سيأتي الكلام عنها.
ثالثًا: أن السراب ليس بشيء ومخاوفك كذلك ليست بشيء:
فكِّر بالأمر يا صديقي، السراب هو قصور في النظر يؤدّي إلى رؤية شيء لا وجود له، والخوف هو خلل في التفكير يؤدّي إلى اختلاق أشياء لا وجود لها.
هل تتذكّر مثال الحديث أمام الجمهور؟ لعلّك إذا بحثت في الأمر تبيّن لك أن الرّجل المتجهم الجالس في المقعد الأمامي لم يكن متجهمًا لأن كلامَك يصيبهُ بالتلبُّك المعويِّ، وإنما لأن وجهه يحتوي على تجاعيدَ قويةِ الأثر جعلت من وجهه كالمُتجهِّم! ربما لن يتكلم الناسُ في حقك بكلمة واحِدة من هذه التخيّلات التي صنعها عقلك، ربما لو تقدَّمت لخِطبة هذه الفتاة كانت لتقومَ باعتناقك من شدة الفرح (لكن تذكر عِندها أن هذا لا يجوز شرعًا يا صديقي)! ربما لو أقدمت على إنجاز مهامك المؤجلة لم تتساقط على رأسك جميعًا لتصيبك بالارتجاج، بل لعله لا يسقط منها إلا ملف واحد هو ما أنت بصدد إنجازه فيعيد إليك رشدك بدلًا من أن يصيب مخك بالارتجاج.
ما دام الإقدام على المجهول يحتمل أمرين فإن تكتيفَ الأيدِي والنظرَ من بعيدٍ لا يحتمل إلا ما تخيّلته. فستظل هذه اللَّكمةُ التي توقعتَ أن تجابهَك بها الفتاة تُدوى في عقلك حتى ينتهي الأمر بالكلية، ثم ماذا؟ لا شيء فقط ستخسر ذلك الحبّ إلى الأبد.
في الحقيقة يا صاح ليس الناس بهذا السوء الذي تتخيله، ليسوا على هذه الدرجة من الوحشية، لن يكونَ إقدامُك على إنجاز مهامك مشفوعًا بارتجاج المخ، لن تلكُمَك الفتاة، لن يبصقَ الرجل المتجهم في وجهك، هو لم يكن متجهِّما أصلًا وإنما هذه خلقته! لن يقتلك الناس إن عبَّرتَ عن حقيقة مشاعرك وعن حقّك، لن تبدو وضيعًا إن تحدّثت على الملأ، على الأرجح ستبدو هكذا إن لم تفعل. لن ينزويَ عنك الناس لكونك تُطالب بحقك، لأنهم هم أيضًا يطالبون بحقوقهم ولا يبخسون أنفسَهم شيئًا، ولو قدرَوا على الأخذ من نصيبك ووضعِه على نصائبِهم فلن يتوانَوا عن ذلك!
إذن فالمنطق يُحتِّم علينا الهجومَ على المُهمَّة والانقضاضَ على الخوف، ثم إن الفشل مُكوِّنٌ رئيسٌ في بناء النجاح ولَبناتٌ من لبناته، فمتى خلا منها البناء فإنه لن يكتمل أبدًا! يقول ديفيد كيلي: «كلما أسرعتَ في التعرّض للفشل أسرعتَ في تحقيق النجاح». فالخوف من الفشل سوف يجعلنا بعيدين عن مجرّد المحاولة وبالتّالي لن يتحقّق شيء بعقد مقارنة بسيطة بين الهروب والمواجهة ستكتشف الآتي:
من ناحية المزايا؛ لن يحتمل الهروب ميّزة واحدة، إلا أن تكون ممن يعتبر الخيالات الواهية ميّزة ومن ناحية العيوب، فيكفِ الهروبَ عيبًا أنه لن يؤدّي إلى شيء.
ويكفيه أنه سيجعلك تشعر بالعجز والحسرة وأنت تنظر إلى نفسك كالمشلول القعيد، وتنظر إلى ما تريد، فلا تفعل حياله أو لتحقيقه شيئًا إلّا أن تندب حظك وترثي حالك!
أمّا المواجهة (فمع استبعاد العيوب الوهمية التي يخالها عقلك)، فإن من مزاياها أنك تقتل شعور الخوف الذي يساورك ويضني فؤادك، تقربك من هدفك، تشعرك بالإنجاز والقيمة الذاتية، تباعدكَ عن التأليم واللوم الداخليين.
الخوف من مواجهة الأمور أمر سيّئ بكل المقاييس، حتى أن الله عز وجل لما أراد أن يَمنَّ على عباده الصالحين؛ نزعَ ذلك الشعور من صدورهم في الدنيا وعند الموت وفي الآخرة عندما يدخلون الجنة.
فعند مُعالجة السكرات تتنزل عليهم الملائكة «ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وفي الدنيا «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وفي الآخرة يذبح هذا الشعور الأليم نهائيًا.
والفرق بين الخوف والحزن، أو بين الهم والحزن، هو أن الخوف يكون من الشيء المستقبل الذي لم يأتِ بعد، إنه خوف من السراب، والحزن يكون على الشيء المنصرم الذي لا تملك لتغييره سبيلًا، ألا ترى أن الأمرين متفقان في عدم القدرة على تغييرهما؟
الخوف يا صديقي يسرق عمرَك ويقتل حياتك، إنك لا تزال متردِّدا في مسالك الخوف متأرجحًا بين منعطفات الانتظار حتى ينتهي عمرُك دون مقابل.
من شيم العظماء والناجحين أنهم لا يخافون! هل الأمر كذلك؟
لا يا صديقي، فالخوف سجية جِبلية وردّة فعل طبيعية للنَسيج البشري. في الحقيقة هؤلاء العظماء يخافون تمامًا مثلي ومثلك لكن الفارق أنهم يهجمون على الخوف فيمزقونَه إرَبا، يقطعونه أشلاء. أمّا الفاشلون فإنهم ينظرون إليه فلا يتحرّكون، إنهم كما قال الله «يقذفون بالغيب من مكان بعيد».
إذا عُلِم أن المخاوف ليست إلّا وهمًا وخيالًا محضًا عاريًا عن الدليل، وأن الإذعان لها بالهروب تارّة والتسويف تارّة لا يؤدّي إلّا إلى ضياع العمر، فينبغي أن يتخذ كل منا الآن قرارًا بأنه لن يهرب من شيء بعد الآن.
فالإقدامَ الاِقدامَ، والمواجهةَ المواجهة، والتوكّلُ على الله هو أشدُّ ما يعينُ على ذلك.
نعم، فالخوف هو الشيء الذي يشل أعصاب النجاح
الخوف يعطى الشيء المخوف أكثر من حجمه، ولذلك ينبغي ألا نخاف إلا الله وحده
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.