يورغن هابرماس فيلسوف العقلانية النقدية التواصلية

يُعد الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز وأهم المفكرين في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا. بوصفه الوارث الأبرز للجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، كرس هابرماس مشروعه الفكري للدفاع عن (الحداثة كمشروع لم يكتمل)، مستخدمًا مفاهيم مثل (العقلانية التواصلية) و(المجال العام) أدوات لمواجهة التشاؤم الذي ساد الفكر النقدي.

ويستعرض هذا المقال المسيرة الفكرية والأكاديمية لهذا العملاق الفكري، من دراساته الفلسفية الأولى وتأثره بأدورنو وغادامير، إلى تطويره لنظرياته التي لا تزال تمثل محورًا للنقاشات الفلسفية والسياسية في العالم.

نشأة يورغن هابرماس

يورغن هابرماس فيلسوف وعالم اجتماعي ومفكر سياسي ألماني، وُلد في مدينة دسلدورف غربي ألمانيا، نشأ وترعرع في الوسط البورجوازي في مدينة صغيرة ريفية تُدعى غمر سباش.

المسيرة الأكاديمية من طالب فلسفة إلى عالم اجتماع

تلقى علومه الجامعية في الفلسفة من عام 1949م إلى عام 1954م على يد نيكولاي هرتمان في غوتنغن، وعلى يد هانز بارث في زوريخ، وإريش روثاكر، وأوسكار بيكر في بون، لكن دراسته للفلسفة واكبت دراسة علم النفس والتاريخ والأدب الألماني والاقتصاد.

دراسة يورغن هابرماس

قدَّم رسالة الدكتوراه في عام 1954م تناولت موضوع الصراع بين المطلق والتاريخ في فلسفة شلنغ، بعدها أجرى بحوثًا عن تاريخ مفهوم الأيديولوجيا. وكان يمارس نشاطًا صحافيًا ويكتب مقالات في عدد من الصحف والمجلات، وبوجه خاص، عن الأدب والمسرح.

ومن عام 1956 حتى عام 1959، كان مساعدًا لتيودور أدورنو في معهد «Institute for Social Research» (الذي تأسس في عام 1923م وشكَّل النواة التنظيمية لمدرسة فرانكفورت). في هذا المعهد أصبح جـ. هابرماس عالم اجتماع، وشارك في بحوث تجريبية.

وفي عام 1961م ناقش رسالة التأهيل التي أنهاها في عام 1959م، وكانت بعنوان «التحول البنيوي في المجال العام»، وهي دراسة اجتماعية – تاريخية عن الرأي العام كونه بعدًا أساسيًّا من أبعاد المجتمع البورجوازي.

وقبل أن يناقش رسالته، عُرضت عليه جامعة هايدلبرغ وظيفة أستاذ «استثنائي» للفلسفة لدى هانز – جورج غادامر، فقبل العرض. وقد كان لهذا الأستاذ تأثير كبير على فكر هابرماس فيما بعد. في عام 1964م، عُيِّن أستاذًا للفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة فرانكفورت، وأصبح زميلًا لأستاذه القديم أدورنو، الذي توفي عام 1969م.

الانتماء الفكري لهابرماس.. مدرسة فرانكفورت والحركة الطلابية

كان هابرماس في أثناء مرحلة الدراسة طالبًا يساريًّا، وعندما صار أستاذًا، تحوّل إلى أحد الآباء الروحيين للحركة الطلابية التي تأثرت بـ هربرت ماركوز، وإرنست بلوخ، وأدورنو. وفي عام 1961م، نشر بالتعاون مع «لودفيغ فون فريدبورغ، وكريستوف أوهلر، وفريدريش ويلتز» دراسة في علم الاجتماع التجريبي عن الوعي السياسي لدى الطلاب الألمان الغربيين.

وفي عام 1971م، ترك جامعة فرانكفورت بعد أن قبل وظيفة مدير مساعد لمعهد ماكس – بلانك للبحوث في ستارنبرغ.

أبرز مؤلفات وأعمال هابرماس

ولم يتوقف هابرماس أبدًا عن متابعة نشاطه الفكري، فنشر مؤلفات مهمة عدة، منها:

  • «التحول البنيوي في المجال العام» (1962).
  • «النظرية والممارسة» (1963).
  • «التقنية والعلم كـأيديولوجيا» (1968).
  • «معرفة ومصلحة» (1968).
  • «نظرية الفعل التواصلي» (1981)، وهو عمله الأضخم والأهم.
  • إضافة إلى عدد وفير من المقالات والدراسات التي جعلته أحد أنشط المثقفين العموميين في ألمانيا وأوروبا.

نظرية الفعل التواصلي ليورغن هابرماس

في نهاية المطاف، يمثل يورغن هابرماس استمرارية نقدية ومتفائلة لمشروع الحداثة التنويري، على عكس كثيرين من زملائه في مدرسة فرانكفورت، لم يستسلم للتشاؤم، بل قدم رؤية تقوم على قوة (العقل التواصلي) وقدرة الحوار الحر على بناء مجتمعات ديمقراطية وعادلة. بفضل إسهاماته الضخمة في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والنظرية السياسية، لا يزال هابرماس حتى اليوم صوتًا فلسفيًا لا يمكن تجاهله، ومدافعًا صلبًا عن العقلانية في مواجهة التيارات اللاعقلانية، ومؤكدًا أن الحوار يبقى هو الأمل الأخير لمستقبل إنساني أفضل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.