نيلسون مانديلا قصة كفاح السجين الذي أصبح رئيسًا ورمزًا للحرية

نيلسون مانديلا هو اسم يتجاوز حدود السياسة ليصبح مرادفًا للمقاومة الإنسانية في وجه أقسى أنواع الظلم. إنه الرجل الذي حوَّل زنزانة ضيقة في جزيرة روبن إلى منارة للأمل، وقضى 27 عامًا من عمره خلف القضبان، لا ليخرج منها محطمًا يسعى للانتقام، بل ليخرج قائدًا يمتلك رؤية فريدة للمستقبل. قصة مانديلا هي شهادة حية على أن أقوى سلاح في مواجهة الكراهية ليس العنف، بل هو التسامح الذي لا يتخيل، والقدرة على بناء جسور المصالحة فوق أنقاض الماضي الأليم. لقد أثبت للعالم أن الفرد الواحد، بإيمانه الراسخ وعدالته المطلقة، قادر على تفكيك نظام فصل عنصري كامل وقيادة أمة نحو فجر جديد من الحرية والمساواة.

في هذا المقال، نصحبك في جولة سريعة في حياة نيلسون مانديلا، الزعيم الوطني الإفريقي الشهير، لنتعرف على أهم محطاته، وكيف حول رحلة السجن والحرية إلى قصة ملهمة غيرت وجه أمة برمتها، وجعلت من نضال مانديلا ضد العنصرية أسطورة خالدة.

لم يحظَ زعيم وطني أو مناضل سياسي بما حظي به نيلسون مانديلا من حب واحترام وتقدير على مستوى العالم، سواء من الناحية الرسمية أو الشعبية، وهو ما يعود إلى شخصيته الرائعة، إذ كان هادئًا، متواضعًا، محبًا للسلام، ومقدرًا لكل الناس على اختلاف درجاتهم، حتى إنه كان يدافع عن أعدائه الذين تسببوا في سجنه أكثر من ربع قرن. وفي النهاية، استطاع أن ينتصر لقيمه وقضيته، ليس فقط في جنوب إفريقيا، وإنما في أرجاء المعمورة، إذ أصبح رمزًا يُحتذى ومَثَلًا لكل من يعاني الظلم والتفرقة في كل مكان وزمان.

بطاقة تعريفية لنيسلون مانديلا

  • الميلاد: 18 يوليو 1918

  • الوفاة: 5 ديسمبر 2013

  • سنوات السجن: 27 عامًا (1964-1990)

  • فترة الرئاسة: 1994 - 1999

  • أهم جائزة: جائزة نوبل للسلام (1993)

مولد ونشأة نيلسون مانديلا

وُلِد مانديلا يوم 18 يوليو عام 1918 في إحدى قرى مقاطعة أوماتاتا التابعة لإقليم ترانس كاي في جنوب إفريقيا، وسماه والده عند الولادة (روليهلاهلا)، وهو ما يعني في اللغة المحلية (الشخص المشاكس الذي ينزع الأغصان من الأشجار)، لكن قبيلته وعشيرته كانت تناديه باسم (ماديبا)، وهو اسم يعود إلى أحد أجداده الذي كان حاكمًا لشعب التيمبو.

على الرغم من أن والديه كانا لا يجيدان القراءة والكتابة؛ فإن والدته كانت قد اعتنقت الديانة المسيحية، فأرسلته إلى مدرسة الإرسالية وهو في السابعة من عمره، فأسماه معلمه الإنجليزي (نيلسون)، نظرًا لصعوبة نطق الاسم الإفريقي، وبذلك أصبح الفتى نيلسون مانديلا.

توفي والده وهو في التاسعة من عمره، فكفله حاكم شعب تيمبو وعدَّه أحد أبنائه، إذ كان صديقًا لوالده، ودفع به إلى الدراسة في مدارس الإنجليز، فكان من الأطفال القلائل الذين حصلوا على تعليم جيد في ذلك الوقت، وهو ما استغله نيلسون مانديلا وتفوق في دراسته، إذ تعلم الإنجليزية ولغة الهوسة بجانب التاريخ والجغرافيا.

دراسة نيلسون مانديلا

وعلى الرغم التحاق نيلسون مانديلا بكلية فورت هاي، فإنه لم يستطع إكمال دراسته فيها بسبب طرده منها عام 1940، إذ كان دائم المشاركة في الاحتجاجات الطلابية التي كانت تحتج على سياسة التمييز العنصري، وهو ما جعل القائمين على المدرسة يطردون نيلسون مانديلا ومعه رفيقه وصديقه أوليفر تامبو، وبذلك اتجه مانديلا إلى إكمال دراسته بواسطة المراسلة في جوهانسبرغ، ليحصل في النهاية على شهادة ليسانس الحقوق.

بداية النضال: نيلسون مانديلا والتمييز العنصري

في ظل سياسة التمييز العنصري (Apartheid) التي كانت تسيطر على جنوب إفريقيا، لم تكن هناك وظائف حكومية متاحة للسود، فاضطر نيلسون مانديلا إلى افتتاح مكتبه الخاص للمحاماة بمشاركة رفيقه أوليفر تامبو عام 1952، وهو أيضًا ما كان حدثًا جديدًا، إذ كان هذا أول مكتب للمحاماة يمتلكه أحد أصحاب البشرة السوداء في جنوب إفريقيا.

وكانت تجربة نيلسون مانديلا السياسية قد بدأت في أربعينيات القرن الماضي، حينما انضم إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي - ANC الذي ينشط في معارضة نظام التمييز العنصري، ويسعى لتحويل مطالبه ونشاطاته إلى حركة جماهيرية داخل وخارج جنوب إفريقيا.

مانديلا والحياة السياسية

دخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في مرحلة جديدة عُرفت باسم (مرحلة التحدي)، ومعها بدأ نيلسون مانديلا التنقل في البلاد الإفريقية من أجل حشد الآراء والأصوات ضد سياسة التمييز العنصري، وهو ما جعل حكومة جنوب إفريقيا تصدر في حقه حكمًا بالسجن مع وقف التنفيذ، مع تحديد إقامته في مدينة جوهانسبرغ مدة ستة أشهر، وهي المدة التي عمل فيها نيلسون مانديلا على تحويل الفروع المحلية والإقليمية لحزب المؤتمر الوطني إلى مجموعة من الخلايا التي تعمل على المقاومة السرية.

ثم كانت قمة الأحداث السياسية في جنوب إفريقيا عام 1960، عندما حدثت (مذبحة شاريفيل)، وأطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، وهو ما دفع الحكومة في جنوب إفريقيا إلى حظر حزب المؤتمر الوطني واعتقال قياداته، ومنهم نيلسون مانديلا.

السجن والحرية: نيلسون مانديلا والسجن 27 عامًا

قضى نيلسون مانديلا عامًا في السجن، ثم خرج ليعمل على تكوين المقاومة السرية، وهو ما اضطره إلى السفر إلى الجزائر من أجل ترتيب أوراق المقاومة والحصول على مساعدات، وهو ما دفع الحكومة إلى القبض عليه مرة أخرى وتقديمه للمحاكمة بعدة تهم، من بينها التحريض على أعمال العنف والاضطرابات، فحُكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات، لكنه حصل على حكم آخر بالمؤبد في أثناء وجوده في السجن، إذ صدر الحكم عام 1964، وهو ما أثار موجة كبيرة من الغضب والاستياء داخل جنوب إفريقيا وخارجها.

على الرغم من تعرضه للسجن، فإن نيلسون مانديلا ظل محتفظًا بشجاعته وصلابته، ولم يتراجع أبدًا عن آرائه ومواقفه، حتى عندما حصل على عرض من الحكومة يتضمن الخروج من السجن مقابل التخلي عن هذه المطالب، أو في الأقل الابتعاد عن المقاومة، رفض العرض الذي لم يكن الأخير، إذ عُرض عليه من قبل النظام في جنوب إفريقيا الإفراج عنه مرة أخرى مقابل أن يعلن رفضه للعنف من قبل المتظاهرين، لكنه وجد أنهم يطالبون بحقوقهم، وأن العنف مصدره القوانين الظالمة.

سجن نيلسون مانديلا

مرت السنوات على نيلسون مانديلا وهو في سجنه يدفع ثمن مواقفه وآرائه طلبًا للحرية والمساواة، وهو ما جعله يتحول إلى رمز دولي في النضال والكفاح ضد العنصرية، حتى زادت الضغوط الدولية على حكومة جنوب إفريقيا، فاضطرت إلى الإفراج عنه وإطلاق سراحه عام 1990 بعد أن قضى في السجن 27 عامًا.

نيلسون مانديلا رئيسًا لجنوب إفريقيا

بعد أن خرج نيلسون مانديلا من سجنه الطويل، أعلن وقف عمليات الكفاح المسلح، وأن وقت المفاوضات قد حان، إذ استطاع إقناع الرئيس فريدريك ويليام دي كليرك بإنهاء سياسات وقوانين التمييز العنصري، وهو ما قال عنه نيلسون مانديلا في كتابه رحلتي الطويلة في طريق الحرية، إنه وصل بذلك إلى أقصى طموحاته، إذ كان كل ما يتمناه هو تحرير الظالم والمظلوم معًا.

ومع خروج دولة جنوب إفريقيا من نظام التمييز العنصري، بدأت خطوات الديمقراطية تتسارع في البلاد، إذ اُعْتُمِد دستور جديد يقوم على التعدد، وجرى انتخاب نيلسون مانديلا رئيسًا للبلاد عام 1994، فكان أول رجل من السود يحكم البلاد، حتى قرر التقاعد عام 1999 وعدم الترشح لمدة رئاسية ثانية.

ما بعد الرئاسة: مانديلا رجل الدولة العالمي

بعد أن فرغ من قضيته الكبرى وترك كرسي الرئاسة، اشتغل نيلسون مانديلا في عدد من الأعمال الخيرية والمجتمعية بواسطة مؤسسة نيلسون مانديلا الخيرية لمكافحة الإيدز، وكذلك صندوق مانديلا للطفولة، وتوسط في عدد من القضايا الدولية.

نيلسون مانديلا وجائزة نوبل

كان مانديلا في رحلته الطويلة يفكر في أبناء شعبه، ولم يفكر أبدًا في نفسه، وعلى الرغم أنه دفع الثمن غاليًا، فإنه كان راضيًا عن النتيجة، وهو ما جعله يحصل على عشرات الجوائز الدولية والأوسمة والشهادات التي عبَّرت بها الدول والمؤسسات عن تقديرها واحترامها لدور مانديلا النضالي في سبيل الحصول على الحرية والمساواة، وعلى رأس هذه الجوائز جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها نيلسون عام 1993، وكذلك عند اختياره سفيرًا للنوايا الحسنة بواسطة الأمم المتحدة عام 2005.

مانديلا وجائزة نوبل

فلسفة مانديلا وإرثه الخالد

يتجاوز إرث مانديلا مجرد كونه مناضلاً سياسيًا، ليشمل فلسفة إنسانية عميقة:

  • المصالحة والتسامح: أعظم إرث له هو قدرته على التسامح مع سجانيه وبناة نظام الفصل العنصري، وتأسيس "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي ركزت على كشف الحقيقة بدلاً من الانتقام، وهي فلسفة أنقذت جنوب إفريقيا من حرب أهلية مدمرة.

  • رمز عالمي للحرية: أصبح نضال مانديلا ضد العنصرية مصدر إلهام للحركات الحقوقية في جميع أنحاء العالم، وتحول شخصيًا إلى أيقونة عالمية للصمود والتضحية من أجل المبادئ.

  • التأثير الدائم: لا يزال إرثه حيًا بفضل مؤسسة نيلسون مانديلا التي تواصل عمله في تعزيز العدالة الاجتماعية، واليوم العالمي لنيلسون مانديلا الذي تحتفل به الأمم المتحدة في 18 يوليو من كل عام.

من أقوال نيلسون مانديلا

من أقوال نيلسون مانديلا

  • «الرؤية من دون تنفيذ مجرد حلم، والتنفيذ من دون رؤية مجرد مضيعة للوقت، أما الرؤية والتنفيذ مجتمعان فيمكن أن يغيرا العالم».
  • «لا معنى لإبقاء نشاطاتك على نطاق صغير، والقبول بحياة أقل من تلك التي يمكن أن تعيشها».
  • «تولَّ القيادة من الخلف، واترك الآخرين يصدقون أنهم في المقدمة».
  • «إن التخلص من الفقر ليس مجرد عمل خيري، بل هو تحقيق للعدالة».
  • «تذكر أن تحتفل بما حققته، بينما تتحضر لمتابعة المراحل القادمة».

وفاة نيلسون مانديلا

بعد صراع طويل مع المرض، توفي المناضل والزعيم الإفريقي الشهير نيلسون مانديلا يوم 5 ديسمبر عام 2013، وودَّعه العالم بجنازة مهيبة حضرها عدد من القادة والرؤساء والمشاهير، وأعلنت كثير من دول العالم الحداد حزنًا على وفاة نيلسون مانديلا.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة سريعة في تجربة المناضل الإفريقي الزعيم المحبوب نيلسون مانديلا، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة