وهم التحرر وفلسفة القطيع عند نيتشه: هل أنت حر أم مجرد تابع؟

«وأنت تخوض حربك المزعومة للتحرُّر من قطيع معين، احذر الالتحاق بقطيع آخر دون شعور».

هذه المقولة منسوبة إلى الفيلسوف نيتشه.

قطيع.. إنها ليست مجرد كلمة لغوية تُستخدم للتعبير عن المجموعات التي يخرج منها الفرد مستقلًا بلا تبعية. وهذا تشخيص لحالة كثيرة الانتشار في حياتنا في هذه الأيام. 

شخص يتمرد على البيئة التي تربَّى فيها، فيظن نفسه مستقلًا، ويعترض على الأعراف المتعارف عليها، فيظن لنفسه رأيًا، ويرفض حتى أصول وأحكام دينه، فيظن نفسه مفكرًا، فيتبع أفكارًا ترضيه، فيظن نفسه حرًا.

في حين أنه لا يفعل سوى تغيير القطيع إلى آخر، يستلهم منهم أحكامه وسلوكياته، ويجد نفسه خرج عن جمع يسميه قطيعًا إلى جمع آخر أو قطيع آخر.

القطيع.. هذه الكلمة في الفلسفة ليست مجرد كلمة تعني خرافًا تتبع راعيها، إنها لفظ فلسفي يشير إلى الجماعة التي تفكر بفكر جماعي، وترتبط بعادات وسلوكيات تُنقل بالتلقين لا بالتفكير، وأن الأفراد لا يحق لهم التفكُّر أو التطوير أو حتى الاعتراض على المحيط الجمعي. 

القطيع لفظ فلسفي يشير إلى الجماعة التي تفكر بفكر جماعي

ولأسباب معدودات قد يرى الفرد في جماعته هذه الصفات، فيقرر الخروج عنهم، ووصمهم بالقطيع، ووصف نفسه بالمستقبل. 

وبالطبع كان أكثر أصحاب هذا الفكر الفلسفي هو نيتشه. رأى في أخلاق القطيع خطرًا على الإنسان الفردي، لأنها تُمجِّد الأشخاص وتدعو للخضوع والتقليد، وتهدم القيمة الفردية، وتمنع التجديد، وتحرم التحرر.

وكثير من الأفراد الآن يظنون أنهم تحرَّروا بمجرد ترك العائلة ليشعروا بالقوة، أو الاعتراض، لما يُحدثه هذا الفعل في النفس من شعور بالشجاعة.

 قد يقررون ارتداء ملابس مختلفة أو متخلفة، أو استخدام لغة مغايرة، غير مدركين أنها لا تحتوي المعنى، كما لغتهم. هذا لمجرد الدخول في مجموعة أخرى مختلفة أو مثقفة أو متحرِّرة.

لكنهم في الواقع: يُغيِّرون شعار القطيع لا طبيعته، يعتمدون على جماعة جديدة لتُعطيهم رأيها، يشبع اعتراضًا لمجرد ضرر، أو يتمرد لمجرد عدم إدراك عميق منهم.

وبدلًا من أن يُعيدوا صياغة مواقفهم من خلال تجربة حقيقية وبحث مشبع بالمعنى، يتبعون أي معنى مختلف، مغاير لقطيعهم.

هنا نعود إلى كلمة حربك المزعومة. فهي ليست حربًا حقيقية، إن كانت تنتهي فقط بانتقالك من قطيع إلى قطيع آخر. فثمة فرق كبير بين التحرر الحقيقي والزائف.

إن التحرر الزائف هو تغيير الشكل أكثر من المضمون، الافتخار بـالاختلاف، أو إحداث ضجة، دون أن تمتلك المسؤولية عن اختيارك، الحكم على الآخرين بحزم شديد لأنك مخالف لهم.

إن الحق هو أن تُراجع مواقفك على تفكيرك، بالحدة نفسها التي أقمتها على أفراد قطيع قاطعتهم.

إن التغيير الحقيقي يحدث في العزلة وفي الوحدة كثيرًا. إن التفكير المستقل في مواقفك، حتى إن كانت مغايرة لرأي جماعة ما، لا يعني مهاجمتهم والخروج عنهم.

إن القدرة على الانفصال مؤقتًا عن أي قطيع، والبقاء مع نفسك مدة ما هو المنطق؛ حتى لا تحدث معضلة الوجود بين قطيعين، وهذا أسوأ حالات الإنسان المفكر، أن يعيش بين قطيعين، فينكسر بينهما، ولا ينضج فكره، ويرهقه التحدي، يرفض مجتمعه الأصلي، لكنه يُكرر أنماط التفكير نفسها التي تلقَّفها منه بشكل مقلَّد، يعبِّر عن حرية، داخل دائرة صغيرة، لكنه لا يتجرأ على مخالفة القطيع الجديد حين يختلف معه.

في هذه اللحظة، تصبح حربك المزعومة، تمامًا كما تقول المقولة، مجرد تأجيل حقيقي، لا تحرُّرًا حقيقيًا.

إذن ما العمل؟ ابدأ من داخل نفسك، لا تُغيِّر جماعتك قبل أن تُغيِّر من نفسك، ولا تقطع علاقاتك قبل أن تحسِّن علاقتك مع ذاتك. عُد إلى الأسئلة الأساسية، الوجودية، وهي أيضًا أسئلة طفولية:

من أنا؟ وماذا أريد؟ وماذا أختار، ولماذا؟ وغيرها.

اعتد أن تقف وحيدًا أمام سؤال أو موقف، دون أن تُسرع للبحث عن جماهير أو جماعة تريحك من التفكُّر بفكرة تروق لك وتؤيِّدك.

استخدم القطيع كمرجعية اجتماعية، لا كمرجعية مرفوضة، لا تجعل من نفسك منبوذًا، ولا تسمح لجماعتك أن تُحدِّد لك ما هو صحيح أو خاطئ، بل ما هو مقبول أو مرفوض اجتماعيًا، وهذا هو مقياس الحق، أن يكون المقبول هو ما لا يخالف الفطرة، والمرفوض هو ما دون ذلك. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.