نهاية الدولة الفرثية 224- 226 م

على الرغم من أن الحروب الطويلة التي خاضها الفرثيون مع الرومان كانت من أهم العوامل التي قوضت أركان دولتهم، فإن انهيار تلك الدولة كان حصيلة عوامل موضوعية داخلية أضعفت قواها وأفقدتها القدرة على الاحتفاظ بهيبتها ومكانتها.

وقد أكد ذلك المؤرخ المسعودي بقوله: «لاضطراب أمر الملك في تلك الأمصار، والتنازع الواقع من اختلاف الكلمة، والتحزب وغلبة كل واحد منهم على صقعه».

اقرأ أيضًا العلاقات السلمية بين الفرثيين والرومانيين سنة 30 ق.م

ثورات الاستقلال

فالدولة الفرثية لم تكن ذات نظام إداري موحد، وإنما هي أشبه ما يكون بالاتحاد المكون من مقاطعات أو أقاليم مستقلة، ولكل واحد منها ملك يحكمها، وجميعهم يعترفون بتبعيتهم لملك الملوك المقيم في العاصمة طيسفون.

وهؤلاء كثيرًا ما استغلوا ضعف الأخير وقاموا بثورات استقلالية كان أخطرها تلك التي قضت على حياة الدولة الفرثية نهائيًّا، التي قام بها حاكم إقليم فارس جنوب إيران أردشير بن بابك سنة 226 م.

أما عن أسباب تلك الثورة وتفاصيل قيامها، فإن المؤرخين يذكرون أن ساسان جد السلالة الساسانية كان الكاهن الأعلى لبيت النار الخاص بإله المياه والخصوبة أناهيذ أو أناهيتا في مدينة اصطخر بإقليم فارس، وأن ابنه بابك الذي خلفه في تلك الوظيفة الدينية المهمة قد تزوج من ابنة جوزهر حاكم الإقليم

وقد استفاد بابك من صلة القرابة التي تربطه بالعائلة المالكة فجعل لأولاده إلى جانب النفوذ الديني نفوذًا سياسيًّا، وذلك بأن قدم ابنه أردشير على جوزهر حاكم الإقليم، راجيًا منه أن يكون ولده ربيبًا لبتري القائد الأعلى لجيشه في مدينة دارابجرد، فقبل به.

وبعد وفاة بتري سنة 212 م خلفه أردشير في منصبه، وقد أظهر من القدرة والكفاءة العالية ما شجعه على التخطيط لارتقاء عرش الدولة الفرثية، وكانت أول أعماله العسكرية أن ضم إليه المناطق الصغيرة التابعة لمنطقة نفوذه في دارابجرد، وهي جوبانان وكونس ولروير بعد تغلبه على حاكمها وقتله.

وقد استفاد بابك من قوة ابنه العسكرية لدرجة أنه هاجم جوزهر حاكم إقليم فارس فقتله وحل محله، ثم إنه كتب إلى آخر ملوك الدولة الفرثية الملك أردوان الخامس طالبًا منه أن يبارك له جلوس ابنه الأكبر سابور على عرش إقليم فارس.

لكن الملك أردوان الخامس رفض وبشدة وعد عمل بابك وابنه أردشير تمردًا وعصيانًا على حكم الدولة الفرثية.

اقرأ أيضًا ما لا تعرفه عن الحروب الفرثية والسلوقية

بداية العصيان ضد الدولة الفرثية

ومما يلفت النظر أن بابك تقدم بطلب التاج لابنه سابور ولم يطلبه لنفسه أو لولده أردشير، على الرغم من أن الأخير يعد المدبر والمنفذ لهذا التغيير السياسي، ولعل شعور بابك بقرب أجله حال دون مطالبته بالعرش لنفسه، إذ يذكر ابن الاثير أن بابك "هلك في 3 أيام".

أما عن محاولته في تتويج سابور دون أردشير فيبدو أنه قصد منها وكما يرى كرستنسن إحباط مخطط أردشير وطموحاته في ارتقاء عرش فارس، ونحن لا نتفق معه في ذلك؛ لأن بابك نفسه كان يرغب في ذلك، فهو الذي اختار له المسار العسكري منذ البداية.

والظاهر أنه أراد أن يكون لبقية أولاده نصيب في الحكم، إلى جانب أردشير، فيحد بذلك من غرور أخيه وشعوره بأنه سيكون السيد الأول في بلاد فارس دون منازع.

وما إن توفي بابك حتى أعلن ابنه سابور نفسه ملكًا على إقليم فارس من دون أن يعير أهمية لرفض ملك الملوك أردوان الخامس، لكن تتويج سابور لنفسه كان سببًا في حدوث صراع شديد بينه وبين أخيه أردشير الذي رفض الاعتراف بسلطته، ولحسن حظ أردشير أن أخاه مات فكفاه ذلك مشقة الدخول في نزاع مسلح معه.

وما إن تُوج أردشير نفسه على عرش إقليم فارس، حتى أخذ يحث الخطا على تحقيق هدفه في أن يجعل من ممالك إيران دولة قوية موحدة تحت زعامته، لذلك رفع راية العصيان ضد حكم الملك الفرثي أردوان الخامس.

وبدأ بمهاجمة إقليم كرمان، فتمكن من الاستيلاء عليه وأسر ملكه بلاش وولى عليه ابنه المسمى أردشير أيضًا، واستمر إخضاعه للمدن الواحدة بعد الأخرى.

فأخضع أصفهان وخوزستان وميسان، ولم يبقَ أمامه سوى الانقضاض على آخر ملوك الفرثيين أردوان الخامس، الذي خرج بنفسه لمحاربته، فاشتبك الطرفان في معركة حاسمة في صحراء هرمزجان، قتل فيها أردوان الخامس وكان ذلك فـي 28 إبريل سنة 224 م.

اقرأ أيضًا الحروب الفرثية - الرومانية 117 -191م ج1

الوريث الشرعي للفرثيين

وبمقتله أعلن أردشير نفسه الوريث الشرعي للفرثيين ومؤسس الدولة الجديدة الحاكمة في إيران الدولة الساسانية، إذ تذكر روايات الإخباريين وهي روايات ترقى في مواردها إلى خداي نامة، الذي اعتمد في تدوينه على تقويمات البلاط الساساني الرسمية، أنه في اليوم الذي قتل فيه أردوان تسمى أردشير الشاهنشاه أي ملك الملوك.

وهذا يعني أن تتويج أردشير وقيام الدولة الساسانية كان سنة 224 م لا سنة 226 م على رأي بعض الباحثين المحدثين.

ويبدو أن تحديدهم سنة 226 م بداية لقيام الدولة الساسانية يعود إلى أن مقتل الملك الفرثي أردوان الخامس لم يزل جميع الحواجز التي وقفت بوجه طموح أردشير بأن يكون السيد الأول في إيران دون منافس.

فبعد مقتل الأول انشغل أردشير بإخضاع بقية أقاليم الدولة الفرثية التي لم ترغب في سياسته المركزية، فأخضع ميديا وهمدان ثم هاجم أتروباتين وأرمينيا.

واستولى على إقليم حدياب، وبعد أن حاصر الحضر عبثًا توجه نحو طيسفون، فاستولى عليها ومنها عاد إلى اصطخر، إذ تُوِّج ملكًا رسميًّا على جميع بلاد إيران سنة 226 م.

وهذا يعني أن جمعه الأوصال المفككة للدولة الفرثية وجعلها دولة قوية موحدة خاضعة لسياسته المركزية كان سنة 226 م، وهي السنة الرسمية لقيام الدولة الساسانية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة