في المُجتمَعات المُكناة اصطلاحًا بـ(المُحافِظة) كثيرًا ما تُعاش في اليوميات مواقِف تقتضي التحليل والتدبّر والإسهام في عملية مُعالَجتها، وسنتحدث بداية عن فِكرة (المُفاضَلة) على غِرار تحديد الأولى حين يُتحدث في العائلة عن تساؤل كثيرًا ما يطرح: الأم أم الزوجة؟ فيُخلق الجَدل السلبي والضغينة في العائلات.. فالتساؤل في أصله غير سليم، وبذلك سيترتب على ذلك نتائج غير سوَية.
يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الإشكاليات، بدءًا من خطأ المفاضلة بين المحبوبات، مرورًا بإشكالية المساواة والتكامل بين الجنسين، وصولًا إلى الدور المحوري لـلغة الجسد في تكوين العلاقات الإنسانية الحقيقية. إن فهم هذه الديناميكيات يُسهم في تعزيز التفاهم وبناء علاقات أكثر صدقًا وإنصافًا.
وهم المفاضلة.. حين يختلط الحب بالصراع
هذا السؤال يشبه تساؤلًا: أيهما أفضل: السُّكَّر أم المِلح؟ في حين أن ذاك يُتعاطى بمنطق (التنوع) لا منطق (المُفاضَلة)، كأن يُقال: هل تُحِب الإله أم الوطن أم الأم أم الشقيقة أم الخليلة؟ كل ذلك يُوصف بـ(الحُب)، لكن بالطبع منطق الحُب مع كل واحد مما ذكر يَختلِف عن الآخَر، وعليه لا يصح أن يحشر الناس أنفسهم في الزاوية، فيضطرون إلى فِتنة المُفاضَلة في حين أنهم هم غير مُلزَمِين بذلك.
إن كل ما هو مطلوب هو تجنب التذاكي، والتصرف بالصدق والعفوية، والتعاطي مع كُل عنصر وكل فِكرة على حِدة وفي سياقها، وبناء على مُعطيات وخلفيات كل واحدة مِنها دون صيغة التطابُق.

مثال آخر من الأمثلة الجَدلية التي تُختلَق اجتماعيًا ما يُسمى (مسألة المُساواة بين الذكور والإناث)، وتساؤلات المُفاضَلة بين الذكور والإناث، فيوضع فِكريًّا الذكور والإناث في مقام المُتنازِعين والمُتنافِسين والمُتصادِمين، على غرار ابتكار مُصطلح: (التفكير الذكوري)، في حين أنه في الأصل هو (التفكير الرجعي)، فوارد أن كثيرات من الإناث هُن ممن يتبنين عن قَناعة ذاك الفكر الرجعي الموصوف بأنه ذكوري!
التفكير الرجعي ومفهوم التكامل الذكور والإناث
غير عاقل من يَتوهَّم أن الذكور وما يحملونه من فِكر وقناعات مُعينة في طرف، وفي المُقابِل كل الإناث بفِكر وقناعات أخرى مُغايِرة في طرف آخر، والحقيقة أن كثيرًا من الذكور الإناث جميعًا هم ضحية كثير مما في الفكر الرجعي التقليدي المُتوارَث، والمُعالَجة تقتضي مُناقَشة راقية للفِكر، لا التهجم على الذكور أو على الإناث، ثم إن الخطأ هو في المُنطلَق، فلا يصح وضع الذكور في ميزان المُفاضلة والتطابق والمُقارَنة مع الإناث؛ لأن طبيعة العلاقة بينهما هي (التكامُل بكل إنصاف)، وليس التساوي والتطابُق، فلا تكامُل بَين المُتساويين والمُتطابِقين!
لغة الجسد أصدق من الكلمات في التفاعلات الإنسانية
حتى في مجال الحُقوق والواجبات المطلوب وجود الإنصاف والعدل، والإنصاف والعدل لا يتحققان دائمًا بالتساوي، أضف إلى ذلك سياقًا آخر اجتماعيًا متعلقًا بما يُسمى (لغة الجسد)، فالناس في يومياتهم حين يَتعاطون بعفوية وصِدق يكون ذلك أنجح وأنجع ممن يتصور أن التفاعلات بين الناس هي فقط محصورة في صيغ الكلام؛ لأن لغة الأعين وحركات الجَسد هي دومًا الأصح والأصدق، وهي مَن تَفضَح حقيقة كُل فرد؛ لذلك على الناس أن يتعاطوا بِصدق، ويحترموا ذكاء الآخَرين ومشاعرهم حتى في حركات جسمهم التي تتبَع تفاعلاتهم المُباشِرة، فلغة الجسد كثيرًا ما كانت السبب في انعدام المودة بَين كُثُر، والمَعنيّون لا يَعون أن ذاك كان السبب! فلغة الجَسد ليست هواجِس وليست سُوء ظن، ومع ذلك يُطلب اجتماعيًا التفهم وتسبيق الأعذار الإيجابية للناس.
منطق المفاضلة هو أحد أخطر الأوهام الفكرية التي تُرسَّخ مجتمعيًا، لأنها تُحول التنوع إلى صراع، والاختلاف إلى تناقض، لا الأم تُهدد موقع الزوجة، ولا الذكر خصمٌ للأنثى، ولا لغة الجسد ترفًا تعبيريًّا. المطلوب هو وعي بنيوي يتعامل مع العلاقات بوصفها شبكة من التفاعلات المتنوعة، لا سلالم تراتبية. حين نحرّر الفكر من هذا المنطق الثنائي المختزِل، نكون قد وضعنا أول لبنة في بناء مجتمع يتنفّس الوعي لا التصنيف.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.