الإنسان بين زمننا وزمن ابن حبان

يقول ابن حبان عن زمانه: فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره، ولاح للبيب تبدله، حيث يبس ضرعه بعد الغزارة، وذبل فرعه بعد النضارة، ونحل عوده بعد الرطوبة، وبشع مذاقه بعد العذوبة، فنبع فيه أقوام يدّعون التمكن من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل من شهوات صدورهم، جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليه عند المعضلات: النفاق والمداهنة، وفروعه عند ورود النائبات: حسن اللباس والفصاحة، وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل، الذي يجب الاقتداء به، ومن تخلف يجب الازورار عنه.

اقرأ أيضاً فاقد الشيء يهاجمك به.. ملاحظة علمية سليمة من واقع علم النفس! ج1

الإنسان بين زمننا وزمن ابن حبان

لا أعرف ما الذي كان سيكتبه ابن حبان لو عاش في زماننا!

وما المفردات التي سينتقيها من بحر اللغة ليصف حال إنسان الحاضر، فلكل زمن إنسانه الخاص، ولإنسان هذا الزمن مواصفات خاصة ومختلفة عن أزمنة مضت وانقضت أو أزمنة قادمة آتية، إنسان هذا الزمن مقارنة بمن سبقه يعيش رفاهية وتقدمية لم تتح لغيره.

إنه يحيا في ترف خدمات وتواصل لم يكن يحلم به الراحلون، هذه النعم المتراكمة من خلال القدرة على التواصل مع البعيد بوسائل شتى أمر ليس بعادي وإن بدا عادياً مع تكرار الممارسة والتعود والأُلف.

فما زالت قصة جدي وجدتك هي تلك القصة التي كان فيها رنين هاتف السنترال دهشة، والتواصل عبر الرسائل فرحة، وإرسال تلكس إنجاز، والانقطاع أيام السفر عذاب وفقد، والخروج من المكان انقطاع عن أهله، والبيت الذي يوجد فيه هاتف وتلفاز بيت ينعم بالرفاهية، شراء الحاجيات يتطلب الكثير من الجهد، والمعروض مهما تعدد محدود، والقدرة على رؤية جغرافيا الأرض لا تتجاوز كيلومترات حول موطن الإنسان ومسقط رأسه.

أزمات الإنسان في لحظتنا الحالية

في حين أن إنسان هذا الزمان من كثرة المعروض والمتوفر بخيارات تفوق معنى مفردة التنوع التي اجتمع عليها أخصائيو اللغة في المعاجم، أدت لحيرته وتردده حتى بات يبحث عن أسباب الراحة ولا يجدها، ينقب عن السلام ولا يصل إليه، يسبر ألوانًا من التجارب ولا يرضى، ومن جهة أخرى رغم كل التطور العلمي وسرعة الوصول للخبر والحقيقة فإنسان هذا الزمان يعاني من جلاء الواقع ووضوحه، بات لا يصدق شيئًا فقد اختلط الحابل بالنابل كما يقولون، وتزعزعت الصورة التي أمامه، وكلما رفع رأسه أبصرت عيناه ورصدت من الغباش الكثير، يجد ما لم يبحث عنه، وما لم يبذل جهدا لرؤيته، ويتوارى ما يبحث عنه.

اقرأ أيضاً من أحكم ماقال ابن القيم

الجمال والحقيقة بين إنسان اليوم وإنسان الأمس

وإن توجه لشيء محدد فعوضًا عن رؤية ما قيل له عنها من الجمال مثلًا، رأى الحقيقة القابعة أمام عينيه بالغة في القبح، إنسان هذا الزمان بحاجة لأن يتعلم الرؤية من خلال التغافل والترفع، وبإتقان مهارة تهوين الصعاب وتيسير العسير، وتعلم أساسيات تبسيط المعقد، والتدرب على الحلم وقت الغضب، والصبر عند ذروة الشدة، والتشافي من خلال إحياء المنطفئ.

إنسان هذا الزمان نعم أخذ منه الزمن وأعطاه الكثير، إلا أن الشيب والتجاعيد اللّذين غزا رأسه ووجهه مدا قلبه بالحيوية والنضج، فالدروس الحياتية العميقة أشربته معرفة وأشبعته خبرة، وأين كان موقع الإنسان على خارطة الزمن تبقى إنسانيته معقل حقيقته، وتبقى محكمات فؤاده زينة زمنه.

نعم تتأمل حال ووصف إنسان زمانهم وصف حال إنسان زمانك ترى الكثير من الاختلافات والمفارقات، لكنك ترى النور نافذ عبر إنسانية الإنسان ونقاء فطرته. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.