إن الأخلاق الطيبة والتعاليم السامية، تُشبه شجرة الزيتون، حيثُ يكون مُعدل نموها بطيئًا للغاية؛ لكن تعيش لفتراتٍ طويلة.
فقد يموت غارسها وتبقى هي حية، تتحمل عصف الريح والظروف القاسية وذلك يكون حصاد من رواها.
فالشجرة تمر بعدة مراحل دقيقة لتصل في النهاية إلى مرحلة النضوج، ففي البداية تكون الأوراق على شكل بتلات تتفتح شيئًا فشيئًا وتُصبح ورقة يافعة، كما يكون الخُلُق.
فالإنسان نبتةٌ صغيرة تحتاج للعناية، وتلك العناية ما هي إلا بضع قطراتٍ من الرحمة، وشيءٍ من التفاني والكثير من الصدق وصفاتٍ لا حياةَ دونها ليُبنى مجتمعٌ صالح قادر على إنشاء أجيالٍ صالحة.
زُوّدت بجرعات العناية المطلوبة لتنمو بالطريقة المثالية التي تجعلها في حالةٍ مناسبة للولوج إلى العالم الخارجي.
وبمرور الزمن لم يعُد هنالك هذا الشخص الذي يزرع تلك الشجرة داخل نفس كُلٍ منا ليجعلهُ إنسانًا حُرًّا سيّانَ في التفكير أو في كيفية إدارة الأحلام.
غفل هؤلاء الأشخاص عن وضع أول بذرة في تلك التُربة الخصبة، فلم ينضج العقل مُترسخًا في نتوءاته كونه إنسانًا، لهُ كامل الحق في النقاش وإبداء الرأي وإثبات وجهات النظر وبناء الغد.
لم ينمُ ليعيش الحياة بالتفاصيل التي يرغب بها هو، وليس بما يرغبون هم بها، وعندما ظهر أحد هؤلاء القادرين على إنتاج فكرة وإحياء منطق جديد بإمكانه تغيير هذا العالم الرتيب بموهبةٍ فريدة يصمت خوفًا من أولئك الذي نشؤوا على حفظ أفكار الأولين.
اقرأ أيضًا خاطرة"مازلتُ أنا أنا".. خواطر وجدانية
وليس بأخذ العبرة من تلك الحكايات والأفكار لبناء فكرةٍ جديدة تكون نافعةٌ له ولمن بعده.
فإن الخوف كل الخوف يكون من هؤلاء الذين يتمتعون بالموهبة التي تُمكنهم من صناعة فكرة، وليس فقط من الأذكياء الذين يملكون القدرة على قراءة واقعهم وإدراك خباياه.
فالثاني قد ينحرف عن التيار؛ لكن لا يتمرد، ويظل مُحتميًا بالسكوت كيلا يُفضح أمره، أما الأول فكُل فكرة تظهر في بالهِ فجأة تزيدهُ نضوجًا وكل يومٍ يمر عليه يقوي أفكاره الخاصة به.
أفكاره التي ترك لنفسه الفُرصة للتفكير فيها وتكوينها، ويُحاول التعبير عنها بما في متناول يده.
يكتب، يقرأ، يرسم، يغني، ويحلم، فيكونون مختبئين بين الظلال وعلى حواف الحاضر الذي لا يستطيعون تغييره لانخفاض صوتهم.
فبالرغم من أن الحق فوق كُل شيء، ومهما دُفن تحت الثرى فسيظل حيًا وإن ضاقت أنفاسه، لكن قائليه أقل من أن يجعلوا يد الغلبةِ له.
فحتى الكثرة تغلب الشجاعة، والهاتفون بالباطل لا يعدوا ولا يحصوا، لكن في النهاية الحق قائم، وإن لم يُقَلْ بصوتٍ مسموع، سيُقال همسًا أو حتى خلسةً بيننا وبين أنفسنا، وبين تلك الكلمة وتلك الكلمة ستصدع أقوى كلمة.
الكلمة التي تستتر خلف خليطٍ مُحكم من الجهل والفقر ونضوب المبادئ، وإن مر جيلٌ خلف جيلٍ من ذوي التُراب النافق الخالي من البذور، سيأتي اليوم الذي يصرخ فيه الصامتون ويُخرس فيه الهاتفون.
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.