لطالما كانت اللغة العربية أداة تواصٍ مطواعة، حمالة لألوان البديع والصور البيانية والتعابير المجازية التي تضفي عليها مسحة من الجمال خصوصًا في النصوص الإبداعية الأدبية. ولم تقتصر هذه اللمسة الفنية على النصوص الأدبية وحدها، بل تعدتها إلى النصوص العلمية الأكاديمية، إذ نجد نصوصًا علمية يبرع أصحابها في دمج المادة المعرفية التي تستفز العقل باللغة الأدبية التي تستفز الذوق، وهذا لا يتأتى إلا لمن كان خطيبًا مفوَّهًا وعالمًا نحريرًا.
لكن يوجد من النقاد والأكاديميين ممن يعيب ذلك ويدعو إلى فصل اللغة الأكاديمية واللغة الأدبية خصوصًا في الرسائل الجامعية، ليبحث بذلك عن لغة أكاديمية صرفة تنشد أفكارًا يقينية غير قابلة للجدل. فأي الأسلوبين أفضل من منظور النقد الباختيني؟ يسعى هذا المقال إلى موازنة الخطاب الأكاديمي بالخطاب الروائي، والباحث بالراوي للفصل بين المونوفونية والبوليفونية، بالاعتماد على رؤى المفكر الروسي ميخائيل باختين.
تعد أبحاث باختين مرجعًا مهمًا في مجالات عدة، في اللسانيات التي بلور فيها مصطلحي الحواريَّة والبلوليفونية، وكذا تحليل الخطاب وتقسيمه إلى مونوفوني وبوليفوني، وكذا السرديات التي فصل فيها في كتابه (شعرية دوستويفسكي بين الرواية الكلاسيكية أحادية الصوت والرواية الحديثة متعددة الأصوات)، وكذا علوم الإعلام والاتِّصال بحديثه عن البطل (مرسل الخطاب)، وكذا الأيديولوجيا الصياغية (الرسالة).
ولم يقف عند هذا الحدِّ، بل تعدَّى الأدب إلى علم النفس بنقده لفرويد في كتابه (الفرويدية) بواسطة تحليل سيكولوجيا البطل والإنسان عمومًا، سواء داخل العمل الفني أو على أرض الواقع.
إن ما جاء به ميخائيل باختين هو نظرية متكاملة الأطراف في حقل الآداب والعلوم الإنسانية، ولو وقفنا نقرأ بحوثه بتمعن وحللنا العُقد المتشابكة في أبحاثه لوجدنا أن نظريته تتعلق بالخطاب الإنساني كله لا بالخطاب الروائي فقط.

مفاتيح لفهم باختين: تعريف المونوفونية والبوليفونية
قبل الغوص في التحليل، من الضروري تعريف المصطلحين المحوريين لباختين:
-
الخطاب المونوفوني: هو الخطاب أحادي الصوت. في هذا النوع، تسيطر رؤية واحدة وحقيقة واحدة (صوت المؤلف/الباحث)، وتكون جميع الأصوات والأفكار الأخرى أدوات لخدمة هذه الحقيقة النهائية وتأكيدها. إنه خطاب يقيني ومغلق.
-
الخطاب البوليفوني: هو الخطاب متعدد الأصوات. هنا، تتصارع أصوات ووجهات نظر متعددة ومستقلة ومتساوية القيمة داخل النص، دون أن يحسم المؤلف الصراع لصالح أي منها. إنه خطاب حواري، مفتوح، ومنتج للمعرفة من خلال الجدل.
مقارنة بين الخطاب المونوفوني والخطاب البوليفوني
|
الميزة |
الخطاب المونوفوني (الأكاديمي التقليدي) |
الخطاب البوليفوني (الروائي كنموذج) |
|
طبيعة الصوت |
صوت واحد مهيمن (صوت الباحث) |
أصوات متعددة ومستقلة |
|
طبيعة الفكرة |
يقينية، نهائية، ومغلقة |
حوارية، متطورة، ومفتوحة |
|
الهدف |
تأكيد حقيقة معروفة مسبقًا |
استكشاف وإنتاج المعرفة عبر الصراع |
|
العلاقة مع القارئ |
علاقة تعليمية (تلقين) |
علاقة حوارية (إشراك) |
سمات الخطاب الأكاديمي «أحادية الصوت مونوفوني»
قد يكون الخطاب العلمي الأكاديمي مجردًا صرفًا ذا لغة جافة جامدة، تكتفي بكونها حاملة لأيديولوجيات يقينية مباشرة لا ترضي الميول والأذواق؛ لأنها تستهدف فقط العقول ولا تسعى لإثارة العواطف والانفعالات التي هي جزء لا يتجزأ من الكائن البشري، فالإنسان عقل وقلب، وقد تكون الخطابات المباشرة في بعض المواطن ضرورية؛ لأنها تنشد الوضوح وتستهدف الفهم مباشرة، لكن إذا غلبت هذه اللغة على المحتوى العلمي ستجعل منه مادة مملة لا تلفت انتباه القارئ ولا تستحضر تركيزه، والدليل على هذا الكلام أن كثيرًا من الباحثين في مجال العلوم الصرف يقبلون بنهم على قراءة النصوص الأدبية حتى كتابتها.
ولعل خير مثال على ذلك العبقري المصري مصطفى محمود الذي له ما يربو على 80 رواية في الأدب، على الرغم من أنه جراح مخ وأعصاب. وقد ورد في مثل هذا السياق قول الزهري مخاطبًا رواة الحديث: «هاتوا من أشعاركم وأحاديثكم، إن الأذن مجاجة وللنفس حمضة».
فالإنسان يفقد التركيز إذا استمر على وتيرة واحدة، لذلك يجب على الأسلوب أن يكون متنوعًا، وذلك ما نفقده في غالبية الرسائل الجامعية، حيث يكون فيها الخطاب الأكاديمي أحادي الصوت ينحو منحى صياغة الفكرة اليقينية التي لا تقبل الجدل والنقاش، وهذا من شأنه أن يخلق شيئًا من الجمود الفكري، فالفكر يميل إلى النقاش والتدقيق والمساءلة والتمحيص كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في معالجته موضوع فن كتابة التاريخ، فقد عاب على مؤرخي عصره النقل الأعمى للمادة العلمية دون إخضاعها للعقل والتشكيك والمساءلة، وربط الأسباب بمسبباتها، ومن ثم تحليل النتائج.

فالفكرة الموضوعة محل تشكيك تشبه في الدرس اللساني إبعاد الدال عن المدلول، وتشبه في السيميائيات ما تفضل به سعيد بنكراد فقد قال: «إن السيميائيات ليست علمًا للعلامات بل هي دراسة للتمفصلات الممكنة للمعنى. فالسيميوز بما هي سيرورة منتجة للدلالة ليست علامة واحدة أو علامات متنافرة ومعزولة، إنها على العكس من ذلك إنتاج، والإنتاج معناه الخروج عن الدائرة الضيقة للوصف الموضوعي والانفعال العرضي الزائل إلى ما يحيل على التأويل بوصفه سلسلة متتالية متوالية خالقة لسياقاتها الخاصة».
فالفكرة من منظور سيميائي إنتاج ما لا حصر له من الأفكار، لأن الفكرة لها خاصية السيميوز، مثل المرأة التي تملك رحمًا ومبيضًا خصبًا، لها القدرة على الإنجاب والازدياد، كذلك يجب أن يكون الخطاب الأكاديمي ولاد أفكار يخضع لقراءات مختلفة وتأويلات عدّة، كذلك يجب على الخطاب الأكاديمي أن يكون، فالجمال والابداع لا يقتصران على النصوص الابداعية، بل ينبغي أن ينفتح على النصوص العلمية.
خصائص الفكرة في الرواية البوليفونية.. استبدال أيديولوجيا الراوي بأيديولوجيا الباحث
يخضع باختين عناصر البنية السردية إلى ترتيب منطقي يتيح تنوع الأصوات، فيتنازل السارد عن دوره للشخصيات التي تمتلك تيارات وعي متداخلة، وأفكار متعددة ومتناقضة في الآن نفسه، ويعطي باختين الكلمة التي يتلفظ بها البطل حول نفسه وحول العالم أهمية كبرى تجعلها تعادل كلمة المؤلف الاعتيادية.
والخطاب الأكاديمي كذلك يجب أن يولي الفكرة التي تلفظ بها عناية كبيرة، وأن يقدمها مستقلة متحررة لا تخضع فقط لعقله هو وضوابطه ونواميسه، بل يجب أن تكون فكرة منفتحة على الغير تحوم حولها ذوات مختلفة.
مثلما أشار باختين في الخطاب الروائي، فتتميز الكلمة التي يتلفظ بها البطل داخل العمل الأدبي بالاستقلالية، فهي التي تقص وتخبر وتصور وتعالج علاقة ما تجاه مادتها، فهي تحمل في ذاتها فكرة تساعد الوعي الذاتي على تقديم استقلاليته داخل العمل الفني عند دوستويفسكي، وعلى التفوق على كل نموذج حيادي عرف بثباته ورسوخه.
والمقصود هنا هو الموضوعية في معالجة الفكرة والإبتعاد عن الذاتية قدر المستطاع، فليس فقط على الروائي أن يكون موضوعيًا، فالباحث أيضًا عليه أن يكون كذلك،. هذا يخالف ما ذهب إليه حميد لحميداني، إذ يرى أن للفكر دورًا مهمًّا في فصل العالم المونوفوني عن العالم البوليفوني، فالعالم المونوفوني هو ما يجعل الفصل بين الرواية كأيديولوجية والأيديولوجيات الموجودة في الرواية أمرًا سهلًا؛ لأن هذا النوع من الرواية يحتوي تصورات صغيرة يجسدها أبطال مختلفون، غير أن تصور الكاتب هي من توجهها وتتحكم فيها، ما يمكن من فهم هذه التصورات بسرعة.

ما يقره حميد لحميداني قد يصدق لقارئ النص الذي يسهل عليه اكتشاف أفكار النص؛ لأنها تخص المؤلف الذي يحرك دواليب السرد في الرواية المونوفونية، مع أنه في معرض حديثه عن البوليفونية رأى أن دويستويفسكي امتلك القدرة على تصوير فكرة الغير، محافظًا على كل قيمتها الدلالية، واستطاع أن يحافظ في الوقت نفسه على المسافة الفاصلة دون أن يقرها أو يدمجها مع أيديولوجيته، وبذلك تتداخل هذه الأيديولوجيات وتناقض بعضها في النص الروائي.
هذا التداخل غير مصنف ولا مفكر فيه ولا محكوم عليه، فالأيديولوجيات لا تقوم بوظيفتها إلا كمادة تشكيل العمل الروائي، معنى ذلك أن النص البوليفوني لا يعتمد على أيديولوجية واحدة، إنه جهاز تعرض فيه الأيديولوجيات نفسها، وتستهلك ذاتها خلال المواجهة، فهي بذلك تعرض التداخل الأيديولوجي بشقيه السلبي والإيجابي، ما يجعل أيديولوجية الرواية ككل أكثر تفاعلًا وعمقًا، مقارنة بالنمط المونوفوني؛ لأن الكاتب محايد لا يوجهنا إلى موقف شامل أو فكرة كلية، ويبقى على القارئ أن يكتشف كنهها ويستجليها بذلك الصراع القائم.
كذلك المادة العلمية أو الخطاب الأكاديمي يجب أن يكون بوليفونيًا لا مونوفونيًا أحادي الصوت يعبر عن آراء صاحبه لا غير، بل يجب أن يكون كلمة تحظى باحترام الجميع، فعندما يتم الوقوف على التنوع الفكري الذي يلح عليه باختين، نجده يقر أن ذلك مفكر فيه ومحكوم عليه من قبل دوستويفسكي، الذي تطلع إلى خلق نص أدبي يتقاطع مع التصور المعرفي الجديد.
فالمعرفة أصبحت تنبعث منها العلوم، والمعارف متموجة في اتجاهات مختلفة ومتعددة، وغير محصورة ليجمع النص بين ثناياه شبكة من الثقافات تهبه ذلك التشعب الذي تتصف به الثقافة في حد ذاتها، وهذا ما يؤكده باختين صراحة فيقول: «إن وعي مبدع الرواية متعددة الأصوات يحظى بحضور دائم يعم كل جزء من أجزاء الرواية، وهو حضور فعال إلى أقصى حد في هذه الرواية، أما وظيفة هذا الوعي وأنماط فاعليته فأمور من نوع آخر».
فحياد المؤلف في الرواية البوليفونية الذي يلح عليه باختين يجعله أكثر لحمة بالعمل الفني، وأكثر لحمة مع وجهات نظر شخصياته المستقلة، كما يبدو ما عرضه حميد لحميداني للأيديولوجية في الرواية البوليفونية سطحيًا بعض الشيء؛ لأن باختين توقف طويلًا عند الأيديولوجية في الرواية البوليفونية، فكان لها مجموعة من السمات التي تميزها عن الأيديولوجية في الرواية المونوفونية، وتمثلت هذه السمات فيما يلي:
1. طابعها الحواري، إذ يقول باختين في معرض تحليله لرواية الإخوة كرامازوف عندما أدرج الفكرة التالية: «كل شيء جائز إذا لم يكن هناك خلود للروح»...«يا للحياة الحوارية والمتواترة التي تحياها هذه الفكرة على امتداد الرواية، ويا لتعدد واختلاف الأصوات التي تؤكدها، ويا لعلاقات الحوارية المفاجئة التي تقيمها»، فالطابع الحواري الذي تتسم به الفكرة داخل أعمال دوستويفسكي مرتبط بسماتها الأخرى بوصفها ديناميكية تتجدد باستمرار داخل العمل الفني من بدايته إلى نهايته.
2. صورتها الحية وبعدها عن التجريد، قال باختين في معرض حديثه عن روايات دوستويفسكي «إنه كوّن صورة حية لأفكاره التي عثر عليها وسمعها، وأحيانًا أوحى له بها الواقع نفسه»، فالصورة الحية التي تتسم بها الفكرة تجعلها تحيا داخل النص شأنها شأن الإنسان داخل الواقع، وهذا ما يؤكده حين يقول: «ذلك أنه لا وجود لأفكار أفراد، بل كل فكرة أو رأي تمثل إنسانًا بأكمله».
لذلك تعد الفكرة في الرواية البوليفونية غير منجزة سلفًا في ذهن المؤلف، بل تخوض طريقًا طويلًا داخل العمل الفني حتى تكتمل صورتها النهائية.
3. إمكانياتها الواسعة على أرض الواقع وداخل العمل الفني، إذ يقول باختين في هذا الشأن إن الأفكار تحظى بالديناميكية عند دوستويفسكي، فهي ذات إمكانات تجعل منها شبيهة بالصورة الفنية، فيحرز بها دوستويفسكي كيفية تطورها وتصرفها في ذاتها، حسب المعطيات الثقافية المحيطة بها تاريخيًا، فالفكرة في الرواية البوليفونية غير منجزة، فهي تسعى لتأكيد وجودها في العلاقات الحوارية التي تقيمها مع الأفكار المناقضة لها، وتسعى لتأكيد ذاتها في ضوء اختلاف الأصوات التي تتجادل معها.
بفضل سمات الفكرة السالفة، يصطلح باختين مصطلح الأيديولوجية الصياغية ويؤكد أنها أساس رؤية دوستويفسكي للعالم وتصويره له، وتتميز هذه الأيديولوجية بكونها تستغني عن عنصرين تتسم بهما سائر الأيديولوجيات الأخرى، وهما الفكرة المعزولة {اليقينية} والقناعات التي تقيم الفكرة صائبة أو خاطئة.
ويضيف باختين في إطار شرح مفهومها قائلًا: «فهي لا تعرف الرأي المنعزل بذاته، ولا الوحدة النظامية؛ لأن الدلالة الملموسة فيها تندمج اندماجًا كليًّا مع موقف الشخصية». فالأيديولوجية الصياغية تخوض بنفسها الجدل حولها ولا تفسح مجالًا للحكم عليها لأنها تناقش ما يمكن أن يقال عنها، وتحارب داخل العمل كل الآراء التي ستدور حولها، ما يجعلها حوارية الطابع وبوليفونية في الآن نفسه.
كان الإطراء على هذا النوع البوليفوني الجديد من قبل باختين، قد أثار بعض الامتعاض لدى حميد لحميداني، فهو يعد المفاضلة بين الرواية المونولوجية والديالوجية اعتباطية لأن كل رواية تمتلك وسائل تأثيرها الخاصة بها، والرواية المونوفونية في نظره تقنع أيديولوجيتها الخاصة بواسطة شحنة ابداعية، وهذا الطرح يخالف مقصدية باختين؛ لأن الغرض الأول من هذا الجنس هو فصل ما هو نثري عن ما هو شعري، فباختين يقر أن الكلمة الشعرية ترى قداستها في صورتها وكلمتها؛ لذلك تركز على تنميق اللغة وسبكها للتأثير وكأنها تخاطب العواطف لا العقل، على عكس النثر الذي لا يولي العناية للغة بقدر سعيه لإثارة الثقافة بمفهومها الشاسع، والكشف عن أبعاد الإنسان المختلفة.
فالرواية المونولوجية حسب باختين أقرب إلى اللغة الشعرية منها إلى النثرية على خلاف الجنس البوليفوني، وباختين لا يفاضل بين الروايتين بقدر ما يقف على نقاط الاختلاف بينهما ليصل إلى جوهر الإبداع في أعمال دوستويفسكي، فيقول: «إنه قاد مثل هذه الأفكار والعقائد التي كانت في الحياة العامة مشتقة تمامًا وصماء تجاه بعضها البعض، وأجبرها أن تتجادل فيما بينها».
فالفكرة في الرواية المونوفونية تختلف عن الفكرة في الرواية البوليفونية، في الطرح الباختيني، فالرواية المونوفونية أفكارها يقينية لا تقبل الجدل، أما الرواية البوليفونية فالجدل لا ينفك قائمًا حول الفكرة، دون أن ينتهي إلى يقينيتها؛ لذلك يرى باختين على لسان رومان جاكوبسن: «أن الأفكار الجوهرية تمثل كلها -في بنية اللغة- نظامًا لا يتخلخل من الثنائيات، مكونًا من ثنائيات متعاضدة لا تنفك عراها، التعرف والفهم، المعرفة والتبادل، الحوار والكلام الداخلي، التخاطب بين مرسل ومرسل إليه، كل دليل له دلالة، وكل دلالة مرتبطة بدليل، الهوية والتنوع الكوني والخاص، المجتمعي والفردي، التماسك والانقسام، التحدث والحديث».
فالفكرة حسب باختين فضاء للتعدد الصوتي بالعلاقة الشائكة التي تقيمها عبر الدلالة والدليل؛ لأنها تدخل ضمن سياق التأويل الذي يساعدها على إنتاج معانٍ جديدة لا حصر لها.
يقول باختين: «فالنتاج الأيديولوجي ينتمي إلى واقع طبيعي أو مجتمعي، مثله في ذلك مثل أي جسم مادي سواء كان أداة للإنتاج أو منتوجًا للاستهلاك، لكنه فضلًا على ذلك وعلى النقيض منهما، يظهر ويكسر واقعًا آخر خارجيًا؛ لأن كل ما هو أيديولوجي يتوافر على مرجع، ويحيل إلى شيء ما يقع خارجه».
فالخاصية التي تمتلكها الأيديولوجية تسمح لها بالتقاطع مع عدد من وجهات النظر السالفة، وتتميز بأنها تتجدد في الفكر عندما تكسر التصور السالف عنها، لتلد معنى جديدًا، فهي لا ترضى بالثبات والرسوخ؛ لأنها ترتبط بمرجعيات عدّة في الواقع أسهمت في تكوُّنها، لذلك يقرن باختين هذه الأيديولوجية بالفهم، فهو يؤمن بأن الفهم الفعال حتى يصل إلى الأيديولوجية يجب له أن يربطها بأدلة أخرى وأفكار أخرى مثلما ما هو الحال في الحقل السيميائي، فيخلق سلسلة من الإحالات المتتالية لتتبع العلامة التي تمارس عملية الإنتاج بتعدد أنواعها في الواقع.
ويذهب باختين إلى ربط هذه الأيديولوجية بالتواصل في الحياة اليومية، هذا التواصل يجعل من الأيديولوجية مادة غنية متنوعة؛ لأنه يرتبط بعملية الإنتاج {وضع الأيديولوجية في سياق جديد، قصد، مقام.. }، ويمس الدوائر الأيديولوجية المتنوعة المتخصصة والمشكلة {الأيديولوجية في سياقها القديم}.
فالكلمة في التصور الباختيني عملية معقدة، لأنها تنتقل من كونها نصًا خاليًا من ظروف الإنتاج إلى خطاب نص + ظروف الإنتاج، وبذلك تكون هذه الكلمة ذات أصوات متنوعة في حد ذاتها بغض النظر عن المتكلم، ويتضح ما سبق أن الفكرة البوليفونية كما يسميها باختين (الأيديولوجية الصياغية) عملية معقدة؛ لأنها أشبه بالإنسان الذي ينتجها، فهي تعبر عن الجانب السيكولوجي والسوسيولوجي للإنسان، في أثناء تفاعله مع مجريات الحياة المتطورة والمتجددة باستمرار، لتسهم الفكرة بهذه السمات في إنتاج النص البوليفوني.
إن الخطاب الروائي الذي أقره باختين للرواية يجعل منه خطابًا علميًّا متأدبًا، فالرواية لم تبق جنسًا يكتب للإبداع وإرضاء الأذواق والإمتاع فقط، بل صارت جنسًا يكتب ليبني أفكارًا شأنها شأن البحث العلمي، والقارئ لرواية شيفرة دافنشي لدان براون يعي جيدًا كيف تصبح الرواية موسوعة علمية ذات خطاب بوليفوني، لذلك يجب تحديث الخطاب الأكاديمي المونوفوني المستخدم في البحوث والرسائل الجامعية وجعله خطابًا منتجًا للأيديولوجيا الصياغية لا اليقينية.
فالفكرة يجب أن تكون ديناميكية قابل للتعديل والتطوير والمساءلة والنقد البناء، فاللغة الأكاديمية لا تزال بحاجة إلى تطوير ومعالجة، وهي لغة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الحرية، إذ نلاحظ على المشرفين حرصهم على تأثيث البحوث العلمية بعدد من المراجع، وهذا من شأنه أن يضيق الخناق على الباحث، فهو يحرم من توظيف إبداعه والإدلاء بدلوه، فهو أشبه بمن يملأ البيت بالأثاث ثم لا يجد حيزًا لكي ينام، إذ لابد من لغة البحث أن تحرك القلوب والعقول معًا، لتصل إلى الإنسان ككل، عاطفةً وخيالًا وعقلًا، لا أن تكون لغة جافة مملة تدفع بالبحث إلى أن يبقى رهين الأدراج والرفوف المكتبية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.