الجريمة ظاهرة اجتماعية من ظواهر السلوك الإنساني وجدت منذ نزول سيدنا آدم على سطح الأرض وكانت أول جريمة سجلا هي جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل .
وقد وضعت نظريات كثيرة لتفسير السلوك الإجرامي ، وتاتي نظرية النوافذ المحطمة والتي وضعت في العقد الأخير من القرن العشرين لتفسر جانباً مهما من السلوك الإجرامي المتعلق بارتكاب الجريمة .
اقرأ ايضاً حقوق الانسان وواجبات رجل الشرطة
نظرية النوافذ المحطمة
1- بدايات
بدايات النظرية كانت الدراسات التي قام بها "Philip Zimbardo" في عام 1969، وهو عالم نفسٍ بجامعة ستانفورد Stanford.
2-عرض النظرية
في عام 1982 وضع عالما الجريمة "جيمس ويلسون " و"جورج كلينج" نظرية أمنية أسمياها بــ "نظرية النوافذ المحطمة " ([1])النظريةُ بسيطةٌ للغاية.
جوهر النظرية أنّ الكبائرَ تبدأ بالصغائر، وأنَّ عظيمَ النار من صغائر الشرر، أو أنَّ صغائرَ الأمورِ مقدماتٌ لعظائِمها. يرى جيمس ويلسون وجورج كلينج أنَّ الجريمةَ هي حصيلة الفوضى وعدمُ احترام النظام في المجتمعات البشرية.
فإذا حطَّمَ شخص نافذةً زجاجيةً ما في الطريق العام، وتُرِكَتْ دونَ إصلاحٍ، عندها يضنُّ المارةُ في الشارع بعدم اهتمام أحد بشأنها، وأنَّ زمامَ الأمورِ لا أحدَ يوليه أهمية، وبالتالي؛ سوف تُحطم نوافذُ أخرى بذات المنوال.
اقرأ ايضاً منع هروب الموقوفين والمحتجزين في مواقف الشرطة وحمايتهم والتعامل معهم
الفوضي وتطبيق نظرية النوافذ المحطمة
وأن الفوضى سوف تنتشر شيئًا فشيئًا، والنوافذ تتحطمُ واحدة تلو أخرى ومن محلة إلى أخرى ومن زقاق إلى زقاق، ومنها فإن الفساد والخراب سوف يستشري في المجتمع بأكمله؛ ثمَّ ينتهي الأمر إلى مجتمع مفكك ونفوس بائسة وشيوع الجرائم والعصابات والمنظمات الإجرامية.
وقبل تطبيق تلك النظرية ميدانيًّا من قبل روادها، كان يوجد ظاهرتان تطغيان على حركة القطارات وهما التهرب من دفع ثمن التذاكر وتلوين القطارات.
إضافة للجرائم الحاصلة في حرم القطارات. وبعد وضع مكتب متنقل داخل القطارات لإيداع المخالفين المحتجزين فيه، ونشر رجال شرطة متنكرين داخل القطارات، يقومون بالقبض على كل من يتهرب عن دفع ثمن التذاكر.
وبدأوا بالمحطات الأكثر تسجيلًا للتهرب من دفع ثمن التذاكر. وبعد تقييم التجربة تبين انخفاض نسبة الجرائم بعد أن ابتدأوا بمعالجة الظاهرتين المذكورتين. وكذلك الجرائم المرتكبة في حرم القطارات كحمل الأسلحة وغيرها.
3- مجالات تطبيق مبادئ نظرية النوافذ المحطمة في العمل الأمني
لذلك فإن الاستفادة من هذه النظرية تتطلب تدريب القادة الأمنيين والإداريين عليها، وخاصة رجال الشرطة وقادتها، والعمل على وضع الخطط الأمنية التي تستهدف التحرك الفوري، للقبض على أي شخص ينتهك القانون.
والعمل على كشف الجرائم الغامضة المسجلة بالسرعة الممكنة؛ فخرق القانون دون تحريك ساكن من قبل القوات الأمنية يولِّد شعورًا بأنه لا أحد يهتم بتطبيق وتنفيذ القانون.
وذلك سيخلق حالة فوضى وزيادة عمليات خرق القانون وتتطور المخالفات البسيطة لتتحول إلى جرائم خطيرة ومن ثم تنمو وتتطور العصابات المنظمة العابثة والمنتهكة لأمن وحياة وسلامة الناس ويتحول المجتمع إلى مرتع للعصابات والخارجين على القانون.
اقرأ ايضاً ماذا تعرف عن نظرية الفوضى؟
نظرية النوافذ المحطمة من المجالات الأمنية
وفي واقع الحال فإن نظرية النوافذ المحطمة، يمكن تطبيقها في كثير من المجالات الأمنية ومنها - على سبيل المثال لا الحصر -:
1- إن عدم تدخل الشرطة للقبض على المتحرشين بالطالبات ينتج عنه زيادة أعداد المتحرشين وتطور تحرشهم إلى عمليات اختطاف أو اغتصاب؛ إذ إن عدم تدخل الشرطة معناه أن لا أحد يهتم بمتابعة ظاهرة التحرش.
2- وعدم تدخل الشرطة لمنع جرائم إحراق مقرات الدوائر من قبل المتظاهرين يؤدي إلى زيادة أعداد الدوائر المحروقة بمرور الزمن ما دام لا يهتم أحد بالقبض على من يفعلون ذلك.
3- وعدم قيام الشرطة بالقبض على العصابات التي تقوم بالخطف يؤدي إلى تزايد عدد العصابات وتزايد أعضائها بمرور الزمن؛ إذ لا أحد يهتم بما يجري من عمليات خطف. إن كل مخالفة تُرتكب دون أن يُحاسب مرتكبها تكون شرارة لإشعال نار كبيرة، وزيادة مضطردة في عدد الجرائم المرتكبة.
ويمكن تمثيل ذلك بحالة ظهور أعراض مرض دون معالجته؛ فإنه سيتطور إلى مرض مزمن وربما يكون قاتلًا.
4- وعدم جدية إجراءات متابعة ومحاسبة مهربي المخدرات والمتاجرين بها ومتعاطيها سيحوِّل المجتمع تدريجيًّا إلى بؤرة إجرامية لنشر وتعاطي المخدرات وما ينتج عنها من جرائم الانتحار والاغتصاب والقتل وغير ذلك.
ولا تتجرأ هذه العصابات لقتل ضباط أو أفراد الشرطة إلا بعد تحولها لعصابات منظمة تضع في حسابها إفلاتها من العقاب.
اقرأ ايضاً آفة الفساد في العالم
الفسادين واللصوص وعقوبتهم
5- كما أن عدم محاسبة الفاسدين والمرتشين وهروبهم بأموال الشعب ونجاتهم من العقوبة يوحي للآخرين بأن لا أحد يهتم؛ ما دام لم يتم محاسبة أحد ممن قاموا بسرقة المال العام في السابق أو كانت عقوباتهم صورية وأن هؤلاء اللصوص أصبحوا من أصحاب المليارات بعد أن كانوا يتسابقون نحو المراقد الدينية للحصول على وجبة طعام.
وهذا كله دفع بمجموعة من الفاسدين ممن عملوا في الضرائب أو مجلس النواب أو البنك المركزي إلى التعاون لسرقة مليارين ونصف مليار دولار.
ولو عوقب أول من سرق من المال العام من المسؤولين السابقين الذين أثروا وتنعموا بما سرقوه عقوبة شديدة، لما تجرأت هذه المجموعة المارقة بالتطاول على الأمانات المودعة لدى البنك المركزي العراقي.
6- ومن الظواهر التي تنطبق عليها نظرية النوافذ المحطمة تعرض نوافذ القطارات المارة في بعض المحافظات([2])إلى الكسر بسبب رميها بالحجارة من قبل بعض العابثين وعرقلة سير القطارات بوضع قضبان من الحديد فوق سكة القطار بقصد عرقلة سيره.
وتتطلب هذه الظاهرة تحرك قوة من الشرطة على الأرض للقبض على من يقذفون القطارات المارة بالحجارة وإحالتهم إلى المحاكم لينالوا جزاءهم العادل.
ولو تمت هذه العملية فإنها ستؤدي إلى إيقاف التعرض للقطارات نهائيًّا، كما تقلل من نسب الجرائم المرتكبة وتعزز من الأمن واحترام هيبة القانون في تلك المناطق.
تنفيذ نظرية النوافذ المحطمة
وتُنتقد هذه النظرية بأنها أهملت العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعوامل الأخرى ذات العلاقة بالجريمة.
وفي الحقيقة فإن تلك الأسباب تكون قبل ارتكاب الجريمة، إلا إن نظرية النوافذ المحطمة تتعلق بمتابعة الجريمة بعد وقوعها والقبض على مرتكبي الجرائم بما يحقق الردع الأمنى.
وربما تُوجِد النظرية سببًا آخر لارتكاب الجريمة يتعلق بغياب الرقابة والضبط الأمني لمرتكبي الجرائم ويتعلق بنشاط القطاع الأمني أكثر من أي نشاط آخر.
ويتطلب تنفيذ هذه النظرية قضاءً عادلًا ونزيهًا وحكومة حازمة قوية لا تتهاون مع كبار الفاسدين من المتنفذين أيًّا كان انتماؤهم أو اتجاههم.
وشرطة مهنية وعلمية ومعاصرة وحازمة ومستعدة لأداء واجباتها دون تردد أو خوف، وباتحاد وتكاتف هذه السلطات الثلاث، يمكن أن تُكافح الجريمة ويُحد من ارتكابها، ويؤدي ذلك إلى إشاعة الأمن والاستقرار في المجتمع.
[1]) عبد الرحمن السلطان/ نوافذ نيويورك المحطمة / موقع العربية /https://www.alarabiya.net/saudi-today/views/2019/06/15.
[2]) براء الشمري / القطارات العراقية تقطع الطرق وترمى بالحجارة /https://www.alaraby.co.uk
أحسنتم واجدتم
بارك الله فيك وشكرا لمرورك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.