نظرية المعرفة والوجود والأخلاق الرواقية

هذا العرض لكل من له اهتمام بتشكيل نظرة متكاملة وإن كانت مختصرة عن المدرسة الرواقية، وقد حرصت على ذكر المراجع المعتمدة لمن أراد التوسع أكثر في البحث، أتمنى أن ينال إعجابكم حتى يكون وسيلة لفتح المجال أمام سلسلة مقالات تتعرض لبعض المدارس الفلسفية بالشرح والتعريف المبسط لمن هم خارج هذا الحقل المعرفي الغني بالأفكار المهمة والمؤثرة. 

اقرأ أيضاً تعريفات الفلسفة وأهميتها في حياة الإنسان

متى ظهرت الفلسفة الرواقية؟

عرف التاريخ اليوناني أواخر القرن الرابع ظهور الفلسفة الرواقية، وهي من المدارس التي جاءت في الحقبة الهلنستية، مع توسع الإمبراطورية المقدونية، وفقدان أثينا لاستقلالها السياسي، لكنها لم تفقد إشعاعها الثقافي، فبقيت رغم ذلك تجذب الدارسين من كافة الأنحناء، وكان من بينهم شاب يدعى زينون، وهو فينيقي الأصل من صقلية، حملته الأقدار إلى أثينا سنة ٣١٤ ق.م، بعد موت أرسطو بثمان سنوات وموت أفلاطون بثلاثين سنة، ثم أسس بعد أن درس في المدرسة الكلبية والميغاربة مدرسةً تُدعى الرواقية، ونسعى في هذا البحث إلى التعريف به وبمدرسته في ٦ محاور وهي كالتالي:

  • التعريف بالرواقية وذكر مراحل تطورها الثلاث مع الإشارة إلى سمات كل مرحلة. 

  • التعريف بزينون المؤسس، والوقوف على مصادر أفكاره، وبمن تأثر. مع توضيح دور كل من تلميذه كيليانتس الذي خلفه على إدارة شؤون المدرسة وتلميذه كليانتس خريسيبوس الذي جاء بعده.

  • الوقوف على تعريف المدرسة الرواقيّة للفلسفة وأقسامها.

  • نظرية المعرفة والمنطق الرواقية.

  • نظرية الوجود أو الطبيعيات الرواقية

  • الأخلاق الرواقية. 

المحور الأول 

اشتقاق اسم الرواقية ومراحل تطورها الثلاث مع الإشارة إلى سمات كل مرحلة.

اشتق اسم المدرسة من الرواق الذي كان يعطي فيه زينون تعاليمه، وهو مجلس اتخذه في أثينا سنة ٣٠٠ ق. م، له أعمدة منقوشة، بعد أن نهل من التيارات التي احتك بها ما يحتاج إليه في تكوين مذهبه الخاص القائم على الطبيعيات المادية، والجدل، ونظريةٍ حسيةٍ وعقلية في المعرفة، والأخلاق القائمة على ضبط النفس وسيادة العقل على الانفعالات، وقبول القضاء والقدر والقول بالغائية والعناية الإلهية في الكون، وغيرها من الخصائص التي عُرفت بها مدرسته.

وقد اصطلح الباحثون على تقسيم الرواقيّة إلى ثلاث مراحل وهي كالتالي: 

  • المرحلة الأولى: الرواقية القديمة التي امتدت من أواخر القرن الرابع ق.م إلى القرن الثالث ق.م، ومن روادها زينون الكتيومي الفينيقيّ الأصل (ت ٢٦٢ ق.م)، كليانتس من آسس (ت ٢٣٢ ق.م) خريسيبوس من سول (ت ٢٠٦ ق.م)، وعرفت هذه المرحلة اهتمامًا بالمنطق والطبيعيات والأخلاق، وعُرف هؤلاء بالكتابة الجافة والتعقيد وعُرفوا أيضًا بالجدل خاصةً مع خريسيبوس(١).

وقد فُقدت مؤلفات هذه الحقبة ولم يصل منها إلا عناوين كتب ذكرها ديوجين اللايرسي، في كتابه سير مشاهير الفلاسفة، وبعض الاستشهادات والملخصات التي تركها النقاد المتأخرون عنهم مثل بلوترخس، وسكستوس أمبريكوس وشيشرون، ونشير إلى كتاب جامع لمعظم ما كتب عن الرواقيّة القديمة بعنوان شذرات الرواقيين القدماء لهانس فون أرنم الذي حاول أن يجمع فيه كل ما كتب عن الرواقية باليونانية واللاتينية.

وهذه قائمة بأسماء كتب زينون: «رسالة الحياة وفقًا للطبيعة ورسالة النزوع أو الطبيعة الإنسانية»، ورسالة «الانفعالات»، ورسالة «الواجب»، ورسالة «القانون»، ورسالة «التربية اليونانية» ، ورسالة «الإبصار»، ورسالة «الكون»، ورسالة «الدلالات» «أو العلامات»، و«مسائل فيثاغورية»، و«الكليات»، و«مذكرات قراطيس»، ورسالة «الأخلاق».

وهذه قائمة بأسماء عناوين كتب كليانتس: رسالة «في المعرفة»، ورسالة «في الجدل»، ورسالة «في المنطق»، ورسالة في «الزمان»، ورسالة في «الرد على أرستارخوس»، ورسالة في «الآلهة» ، ورسالة في «الحرية»، ورسالة فى «الفضائل»، ورسالة في «القوانين»، ورسالة في «الغاية»، ورسالة «في السلوك».

أما خريسيبوس فقد كتب: رسالة في «النفس»، ورسالة في «الآلهة»، ورسالة في «القضاء والقدر»، رسالة في «العناية». ومن مصنفات خرسييبوس في الأخلاق رسالة «في الأهواء»، ورسالة «في الفرق بين الفضائل»، ورسالة «في الجمهورية»(٢).

  • المرحلة الثانية: وتُدعى الرواقية الوسطى وامتدت من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ومن أبرز روادها ديوجين البابلي (١٥٠  ق.م.)،  وزينون الطرسوسي وأنتيباتر الطرسوسي وتلميذه بناتيوس (١١٠ ق.م) وتلميذ بناتيوس ( بوسيدونيوس ( ت٥١ ق.م)، وعرفت هذه المرحلة خاصة مع بناتيوس وبوزيدونيوس نزعة توفيقية بين آراء أفلاطون والرواقية، بحيث عارض بوسيدونيوس خريسيبوس، فقال بعنصر لا عقلاني في النفس وأخذ بتقسيم أفلاطون للأنفس الثلاث أي النفس العقلانية، والنفس الغاضبة والنفس الشهوانية، وهذا يتعارض مع الرواقيّة القديمة التي اعتبرت أن النفس واحدة وإن  تعددت قدراتها الثمانية، وقد كتب بوسيدونيوس كتابا في الرد على خريسيبوس اسمه "الأهواء"، وقد ذكر"غالينوس الطبيب شذرات منه" وعدَّ بوسيدونيوس أن النفس ليست جسمًا، وقال بعدم فنائها، وهذا الموقف يتفق مع رأي أفلاطون.

  • وعدَّ بناتيوس أن الألم من الشرور وليس من الأشياء المحايدة كما هو عند الرواقيين القدماء، وعرفت هذه المرحلة لغة أدبية أكثر ليونة وجمالية من لغة القدماء الجافة، ومتازت بـالانفتاح على الثقافة اللاتينية وترويج الرواقية في روما، ولم يعرف القدماء من الرواقيين سوى الثقافة الشرقية التي قدموا منها، والثقافة اليونانية التي أثروا فيها وتأثروا بها، ولم تصلنا المؤلفات من هذه المرحلة أيضًا إلا ما كتبه شيشرون عنهم، أو سينكا أو غالينوس الطبيب، وقد تمركزت كلٌ من الرواقية القديمة والوسطى في أثينا مع انفتاح الأخيرة على الثقافة اللاتينية(٣).

  • المرحلة الثالثة: عُرفت هذه المرحلة باسم الرواقية الحديثة، وتمركزت في روما، فامتدت من القرن الأول ميلادي إلى سنة ٥٢٩ م، عندما أعلن الإمبراطور جستنيان مرسومًا يفرض فيه إغلاق كل المدارس الوثنية.

ومن أبرز رواد هذه المرحلة موزونيوس ( ت ٨٠م)، وسينكا (ت ٦٥ م)، وابكتيتوس ( ت١٣٥ م) وماركوس أوريليوس (ت١٨٠ م)، وعرفت هذه المرحلة التركيزعلى الأخلاق وعدم الاشتغال التام بـالطبيعيات والمنطق كما هو الحال عند ماركوس أوريليوس، أو المرور السريع عليها عند ابكتيتوس وسينيكا(٤).

وقد ترك هذا الجيل مؤلفات كاملة مثل عزاء سينيكا لماركيا أو عزائه حين كان في المنفى لوالدته هيلفيا، ورسالة في الغضب لصديقه لوسيليوس، وغيرها، وترك الامبراطور ماركوس أوريليوس كتاب التأملات، أما أبكتيتوس الذي كان عبدًا لشخص اسمه أبافروديت لم يدون شيئًا مثل سقراط لكن نقل تلميذه اريانوس محاورته، وكذلك موزونيوس لم يدون لكن نقل تلميذه لوسيوس محاضراته.

وعامة هذه بعض أهم المراجع التي تحدثت عن الرواقية القديمة والوسطى خاصة لأن نصوصمها الكاملة فقدت.

- كتاب الواجبات شيشرون (٤٣ ق.م)

-كتاب سير مشاهير الفلاسفة ديوجين اللايرسي  (٢٤٠ م)

- التعليقات على أرسطو لسكسيتوس امبريكوس (ت٢١٠ م).

- بعض ما تركه بلوطرخس لم نقف عليه ( ت ١٢٥ م).

- ستوبايوس (القرن ٥ م) نقل انشودة كليانتس إلى زيوس في كتاب مقتطفات طبيعية

- معظم هذه المؤلفات وغيرها في القرن الأول و الثاني ميلادي و القرن الثالث ميلادي.

- وقد جاء في القرن السادس عشر م،  كتاب مدخل للفلسفة الرواقية كتبه جوستوس ليبسيوس.

- وكتاب إدوارد تيسلر  في القرن ١٩ بعنوان مخطوطات الفلسفة اليونانية

- وكتاب أجرو رسالة في نظام الفلسفي للرواقيين في نفس القرن وهو أكثر تنظيما.

- وشذرات الرواقيين القدماء لـ هانس فون أرنم في ثلاث أجزاء.

-  كتاب برهييه بعنوان عن خريسيبوس 

- من المراجع العربية عثمان أمين الفلسفة الرواقيّة.

وغيرها العديد لكن هذه أبرزها.

(١)- الموسوعة الفلسفية العربية المجلد الثاني تحرير معن زيادة ص ٦٣٨

(٢)- كتاب الرواقية عثمان أمين ص ١٧-٣٨

(٣)- نفس المرجع السابق ص  ٣٩–٤١-٤٢

(٤)- كتاب الرواقية عثمان أمين ص ١٧٦ 

-راجع أيضا برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية ص ٣٩٩

المحور الثاني 

التعريف بزينون الكتيومي المؤسس والوقوف على مصادر أفكاره، وبمن تأثر مع توضيح دور كل من تلميذه كيليانتس الذي خلفه على إدارة شؤون المدرسة وتلميذ كليانتس خريسيبوس الذي جاء بعده.

ولد زينون بن منسَى حوالي سنة ٣٣٤ ق.م، في جزيرة كتيومالقبرصية، ومات سنة ٢٦٢ ق.م وعمره ٩٨ سنة، وهو من أصول فينيقية شأن غالبية أعلام المدرسة الرواقية القديمة والوسطى، وكان ابنًا لتجارٍ يجوب البحار كعادة الفينيقيين للتجارة، وقد اشتهر الفينيقيون بالتجارة في الأرجوان، ومنه اشتق اسمهم بالإغريقية؛ لأن فوينيكس تعني البلد الأرجواني، ويوجد في سبب قدوم زينون روايتان قد ذكرها بالتفصيل، ف.أجرو في كتاب رسالة في النظام الفلسفي للرواقيين ورجح الرواية الثّانية على الأولى.

  • تصوّر الرواية الأولى: زينون على أنّه لم يكن يعرف الفلسفة لكن أخذته الصُّدف إلى اليونان وتحديدًا إلى شواطئ البيرة، بعد أن غرق مركبه التجاريّ، وبعد أن ضاع ماله أخذ يطوف في الشّوارع حتى وقف على مكتبة ووجد فيها كتابًا اسمه المذكرات للفيلسوف اكسينوفون، وهو أحد تلامذة سقراط، فأُعجب بما فيه من الحكم السقراطية التي خففت عنه ضيق ضياع ثروته، وسأل زينون بعدها صاحب المكتبة أن يطلعه على المكان الذي يوجد فيه هؤلاء الفلاسفة، وبالصدفة مرّ من قربهما الفيلسوف الكلبيّ قراطيس، فقال له صاحب المكتبة هذا واحد منهم، فتبعه زينون، وحينئذ بدأت قصّة زينون مع الفلسفة، لكن ف. أجرو في كتابه رسالة في النظام الفلسفي للرواقيبن ص ٢٥ شكك في هذه القصة، ورجح واحدة أخرى رواها المؤرخ ديوجينس اللايرسي.

  • الرواية الثّانية 

تصوّر الرّواية الثانية زينون الرواقي بصورة العارف بالفلسفة قبل زيارته إلى الأراضي اليونانية، حيث كان والده قد أحضر له كتابًا من هناك فدفعه ذلك الشّوق إلى زيارة هؤلاء الفلاسفة، وفي عمر 22 سنة ذهب للتجارة في اليونان، وكان متأثرًا بسقراط وغيره، ولعله قرأ كتبًا كثيرة عنهم، والشاهد في القصة أنّه أخذ مال التّجارة الذي جناه واستقر في أثينا، ثم بدأ يتاجر بين الحين والآخر، فحصلت له أزمة فقد غرق أحد المراكب التي تحمل السلع خاصته من الأرجوان، لكن لم يتأثر وواجه الأمر ببرود وصبر، حتى إن اليونانيين أُعجبوا بتعامله مع الحادث.

على كل حال فإن زينون وصل إلى أثينا عام 314 قبل الميلاد وكان عمره تقريبًا 22 سنة، وهو فينيقي شديد السمرة، طويل القامة، نحيف الجسد، عُرف بالانضابط والصبر والزهد، وجعل زينون بلاد اليونان مقامه، وذلك بسبب ازدهار عدد من المدارس الفلسفية، مثل أكاديمية أفلاطون ولقيون أرسطو، وعدد من الاتجاهات الفكرية مثل اتجاه قراطيس من المدرسة الكلبية، واتجاه المدرسة اللّذية القورينائية التي أسسها أرسطپون وكان من الدعاة لها عند قدومه تيودوروس، وكذا رواد المدرسة الميغارية التي أسسها إقليدس، مثل ديودوروس كرنوسواستلبون اللذين خلدا إرث هذه المدرسة،

أما الأساتذة الذين حضر زينون محاضراتهم، هم أكسينوقراطس الأكاديمي الذي إذا حضر دروسه ستكون المدة قصيرة؛ لأنه من المرجح أنه قد مات في سنة قدومه، وهذا الأخير جعل الفضيلة شرطًا أساسيًّا للسعادة، وتلقى أيضًا الدروس على يد بوليمون الأكاديمي الذي جعل التربية العملية وضبط النفس شرط بلوغ الفضيلة عوضًا عن التربية القائمة على ما هو نظري فقط، ومن المرجح أنه حضر محاضرات بعض المشائين أيضًا، أمثال تيوفراطيس ذي النزعة الطبيعية وستراتون.

"والمؤكد أنه درس مدة طويلة على يد أقراطيس حتى إنه كتب مذكرات عنه، وكذلك أستلبون الميغاري بعد أن غادر مجالس أقراطيس".

وتأثر زينون بعدد من الأفكار ممن كانوا قبله، نشير إلى بعضها باختصار.

  • المدارس اليونانية التي تأثر بها زينون: 

تأثر زينون بالمدرسة الكلبية التي أسسها أنتيستنيس -٣٦٥ ق.م- من روادها أيضًا ديوجينس الكلبي -٣٢٢ ق.م -، لكن زينون انشق عنهم إلا أن بعض عناصر هذه المدرسة بقيت في فلسفته لأنه تعلّم على يد أقراطيس الكلبي - ت٢٦٨ ق.م - مدة طويلة.

وهذه بعض النّقاط التي أثرت في زينون وأخذها منهم:

 الاستقلالية: كانت المدرسة الكلبية تؤمن بالاستقلاليّة الفكريّة والأخلاقيّة، وكان هذا الإيمان ممّ لفت انتباهه في المدرسة الكلبية.

الاهتمام بالاحتياجات الطبيعية: كان الكلبيون يعتقدون أن توجد احتياجات طبيعيّة للإنسان يجب إشباعها مثل الطعام والشّراب والمأوى، وأن الرّغبات الأخرى غير الطبيعية يجب تجاهلها على أساس أنّها مصطنعة وغير طبيعية، مثل الرّغبة في الشّهرة أو السّلطة، والثروة، واحترام الأعراف بل السخرية منها أيضًا… وقد أخذ زينون منهم فن العيش ببساطة وعدم المبالغة في السعيّ وراء المتع المصطنعة.

التّركيز على الحرية: كان الكلبيون يعتقدون أنّ الحريّة هي أهمُ قيمة في الحياة، وأنّها تتحقق من خلال العيش وفقًا للطبيعة وبدل الجهد للعودة للفطرة. كان هذا الرأي أيضًا له تأثير في أفكار زينون عن العيش ببساطة وعدم جعل الالتزامات الاجتماعيّة تفقدنا الحفاظ على السكينة الداخلية والسعي للعيش وفقًا للطبيعة.

المواطنة العالمية: أثرت هذه الفكرة التي أخذها زينون من أستاذه قراطيس التي تقول إن الحكيم مواطن للعالم ولا ينتمي إلى دولة محدّدة. وبقيت هذه الفكرة في المذهب الرّواقي بل شكلت جوهر رؤيتهم السياسية الكونية، لأن جميع البشر إخوة في وطنهم العالمي، لهذا يجب أن تحكمهم قوانين موحدة.

النزعة الاسمية: أخذها من أنتيستنيس (ت٣٦٥ ق.م) وهي نزعة ترفض وجود الكليات خارج الذهن وتعتبرها مجرد اسماء نطلقها على أشياء مختلفة بينها تشابه.

الجهد والتوتر: تأثر أيضًا بأنتيستينس في مسألة أن ما يحدد الإنسان هو بدل الجهد والتعب، وقد عممها زينون فجعلها تطال كل الموجودات، وأدرج هذا الجهد  الذي تمتاز به الكائنات الحية تحت جنس عام يدعوه التوتر، أي إن كل موجود يمتاز بنسبةٍ من التوتر الداخلي الذي يدفعه لمقاومة ما يحُول دون نموه، أو ما يحاول أن يغير شكله، أو أن يوقف حركته.

أما نقاط اختلافه مع المدرسة الكلبية فنذكر أهمها: 

نقد خلط الكلبيين بين المظهر الخارجي والعواطف: كان الكلبيون يهتمون كثيرًا بالمظهر الخارجي في نقد الآخرين، وفي التعبير عن أنفسهم، ويبنون أفكارهم عن الآخرين منه، وكانوا يعتقدون أن التصرف بطريقة غريبة أو متهورة، ومخالفة للأعراف والتقاليد، هو دليل على الحكمة والتّحرر والاستقلالية، أما زينون فكان يعتقد أن المظهر الخارجي ليس مهمًا في الحكم على الآخرين، فلا يمكن أن تلبس لباس مثل لباس هرقل وتصير بقوته وإرادته؛ لأن الحكمة تتحقق قبل كل شيء بالعقل وضبط الانفعال، وتملك الفضائل الأساسية.

نقد مبالغتهم في رفض الثروة: كان الكلبيون يبالغون في رفضهم للثروة، وكانوا يعتقدون أن الثروة كلها شر. أما اعتقاد زينون هنا أن الثروة ليست شرًا ولا خيرًا في ذاتها، ولكن يمكن أن تصبح شرًا إذا استخدمت استخدامًا غيرصحيح.

الإقبال على السياسة وأداء الواجبات الاجتماعية 

كذلك تميزت الرواقية عن الكلبية بالدفع إلى الإقبال على السياسية لأن الإنسان بنسبة الرواقية فيه ميول تدفعه للحفاظ على الذاته ونوعه معًا، وبذلك مجتمع الإنسان مثل مجتمع النحل أو النمل، يجب أن يؤدي كل واحد وظيفته حتى يتحقق التناسق والتكامل في الجسد الإجتماعي، في حين أن الكلبية رأت في القوانين الوضعية ما يخالف الطبيعة، وفضلوا المجتمع القائم على العفوية والفطرة لهذا يمكن اعتبار أن نزعتهم أناركية. 

ومن المؤكد أن زينون قد رحل ليدرس على يد أستلبون وديودورس من المدرسة الميغارية، وهي مدرسة تمتاز بالصلابة المنطقية والجدل، ولعله لم يجد عند أقراطيس الكلبي هذا البعد.

وقد نقل لنا عثمان أمين في كتابه الفلسفة الرواقية  قصة تؤرخ لهذا الافتراق، يقول: يروون أنه كان يحضر دروس «أقراطيس» الكلبي، فلما سئمها أراد أن يغادر مجلس ذلك الأستاذ ليستمع إلى دروس «أستلبون» الميغاري، فجذبه أقراطيس من عباءته يريد أن يمنعه من الانصراف، فقال زينون: «يا أقراطيس، إن الفلاسفة لا يجذبون إلا من آذانهم»! ولعله يريد بذلك التعريض بما كان فى التعاليم الكلبية من فقر وقلة كفاية من الناحية العقلية.

وقد تأثر زينون أيضًا بهيراقليطس في مسائل عدة نذكر منها. 

الأصل في الأشياء الحركة والتّغير

زينون يعتقد مثل هراقليط أن الحركة والتغير هي السمات الأساسية للوجود. وقد استند في هذا الرأي إلى أفكار هيراقليطس الذي قال إن "لا شيء يبقى على حاله، كل شيء في حالة تغير، وقوله أيضًا لا يمكن أن تسبح في النهر نفسه مرتين. 

أصل الأشياء هو النار 

وأخذ منه أن الأصل الذي تعود إليه العناصر هو النار وهي أكثر العناصر الأربع فاعلية، وقد نشأت منها العناصر الأخرى بسبب تراخي التوتر تدريجيًّا، فنشأ الهواء ثم الماء ثم تراب. 

اللوغوس"العقل" كامن خلف نظام الكون

وتأثر به في أن اللوغوس أو العقل هو القانون الذي يوحد بين الأضداد، واعتقد مثله أنه مندمج مع العالم. وقد استند في هذا الرأي إلى أفكار هيراقليطس الذي اعتقد أن العقل هو أساس كل شيء وهو المنظم لحركة الصيرورة.

مبدأ التفاعل والترابط العضوي الشامل 

 قال بهذا المبدأ زينون الكتيومي وهو متأثر به من هرقليطس، حيث كان زينون يعتقد أن كل شيء في العالم هو جزء من وحدة واحدة. وقد استند في هذا الرأي أيضًا إلى أفكار هيراقليطس،الذي اعتقد أن العالم هو نار واحدة متجددة باستمرار.

ما أبدعه زينون

 أبدع زينون زيادة عما تأثر به. 

 القول بنظرية الخليط أو المزيج، وقد نفى زينون وجود الفراغ عكس دمقريطس، وقال بإمكانية انسجام المادة إلى ما لا نهاية. وبهذا تصير السيولة هي جوهر الأشياء عنده، والصلابة مظهرًا فقط.  وتوسط بين التطرف الكلبي الزاهد المتقشف والمتعية القورينائية اللذية.

نذهب الآن إلى تلميذه كيليانثس متوفي ٢٣٢ ق.م.

كان كيليانثس، في بادئ الأمر، تلميذًا مجدًا وفقيرًا، في الأصل كان مصارعًا، وقدم إلى أثينا لا يملك سوى القليل من المال، ولم تعقه الصعوبات على عزمه على التعلم على الرغم من ظروفه المالية الصعبة.

وكان يمتاز بذكاء بطيء لكن عبر الانتباه والصبر والإخلاص تعلم، فكان يعمل ليلًا ويدرس نهارًا، وحصل على ثقة زينون وجعله خليفته.

وقد أدى دورًا مهمًا في تنسيق المذهب وتنظيمه بعد زينون وأدخل طابعًا دينيًّا قويًّا عليه يمكن مراجعة هذا في أنشودته لزيوس.

لكنه فشل في الدفاع عن المذهب ضد نقاده مثل اركسيلاوس  بسبب ضعفه في الجدل ولهذا تدهورت الرواقية في عصره، وفقدت كثيرًا من المريدين، لكن بعد مجيء خريسيبوس الذي يعود له الفضل في بقاء الفلسفة الرواقية كما نقل ذلك ديوجين اللايرسي وعاد الازدهار لهذه المدرسة بفضله. 

خريسيبوس المدافع.

يعد خريسيبوس المدافع بامتياز ضد شكاكي الأكاديمية خاصة ضد كارنياديس، حتى قال عنه ديوجين اللابرسي: "ولولاه لما بقيت الرواقية"، فقد أدى دورًا مهمًّا في إنشاء الحجج ضد النزعة الشكاكة في إمكانية نشوء معيار للمعرفة، وفي التوفيق بين القول بالقضاء والقدر وحرية الإرادة، بتمييزه بين العلل المساعدة والأصيلة، وقد امتاز بقدرة قوية في افحام الخصوم، كما نُقل ذلك عنه، وكذلك عرفت حقبته حل الانشقاق الذي حصل في حياة زينون بين أريسطون وهيرلوس، فرد عليهما.  

  • لمراجعته الخلاف راجع ص ٤١ من كتاب أجرو و ص ٣٨ من كتاب عثمان أمين الرواقية. 

وبهذا نستنتج: أن زينون كان المؤسس للرواقية وكيليانتس المرتب والمحافظ ومعمق الصبغة الدينية فيها، وخريسيبوس المدافع ومؤسس الحجج المعارضة للمخالفين(١).

(١)- رسالة في النظام الفلسفي للرواقيين ص  ٣١- ٤٥، ف.أجرو

المحور الثالث

الوقوف على تعريف المدرسة الرواقية للفلسفة وأقسامها:

عرَّف الرواقيون الفلسفة بأنها العلم بالأشياء الإلهية والإنسانية، ويقول لوك فيري في كتابه تعلم الحياة في الفصل المخصص للرواقية ص ٤١، إن هذا التعريف جاء من تحليل الرواقيين لكلمة النظرية، لأن تيوريا تتكون من تايو وتعني الإلهي وأورايو التي تعني أرى، أي أرى الإلهي.

وقد قسم الرواقيون تبعًا لهذا المباحث الفلسفية إلى بحث في الأشياء الإلهية، وهي كل أشكال النظام التي لم يؤسسها الإنسان ويدخل في هذا المبادئ العامة للكائن والعناصر، وأصل العناصر، وقوانين الطبيعة، وتشكل القارات والحياة النباتية والحيوانية والإنسانية، ونمو الأعضاء.. ويدخل في الأشياء الإنسانية الأخلاق ونظرية المعرفة والمنطق.

وبهذا يكون تقسيم مباحث الفلسفة عند الرواقيين كالتالي: المنطق ثم الطبيعيات ثم الأخلاق، هذا ترتيب من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن أعلى المباحث قيمة أو ثمرة البحث عندهم هي الأخلاق، لهذا فنظر في المنطق والطبيعيات هو لتأسيس الأخلاق الموافقة للعقل والطبيعة، وبذلك هي ليست علومًا نظرية لها منفعة في ذاتها كما رأى أرسطو، وليس للواحد منها الاستقلال بنفسه بل هي متماسكة، فشبَّه الرواقيون علاقة التكامل التي بينها بصور عدة، فيقولون إن الفلسفة بيضة قشرتها المنطق وبياضها الطبيعيات وصفارها الأخلاق، أو الفلسفة مثل حديقة المنطق جدارها والطبيعيات أشجارها والأخلاق ثمارها.

ومع أن الرواقيين اتفقوا على هذا التقسيم لكن اختلفوا فيما به يبدؤون في تدريس الفلسفة، وقد بدأت المدرسة القديمة من زينون إلى خريسيبوس بالمنطق، ثم يليه الطبيعيات ثم الأخلاق، في حين بدأ ديوجين البابلوني بالأخلاق، وبدأ بناتيوس ومن بعده تلميذه بوسيدونيوس بالطبيعيات(١).

(١)- راجع الموسوعة الفلسفية العربية المجلد الثاني تحرير معن زيادة ص ٦٤١ وكتاب الرواقية عثمان أمين ص ٥٩ وكتاب رسالة في النظام الفلسفي للرواقيين ف.أجرو ص ٥٨.

المحور الرابع 

نظرية المعرفة والمنطق الرواقية.

هذه عامة بعض الظروف التي سبقت المدرسة الرواقيّة.

قبل المدرسة الرواقية، دار جدال بين المدرسة السفسطائية التي ركزت على نظرية المعرفة  عكس المدرسة الطبيعية التي كانت تركز على معرفة العالم خارجي دون التساؤل حول إمكان المعرفة، أو معيارها، وانطلقت السفسطائية من الإحساس ونسبية المعرفة  أونفي إمكانها، وبدل السعي إلى الحقيقة قاموا بالتّركيز على الإقناع، وقد قُسمت هذه المدرسة إلى ثلاث تيارات 

العنادية:  الذين ينكرون إمكان المعرفة لأن الكلام لا علاقة له بالوجود بل هو سبيل للسيطرة مع جورجياس.

النسبية:  مع بروتاغوراس صاحب مقولة الإنسان مقياس كل شيء.

 اللاأدرية : مع بيرون وتيمون النافيان لوجود مقياس للحقيقة ولأي شكل من اليقين.

 وانبعثت المدرسة الشكاكة اللا أدرية التي كان من أعلامها اركسيلاوس وقارنيادس، بعد موت أفلاطون وسيطر هذا التيار على الأكاديمية، وهذه المدرسة تنكر إمكانية الوصول إلى اليقين وقالت بعدم إمكانية الترجيح بين النظريات المتعارضة، وقبل هذا قد دخل أفلاطون في جدل مع السفسطائيين لأنهم ينطلقون من الظن المستمد من الحواس، في حين أن المعرفة الحقيقية تتجاوز عالم الحس.

وكذا تلميذه أرسطو الذي وإن خالف أفلاطون الذي قال بالمثالية الموضوعية أي جعل الكليات موجودة خارج الجزئيات، فقال أرسطو إن الكليات مندرجة في الجزئيات بالقوة، وأنه لا يوجد إلا الجزئي، لكن المعرفة لا تكون إلا بالكليات التي يكون الذهن علة فاعلة في نقلها من الوجود بالقوة إلى الوجود فعلًا عبر التجريد وبهذا يقف على ماهية الأشياء عبر الحدود التامة.

  • أصل المعرفة عند الرواقيين

 المدرسة الرواقية في أصل المعرفة تقول بنظرية حسية لأن بداية المعرفة تبدأ بالحواس المنفعلة التي تُطبع عليها المعلومات القادمة من الأشياء الخارجية، وهكذا تنشأ التصورات في الذهن فيعبر عنها بالمفاهيم وينظمها العقل عبر تنسيقها، بعد الاختبار وحل تعارض بينها إن وجد، وإذا طابقت هذه المفاهيم المتسقة الواقع أنتجت التصديق الصحيح والعلم  ثمرته.

  • مراتب المعرفة عند الرواقيين 

 مراتب المعرفة هي التصور وهو حدوث معنى في الذهن النابع من موضوعٍ متحققٍ في الخارج، وهو عكس الوهم الذي ليس له موضوع ينطبق عليه، إنما هو من أعمال النفس وميولها غير الواقعية.

حينما يصدر الحكم على أي تصور بالإثبات أو النفي يسمى ذلك الحكم تصديقًا والتصديق المطابق للواقع يدعى إدراكًا، حتى نصل إلى مرتبة الإدراك لا بد أن يكون هذا التصور فيه خاصيتين أن يكون واضحًا تذعن له نفس، وأن يكون مطابقاً للشيء المتعلق به، وهذان الشرطان يؤسسان التصورات سهلة الفهم وهي أول مراتب اليقين التي يشترك فيها الحكيم والإنسان العادي، فإن الحكيم يتجاوز الإنسان العادي إلى مرتبة العلم وهي مرتبة أكثر يقينا.

وقد مثل شيشرون لهذه المراتب، فجمع أصابع يده قليلًا وقال هذا هو التصور عند الرواقيين، ثم جمعها أكثر وقال هذا التصديق، ثم جمعها أكثر وقال هذا التصور المحيط، ثم وضع اليد الأخرى على اليد الثانية وأمسكها بقوة، ثم قال هذا هو العلم.

 وعند الرواقيين الحواس منفعلة والعقل هو الذي ينظم ما تتلقاه، عبر استخدامه للمعاني الشائعة أو الأوليات وهي البديهيات التي لا بد للعقل منها في ترتيب المعلومات. 

إذا مراتب المعرفة عند الرواقيين هي التصور ثم التصديق، ثم التصور المحيط أو سهل الفهم ثم العلم وهذه المرتبة الأخيرة لا يصلها إلا الحكماء. 

  • ومعيار الحقيقة اليقينية عندهم هو الوضوح والاتساق ومطابقة الواقع.

  • ثم يأتي بعده مرتبة أدنى منه وهو الإجماع وهو دليل على وجود معاني شائعة بين الناس وتتقوى إذا ما دعمها جماعة من الحكماء.

  •  ثم الاحتمال وهو الأخذ بأرجح الآراء التي يمكن الدفاع عنها دفاعًا معقولًا.

  • المنطق الرواقي 

وطوَّر الرواقيون منطقًا يعتمد على التعاقب عكس منطق أرسطو الذي يعتمد على التلازم الماهوي، فكانت القضايا الرواقية البسيطة تتشكل من أحداث مثل سقراط يمشي، الشمس طالعة، يكون موضوعًا جزئيًّا يمكن الإشارة إليه، في حين عند أرسطو تتكون من الأحكام الإسنادية على شكل سقراط إنسان، الشمس نجم فيدرس الأفراد في أنواعها ويدرج الأنواع في الأجناس، ويضع الحدود، لكن المنطق الرواقي كان منطقًا اسميًّا يركز على الجزئيات، وعمومًا كانوا يفضلون التعريف برسم عكس أرسطو الذي كان يعد أن التعريف الذي يذكر ماهية الشيء لا بد أن يكون بالحد التام، وعمومًا لقد طور الرواقيون المنطق الشرطي.

  • نظريتهم في الدلالات والمقولات 

وأيضًا ميزوا بين الدلالات، ولهم بحوث في اللغة ونظرية عن أللكتون، وهي معاني توجد بين الفكرة واللفظ، وميزوا بين الدلالة التذكيرية والكاشفة، وحصر الرواقيون المقولات العامة التي تنظم المعرفة بالشيء إلى أربع مقولات عكس أرسطو الذي نظمها في ١٠ مقولاتٍ، وعمومًا الرواقيون ينطلقون من موقف اسمي ينكر وجود الكليات خارج الذهن، ويعتمدون على الاستقراء والكشف عن القوانين التي تحكم تعقاب الأحداث، وكذا ميزوا بين الحق وهو المعبر عنه الذي يدعونه أللكتون والحقيقة وهي الواقع الموضوعي(١).

(١)-عثمان أمين كتاب الرواقيّة ص ٨٥ -٩٩، وأجرو كتاب رسالة في النظام الفلسفي للرواقيين ص ١٨٥.

المحور الخامس 

نظرية الوجود أو الطبيعيات الرواقية.

  • يعرف الرواقيون الكائن بأنه ما تحكمه مبادئ وعناصر، وهو ما يشترك مع غيره في الجوهر،وهذه المبادئ هي الفعل أو الانفعال والصفة، والفعل أو انفعال يكون حسب درجة التوتر التي له، والتأثير المتبادل بين الأجسام ينبني على عدم التباين التام وعدم التماثل التام.

وأصل العناصر هي النار وهي أكثر العناصر توترًا وعند تراخي هذا التوتر فيها نشأ الهواء، ثم بعملية التراخي نفسها في الهواء نشأ الماء ثم التراب، وسوف تعود العناصر إلى النار الأثيرية في عملية احتراق شامل، ثم تبدأ عملية التراخي من جديد؛ لهذا فهم يقولون بالعود الأبدي، والفعل والانفعال لا يكون إلا بين الأجسام عندهم، إذا كل كائن عندهم فهو جسم.

  • وكل كائن هو متفرد فيه وحدة، فلا تخصيص عندهم إلا للموجود في الخارج، وهذه الوحدة أو التفرد تنشأ من مجموع صفات دونها لا يكون الكائن هو هو، وهذه الصفات تنتج صورة الكائن عبر تفاعلها مع الأسباب وهي ما يعطي المادة شكلها. 

  • وهذه الصفات لها مراتب وهي في أولها تكون عادة أو ببنية وهي ما يحافظ على حالة الأجسام الجامدة، ثم الطبيعة وهي الخالية من الشعور والتصور وهي ما يحرك النبات في نموه، ثم النفس التي تحرك الحيوان وهي احساس وتصور، ثم العقل في الإنسان.

  • وهذه المراتب كل واحد فيها يظل موجودًا في الأرقى، لهذا فالإنسان حين يكون في بطن أمه يعيش حياة النبات، ثم يعيش مثل الحيوان في طفولة بالنفس، فتكون لديه تصورات تنظم بتدريج، ثم يتكون العقل في مرحلة النضج، وأول ميول في الكائن الحي هو الحفاظ على الذات والنوع.

  • كذلك قال الرواقيون إن أصل الأشياء هو السيولة ولا يوجد الفراغ بل العناصر تختلط؛ لهذا يمكن عندهم أن يوجد أكثر من جسم في موضع واحد.

  • وكمية المادة في كل العالم لا تتغير ونفى الرواقيون إمكانية وجود عوالم منفصلة؛ لأن الطبيعة كل واحد متصل عندهم، وهذا بسبب رفضهم للفراغ عكس الابيقوريين الذين يقولون بإمكانها. 

  • لا يوجد عند الرواقيين صدف في الكون، فكل ما يحدث يأتي نتيجة أسباب ضرورية وحتمية، وتختلف النتائج إذا اختلفت الأسباب فقط.

  • ثم إنهم يقولون بوحدة الوجود فزيوس أو النار الأزلية أو الطبيعة الإلهية أو اللوغوس كامنة في العالم، ويستخدمون هذه الأسماء كلها بالترادف للإشارة للقوة نفسها التي ينبع منها نظام الوجود. 

  • ومن صفات الإله عندهم الحكمة والعناية وهو عقل يفوق عقل الإنسان وكل كمال ينسب للإنسان الأَوْلَى أن ينسب له بطريقة أكمل، فإنه عقل خال من الانفعال والعواطف السلبية، وهو الذي أنتج الكوسموس أي النظام.

  • ونظرتهم للعالم متفائلة أي الأصل فيه هو الجمال والاتساق، والاضطرابات مجرد عرض سريع الزوال وهي ليست شرًّا ولا خيرًا؛ لأنها ليست من الأشياء الإنسانية.

  • وفي الإنسان جزء من النار الإلهية كأي موجود لكنها فيه بدرجة أعلى لهذا نتج له العقل الذي وجب أن يدفعه لتشبه بالاله أي إن يكون أيضًا عقلًا خاليًا من الانفعالات السلبية والإنسان غاية الوجود(١).

  • هذه بعض أفكار الرواقية في الطبيعيات يمكن للتوسع أكثر قراءة كتاب عثمان أمين ص ١١٦، وكتاب رسالة في نظام الفلسفي للرواقيين ف.أجرو ص ٦١ إلى ما بعد ١٢٠. وكذا كتاب الموسوعة الفلسفية العربية المجلد الثاني فصل الرواقيّة ص ٦٤٣.

المحور الأخير الأخلاق الرواقية

خصائص ومبادئ الأخلاق في الفلسفة الرواقية

قد توقفنا في آخر فقرة في  الطبيعيات في أن الإنسان جزء من النار الإلهية كأي موجود، لكنها فيه بدرجة أعلى لهذا نتج له العقل الذي وجب أن يدفعه لتشبه بالالهة، أي إن يكون أيضًا عقلًا خال من الانفعالات السلبية لذا يتوافق مع جوهر الطبيعة، لنرى كيف أثرت هذه الفكرة في الأخلاق الرواقية.

تركز الفلسفة الرواقية على الاخلاق التي تعالج الانفعالات السلبية مثل الغضب والحزن والخوف والحنين، الشهوة، بعدِّها أحكامًا خاطئة وأمراضًا تصيب النفس، فتؤثر في الفرد فتبعده عن العقل، وينتج عن ذلك ابتعاده عن الطبيعة، لهذا وجب معالجتها بوسائل عدة، منها التأمل السلبي، وتمييز بين ما يمكننا تأثير فيه وما لا يمكننا التأثير فيه، الرضى بالقضاء والقدر، وتسعى الأخلاق الرواقية إلى تحقيق السعادة والكمال الداخلي للفرد.

وتقوم هذه الفلسفة على مجموعة من الفضائل الأساسية بعدِّها شروطًا ضرورية وكفاية لبلوغ السعادة التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

الحكمة: تتمثل الحكمة في إدراك الطبيعة الحقيقية للعالم والإنسان، حتى نعرف ما هو تحت سيطرتنا وما هو خارج عنها.

الشجاعة: تتمثل الشجاعة في القدرة على مواجهة الشدائد والمخاطر، وما يجب تحمله عامة فكل ما لا يمكننا تغييره من الأحداث المتعلقة بالقضاء والقدر وجب تحملها مع تذكر أنها ليست خيرًا ولا شرًّا، وما ينتج من الأحكام السلبية نحوها ناتج عن الانفعالات وليس العقل.

 العدالة: وهي الحكمة في توزيع الحقوق. 

الاعتدال: يتمثل الاعتدال في سيادة العقل على العواطف والنزوات، والعيش حياة متزنة منظمة.

والفضائل الثالث كلها تجليات للحكمة حسب المطلوب، فإن كان المطلوب المعرفة كانت الفضيلة التي نحتاج إليها الحكمة، وإن كان المطلوب تحمل شدائد كانت الفضية هي الحكمة في مجابهتا، وهي شجاعة، وإن كان توزيع الحقوق كانت الحكمة في توزيعها وهي العدالة، وإن كانت مقاومة الشهوة كانت الاعتدال.

وغير هذه الفضائل يعد أشياء محايدة وجب أن نفاضل بينها إذا أمكن، لكن إذا لم تتح لنا فرصة الإختيار وفرض القدر علينا المرض أو الفقر أو النفي، وجب قبولها ورضا بها؛ لأنها ليست فضائل ولا رذائل أي إنها محايدة. 

وبناءً على هذه المبادئ، فإن الأخلاق في الفلسفة الرواقية تتميز بمجموعة من الخصائص، من أهمها ما يلي:

  • العقلانية ومحاربة الإنفعال: تستند الأخلاق الرواقية إلى العقل، وترى أن العقل هو الأداة التي تساعدنا على إدراك الطبيعة الحقيقية للعالم، واتخاذ القرارات الأخلاقية الصحيحة والانفعال يزيف هذه الأحكام ويدفعنا للقرارات الخاطئة.

  • الواقعية: تدرك الفلسفة الرواقية أن العالم ممتلئ بالشدائد والمخاطر، ولكنها تدعو إلى مواجهة هذه التحديات بالحكمة والشجاعة، وألا نعيش في عالم خيالي بل وجب أن نعرف المخاطر الممكنة والحتمية، ونستعد لها نفسيًّا وكأنها ستأتي قريبًا.

  • العالمية: ترى الفلسفة الرواقية أن الفضائل الأربع هي نفسها لجميع البشر، بغض النظر عن جنسهم أو قوميتهم ووحدة العقل في طبيعية يلزم منها وحدة القوانين الاجتماعية بين الناس. 

تسعى الرواقية عامة لتقوية الميكانيزمات النفسية للفرد حتى يتحمل الصعاب والمخاطر الممكنة، وقد فصلت الرواقية بين الحرية الداخلية التي تتيح للفرد وضع الأهداف والتحكم في الانفعالات، وبين العبودية وهي الخضوع للانفعالات التي تنتجها أحداثٌ مثل موت عزيز أو المرض أو الإهانة أو السجن، أو الشيخوخة.

والحكيم هو الذي لا تزيل هذه الأحداث المحايدة السكينة الداخلية عنه، وتؤكد الرواقية عدم العيش في الماضي أو الخوف من المستقبل؛ لأن الماضي غير موجود والمستقبل بيد القدر، وعلى الفرد أن يعرف أنه ليس له سيطرة تامة إلا على حريته الداخلية، وعلى الفرد أيضًا أن يؤدي واجباته على أحسن وجه من الموقع الذي هو فيه، وعليه تمييز بين الإرادة وآثار الفعل؛ لأن آثار الأفعال بيد القدر لهذا حتى لو لم يقع الأمر كما خططنا له علينا عدم اليأس أو الحزن أو الغضب.

المراجع:

دليل الحياة الكريمة وليم اريفن.

عثمان أمين الفلسفة الرواقيّة.

ف.أجرو رسالة في النظام الفلسفي للرواقيين.

برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية ص ٣٩٩ وما بعدها.

تعلم الحياة لوك فيري ص ٤٤ وما بعدها.

الموسوعة الفلسفية العربية المجلد الثاني فصل الرواقية ص ٦٤٢.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة