نظرية اللعب فن اتخاذ القرار العقلاني في عالم متنافس

من مفاوضات الأعمال وقرارات الحروب، إلى أبسط التفاعلات اليومية، نجد أنفسنا باستمرار في مواقف إستراتيجية تتطلب منا اتخاذ قرارات بناءً على توقعاتنا لقرارات الآخرين. حينئذ يأتي دور نظرية اللعب، وهي ليست مجرد نظرية رياضية معقدة، بل هي إطار تحليلي قوي لفهم فن اتخاذ القرار العقلاني في عالم تسوده المصالح المتضاربة والتعاون المشترك. منذ ولادتها الرسمية في أربعينيات القرن الماضي على يد جون فون نيومان، أصبحت هذه النظرية حجر الزاوية في الاقتصاد والسياسة وعلوم الحاسوب وحتى علم الأحياء.

يستكشف هذا المقال جوهر نظرية اللعب، وشروطها، وأشهر نماذجها مثل (معضلة السجينين)، وكيف تساعدنا على فك شفرة السلوك البشري في أكثر المواقف تنافسية.

تعريف نظرية اللعب

نظرية اللعب (Game Theory) أو الألعاب هي نظرية للتقرير «اتخاذ القرار» العقلاني في أوضاع تشتمل على نزاعات مصالح بين لاعبٍ واحدٍ مستقلٍ أو أكثر. إنها إذن تناولٌ رياضيٌّ لمفاهيم وطرق ومناهج اتخاذ القرارات في مختلف الأوضاع البشرية، بصورة عقلانية. وهي بهذا المعنى تعد النظرية الأم فيما عُني بنظرية القرار أو التقرير باعتبار أن هذه الثانية تمثل جزءًا منها.

تعريف نظرية اللعب

نشأة نظرية اللعب من نيومان إلى ناش

ولا يرقى التاريخ المسلم به لهذه النظرية إلى أبعد من 78 سنة (1947م)، ذلك أن الباحثين يجعلون من كتاب جون فون نيومان (John von Neumann) وأوسكار مورغنشترن «نظرية اللعب والسلوك الاقتصادي» الصادر في تلك السنة، كأنها إعلان ولادة لهذه النظرية، ونقطة انطلاق لتطويرها، حتى ولو كان البعض، مثل إميل بوديل عام 1921م ونيومان نفسه عام 1928م، قد كتبا مقالات تبشر بها وتنبِّئُ بتطوراتها اللاحقة.

نشأة نظرية اللعب

وأهمية هذه النظرية هي أنها تربط مختلف أنواع القرار بمختلف أنواع الألعاب، باعتبار أن عدد الألعاب، هو كعدد القرارات، غير محدود بالنظر إلى أن باب اختراع ألعاب جديدة في المستقبل لا يزال مفتوحًا.

إن اللعب يفترض اختيارًا للخيار الأفضل من بين جملة خيارات، ما يجعله خيارًا عقلانيًا أصلًا، وبما أن القرار العقلاني في الحياة العامة أو الخاصة يتم عبر عملية مشابهة، فإن معياره يمكن أن يكون موازيًا للمعيار السائد في اللعب.

تطبيقات واسعة لنظرية اللعب من الاقتصاد إلى الإستراتيجية العسكرية

والتعريف السالف لهذه النظرية يجعلها نظرية تبشر بكثير، ليس في الميدان الاقتصادي والاجتماعي «الذي استخدمها فيه نيومان ومورغنشترن» وحسب، بل وفي مختلف ميادين التقرير الأخرى، ولا سيما في الميدان السياسي والاستراتيجي. ذلك أنها تمكِّن من حساب الأرباح أو الخسائر المتوقعة في أي وضع من الأوضاع التي تشتمل على مخاطر، لأنها تطرح أمام «اللاعب» طريقة لحساب أوفر الخيارات والبدائل المتاحة له، حظًّا بالفوز، أي أنها تتيح له صياغة قرار عقلاني. وشركات التأمين ودور القمار تسند قراراتها حاليًا إلى حسابات من هذا النوع، لكن المبدأ يمكن أن ينطبق كذلك بالنسبة لإدارة أي مؤسسة تتعاطى مع أوضاع تسودها التقلبات «أي تقلبات الأسعار والإمدادات والعرض والطلب... إلخ».

تطبيقات نظرية اللعب

لكن النظرية تظل في هذه الحالة نظرية لعب تتعلق بطرف واحد يلعب ضد الطبيعة، باعتبار أنها تفترض أن ما يتحكم في هذه التقلبات هو الطبيعة «أي الصدف والحظوظ». لكن النظرية يمكن أن تُعمم لتشمل أوضاعًا يسيطر عليها جزئيًا أو كليًا منافس له مصالح متميزة خاصة به وتتناقض مع مصالح «لاعبنا»، ما يقتضي أن يتخذ هو الآخر قرارات وأخذ الحسبان، مثلما يجب لهؤلاء أن يتخذوا لعبه هو في الحسبان، وهو أمر يجعل حساب الاحتمالات الممكنة أكثر تعقيدًا مما كان الحال عليه مع الصدف والحظوظ. ولكن دخول المنافسين وقراراتهم يجعل نظرية اللعب تبدو كأنها نظرية تعالج القرارات الاستراتيجية، أي كما يقول «رابوبورت»: قراراتنا المرتهنة بالقرارات المتاحة للآخرين، والتي هي مرتهنة بدورها لقراراتنا.

الشروط الأساسية لتطبيق نظرية اللعب

يبقى أن أصحاب النظرية يشترطون لإمكان استخدامها تحقيق الشروط التالية:

  • تسمية اللاعبين: تحديد جميع المشاركين في الموقف الإستراتيجي.

  • تعيين الخيارات والاستراتيجيات المتاحة لكل منهم: تحديد كل التحركات الممكنة لكل لاعب.

  • تسمية المحصلات المحتملة: تحديد جميع النتائج الممكنة للعبة بناءً على إستراتيجيات اللاعبين: معرفة ما يفضله كل لاعب من نتائج، والذي يُعبّر عنه عادةً بالمكافأة أو Payoff.

  • تحديد أفضليات هذه المحصلات بالنسبة لكل لاعب: واحتمالات اتخاذهم قرارات مشتركة.

  • تحديد التحالفات الممكنة بين لاعب وآخر، واحتمالات اتخاذهم قرارات مشتركة: افتراض أن كل لاعب يسعى لتعظيم منفعته الشخصية.

  • تحديد المعيار العقلاني.

إن أصحاب هذه النظرية يعتقدون أن أصحاب التقرير، أو المدعوين لاتخاذ قرار، مضطرون لاتخاذ قرار، أي لحل إشكال يمكن ترجمته بالسؤال التالي: كيف يمكنني أن أحصل على أكثر كسب بأقل خسارة؟ وهذا السؤال الأساسي يمكن أن يُطرح في مجال الأعمال أو الحرب أو التكنولوجيا أو النزاعات... إلخ. خاصةً أن «الأكثر» و«الأقل» هي معايير كمية يمكن أن تُحسب بالنقد أو بالقدرة النارية أو معدلات الفشل أو معدلات التوظيف... إلخ. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الكسب والخسارة يفترض وجود طرفين أو أكثر «لاعبين أو أكثر» يخضع نزاعهم لقواعد يمكن صياغتها بصورة رياضية.

معضلة السجينين أشهر نماذج نظرية اللعب

لعل أشهر مثال يوضح منطق نظرية اللعب هو معضلة السجينين. تخيل أن الشرطة قبضت على سجينين (أ) و (ب) للاشتباه في ارتكابهما جريمة، وتم عزلهما عن بعضهما. العرض كالتالي:

معضلة السجينين

  • إذا اعترف أحدهما على الآخر (خان) في حين صمت الآخر، فالمعترف يُطلق سراحه والآخر يُسجن 10 سنوات.

  • إذا صمت كلاهما (تعاونا)، فسيُسجن كل منهما سنة واحدة فقط.

  • إذا اعترف كلاهما على بعضهما، فسيُسجن كل منهما 5 سنوات.

من منظور كل سجين على حدة، فإن الخيانة هي الخيار العقلاني دائمًا بغض النظر عما يفعله الآخر، ولكن عندما يختار كلاهما الخيار العقلاني الفردي (الخيانة)، فإنهما يصلان إلى نتيجة (5 سنوات لكل منهما) أسوأ لكليهما من نتيجة التعاون (سنة واحدة لكل منهما). توضح هذه المعضلة التوتر بين العقلانية الفردية والمصلحة الجماعية، وتُستخدم لتحليل سباقات التسلح، وحروب الأسعار بين الشركات، وقضايا بيئية.

تصنيفات حالات نظرية اللعب

تُصنَّف الأوضاع وفقًا لأربع حالات:

  1. الحالة الأولى (المجموع الصفري): تكون القاعدة فيها هي: المجموع يساوي صفرًا، أي إن ما يربحه لاعب يساوي تمامًا ما يخسره الآخر، ما يعني أنه إذا جمعنا ربح الأول مع خسارة الثاني، كان المجموع لا يساوي شيئًا.
  2. والحالة الثانية (المجموع الصفري لعدة لاعبين): تخضع لذات القاعدة، لكنها تفترض وجود عدة لاعبين، يكون مجموع حاصل لعبهم، أي كسب البعض وخسارة البعض الآخر، مساويًا لصفر.
  3. أما الحالة الثالثة (المجموع غير الصفري): فهي حين يكون المجموع غير مساوٍ لصفر، أي حين يكون ربح طرف لا يساوي خسارة الطرف الآخر. والمثال الذي يُعطى على هذه الحالة هو مثال الحرب المحدودة، حين لا يكون هدف المتحاربين تدمير بعضهما بعضًا، وهو ما يذهب إليه الكلاوزفتزيون الجدد «كان ينبغي للولايات المتحدة الإبقاء على قدرة اليابان العسكرية لمواجهة الاتحاد السوفيتي لاحقًا، بمعنى أن خسارة اليابان الكاملة ليست مكسبًا كاملًا للولايات المتحدة، بل بعض مكسب».
  4. أما الحالة الرابعة (المجموع غير الصفري للاعبين عدة): فهي تفريع من الحالة الثالثة، لأنها تفترض وجود عدة لاعبين بدلًا من لاعبين اثنين فقط.

نقد وتقييم نظرية اللعب

انتقد نظرية اللعب كثيرون، لكن النقد انصب بالإجمال على نقطتين، هما:

النقطة الأولى: معنوية أخلاقية، ومفادها أن هذه النظرية تقلص الكائنات البشرية وتحيلها إلى دمى أو «حجارة في لعبة».
أما النقطة الثانية: فتشير إلى استحالة الشروط الستة التي تمكن من استخدام هذه النظرية.

لكنه يجب القول إن النظرية تعاني مما يعاني منه أي تحليل علمي، يضطر إلى الاختزال والتبسيط ليتمكن من الإحاطة بموضوعه، وإن رفض نظرية على أساس عدم إحاطتها بكافة الظواهر، لا يعني أقل من رفض التحليل العلمي جملةً وتفصيلًا.

في نهاية المطاف، لا تقدم نظرية اللعب وصفة سحرية لاتخاذ القرار المثالي دائمًا، لكنها تمنحنا لغة دقيقة وإطارًا منهجيًا لتحليل المواقف الإستراتيجية المعقدة، فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لافتراضاتها المبسطة، تظل أدواتها، من (توازن ناش) إلى (معضلة السجينين)، حيوية لفهم لماذا يتصرف الأفراد والشركات والدول بالطريقة التي يتصرفون بها، إنها تعلمنا أن قراراتنا ليست معزولة، بل هي جزء من شبكة معقدة من التفاعلات، وأن فهم قواعد (اللعبة) هو الخطوة الأولى نحو لعبها بذكاء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.