نظرية داروين تحت المجهر: هل أثبت مندل وريدي خطأ التطور؟

من الجلي أن صاحب نظرية التطور -تشارلز داروين- وأنصارها من العلماء على اختلاف ألوانهم وتخصصاتهم بثوا هذا الصراع الأناني والبيولوجي على صحن الوجود الذي يفسر بقاء الكائنات على قيد الحياة، معتمدين على ركيزتين أساسيتين لتمرير مشروعهم المادي، الأول هو انتخاب طبيعي يستدعي الفلسفة، والثانية هي طفرة ترتقب صدفة كاذبة.

أثبتت تجارب ريدي استحالة نشوء الحياة من الجماد، بينما بيّن مندل أن الصفات الوراثية تبقى داخل النوع ولا تنتج تحوّل كائن إلى نوع آخر.

المفهوم الهيكلي لنظرية التطور

تُعرف «نظرية التطور» بأنها التفسير العلمي لعملية التغير التدريجي في السمات الموروثة للكائنات الحية عبر الأجيال المتعاقبة، وتقوم بشكل أساسي على مبدأ «الانتخاب الطبيعي» الذي وضعه تشارلز داروين؛ حيث تنجح الكائنات الأكثر تكيفًا مع بيئتها في البقاء والتكاثر وتوريث صفاتها الناجحة، بينما تنقرض الكائنات الأقل قدرة على التكيف.

تقوم نظرية التطور بشكل أساسي على مبدأ «الانتخاب الطبيعي» الذي وضعه تشارلز داروين

ومع تطور العلم، دُمجت هذه المفاهيم مع علم الوراثة لتفسر كيف تؤدي «الطفرات الجينية» العشوائية والتنوع البيولوجي إلى ظهور أنواع جديدة من أصل مشترك على مدى فترات زمنية طويلة جدًا.

الجذور التاريخية والفرضيات السابقة لداروين

لا شك أن داروين يتفق في نظرته مع عالم الأحياء والأكاديمي الفرنسي «جان باتيست دو لامارك Lamarck» والذي كان مؤمنًا بالتطور، حيث كان يرى أن رقبة الزرافة قصيرة، ولكن ولكونها كانت تمد برقبتها كثيرًا من أجل الحصول على ورق الشجر فإنها امتدت مع مرور الزمن، ومن جيل إلى جيل أصبحت رقبة الزرافة طويلة.

ولقد تطرق لامارك للتطور قبل أن تطأ قدم داروين بساط هذا الكوكب، فتحدث عن توريث الصفات المكتسبة في كتابه «فلسفة الحيوان» عام 1809، وهو نفس العام الذي وُلد فيه تشارلز داروين، لكن داروين استطاع أن يضعها في قالب علمي كنظرية تُطرح فوق المنضدة العلمية.

والجدير بالذكر أنه قد كان شائعًا في تلك الحقبة أن الكائنات تُخلق من بعض الجمادات، حيث كان مُتداولًا أن الدود يُخلق من الأكل المتعفن، والفأر يُخلق من النفايات، ولقد تحدث الفيلسوف الواقعي أرسطو بذلك في السابق.

المرتكزات الأربعة في المنظومة الداروينية

  1. الكائن الحي يُخلق من الجماد.
  2. الطبيعة تُكسب الصفات للمخلوق، ويمكن تحول المخلوق إلى مخلوق آخر وجديد
  3. الصفات المُكتسبة تُورث.
  4. الطبيعة تستطيع خلق منظومة جديدة ومعقدة، وكل هذا بفعل الصدفة، وبالتالي فإن المخلوقات وجدت من العدم، دون مسبب وخالق، ودون هدف أو غاية أو حكمة.

التفنيد التجريبي للقواعد الداروينية

أما عن القاعدة الأولى، فقد أثبت الطبيب وعالم الأحياء الإيطالي «فرانسيسكو ريدي» خرافة خلق المخلوقات من الجمادات، حيث جاء بعلبتين، ووضع فيهما قطعتين من اللحم، وأغلق الأولى، وترك الثانية مفتوحة، فأتت الحشرات على قطعة اللحم في العلبة المفتوحة، أما العلبة الثانية فكانت خالية من تواجد أي نوع من الحشرات، وظلت قطعة اللحم كما هي في داخلها، وكانت هذه التجربة قبل قرنين «200 عام» من مجيء داروين ونظريته.

وأما القاعدة الثانية، وهي أن الطبيعة تُكسب الصفات للمخلوق، فقد رد العالم النمساوي «غريغور يوهان مندل» مؤسس علم الوراثة عليها، حيث قال إن الصفات لا تخرج عن سياق العائلة نفسها، وأثبت ذلك.

 قال  العالم النمساوي «غريغور يوهان مندل» إن الصفات لا تخرج عن سياق العائلة نفسها

أما عن القاعدة الثالثة، وهي أن الصفات المكتسبة تورث، فقد أثبت أحد العلماء المختصين في الزيولوجي (Zoology) خطأ هذه القاعدة بتجربة أجراها على فأرين، حيث قام بقطع ذيلهما ثم زاوجهما، فجاءت الجراء كلها بذيول.

وأما عن القاعدة الرابعة، وهي أن الطبيعة تستطيع خلق منظومة جديدة ومعقدة، فقد تبين زيف هذه القاعدة بمثال؛ جماعة من العميان، جمعوا قطعًا من الفولاذ، والألومنيوم، والتيتانيوم، والحديد، والبلاستيك، والمطاط، والسيليكون، المنثورة في أراضٍ مختلفة وعلى حِدَة، ثم وضعوها كما هي في مستودع مهجور، وبعد عشرات السنين خرج رجل آلي يمشي لوحده من هذا المستودع، فسأل الناس العميان: «كيف تجمعت هذه القطع لوحدها، وخرج هذا الرجل الآلي بصورة مكتملة من المستودع؟»، فأجاب العميان: «لا نعلم.. ولكن كنا على مدار سنوات عديدة نجمع الخردة من القطع ونرميها في المستودع، وبالصدفة خرج هذا الرجل الآلي!».

ولو سألت أبسط الناس: «هل تصدق أن الرجل الآلي "الروبوت Robot" جاء صدفة؟»، سيتهمك بالجنون فورًا، وسيجيبك بأن الرجل الآلي اخترعه المهندس الأمريكي (جو أنجري برجر) عام 1960، ولا يمكن أن يكون نتاج صدفة! فلماذا آمن الناس بأن تشارلز بابيج اخترع الروبوت، وبأن الإنسان الذي اخترع الروبوت جاء نتيجة صراع أناني وبيولوجي من أجل البقاء؟!

المعضلة الجمالية: تحدي ريشة الطاووس

إن من جملة التحديات التي تواجه نظرية التطور هي ريشة الطاووس، فكيف تفسر نظرية مادية ميكانيكية ريشة الطاووس؟

عندما تشاهد هذا الطائر وهو ينفش ريشه العجيب والغريب والرهيب، تجد نفسك وكأنك أمام يد رسام وفنان أبدع وأتقن الأشياء، ولسنا أمام صدف كاذبة أو طفرة عشوائية عمياء، فلا يمكنك قذف الحروف الهجائية في الهواء لتتجمع وتشكل وحدها قصيدة رائعة لتي إس إليوت، أو معزوفة عبقرية لهانز زيمر!

عندما تشاهد الطاووس وهو ينفش ريشه العجيب والغريب، تجد نفسك وكأنك أمام يد رسام وفنان

وإذا كانت نظرية التطور تفسر «البقاء للأقوى»، فهي لا تفسر «البقاء للأجمل»، فهذا النقش الجميل في جناحي «الكناري» لا يمثل أي كفاءة! ولون شعر «الهسكي» الرهيب لا يمثل أي فعالية! جُلها عبارة عن فن ورسم، وكأن هناك يدًا قامت بنحتها ورسمها وصبغها وتلوينها، وإذا دخل الجمال في التفضيل فستنهار نظرية التطور، وستبقى عاجزة عن إجابة أهم الأسئلة وهو: «لماذا خرج من الوعل القوي حيوان أرق وأقل منه قوة كالغزال!؟».

هل نظرية التطور صحيحة في الإسلام؟

تعد نظرية التطور من القضايا الجدلية التي تناولها العلماء والباحثون المسلمون من زوايا شرعية وفلسفية وعلمية، ويمكن تلخيص الموقف الإسلامي العام في النقاط التالية:

خلق آدم عليه السلام

يجمع علماء الإسلام على أن أصل الإنسان هو آدم -عليه السلام-، الذي خلقه الله تعالى بيده من طين مباشرة دون وسائط أو تطور من فصائل أخرى، وهذا ثابت بنصوص قطعية في القرآن الكريم والسنة النبوية، لذا، فإن الشق المتعلق بـ«أصل الإنسان» وتطوره من كائنات أدنى مرفوض عقديًا من علماء المسلمين.

التطور داخل الأنواع (التكيف)

لا يجد كثير من العلماء المعاصرين حرجًا في قبول فكرة «التطور الصغرى» أو التكيف داخل النوع الواحد (Microevolution)، وهو التغير الذي يطرأ على الكائنات الحية لتتلاءم مع بيئتها (مثل تغير ألوان الفراء أو طول المناقير)، معتبرين ذلك من جملة السنن الإلهية في الخلق والقدرة على التكيف التي أودعها الله في الكائنات.

التطور العام للكائنات الأخرى

يرى فريق من الباحثين أن النصوص الشرعية لم تفصل في كيفية خلق الكائنات الأخرى (غير الإنسان) بنفس التفصيل الذي جاء في خلق آدم؛ لذا فإن القول بتطور تلك الكائنات عبر ملايين السنين تحت إرادة الله وخلقه (التطور الموجه) هو مسألة تخضع للنظر العلمي، طالما لم تتعارض مع أصل الاعتقاد بأن الله هو «الخالق والموجد» لكل شيء من العدم.

رفض العشوائية والصدفة

يرفض المنظور الإسلامي تمامًا الركيزة المادية للنظرية التي تدعي أن الحياة نتاج «صدفة عشوائية» أو طفرات عمياء دون هدف؛ فالإسلام يؤكد أن كل ذرة في الوجود تسير بحكمة إلهية وقدر معلوم، كما قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ».

إن الوقوف على أطلال نظرية التطور يكشف لنا بوضوح الفجوة بين الفرضيات المادية المعتمدة على الصدفة وبين الواقع الحيوي المشبع بالإتقان والجمال، وسواء نظرنا إليها من زاوية التجربة العلمية أو من زاوية العقيدة الإسلامية، يظل خلق الله وإبداعه هو التفسير الأكثر منطقية وانسجامًا مع تعقيد هذا الكون، فالبقاء ليس للأقوى فحسب، بل هو تقديرٌ لخالق عظيم أودع في كل كائن سره وحكمته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.