كثيرًا ما نقرأ قصائد الشعراء القدامى ونجد فيها بعض انكسارات عروضية من النقص والزيادة، وما هذا إلا عمل ناخسي هذه القصائد وراويها، وفي معلقات جميعها يجب إعادة النظر في أصولها ليعرف القرّاء أصحها.
وأحيانًا كان يشير بعض الكتّاب إلى هذه الأخطاء ويكتبون في الهوامش هذه التعديلات؛ ليتمكن القارئ من صحة الرواية الشعرية، وقد وردت هذه الأخطاء في بعض مخطوطات المعلقات، مما يثقل التلفظ ببعض الأبيات لانكساراتها واعوجاجاتها.
اقرأ أيضاً أفضل 5 روائيين شباب من مصر
هذا البيت لامرئ القيس
يباري الخنوف المستقل زماعه ** ترى شخصه كأنه عود مشحب
والذي تحته الخط فيه انكسار في (ك)؛ لأنه على وزن (عي) والساكن بعد المتحرك خال فحدث هذا الانكسار والثقل على اللسان عند التلفظ بـ(كأنه) ولم يُجز أهل العروض حذف الساكن في هذه التفعيلة إلا في (فعولن) في الشطرة الأولى و(فعولن) ما قبل القافية في الشطرة الثانية.
وفي هذا البيت له أيضًا:وكابٍ على حر الجبين ومتق ** بمدرية كأنها ذلق مشعب
والذي تحته الخط حدثت فيه المشكلة المشار إليها قبل قليل، ولكن رأيي في أمثال هذه الانكسارات قد تكون من الرواية؛ لأن أهل العروض قالوا إن الشعر ما فُطر العرب عليه واستعان الخليل به في وضع القواعد العروضية.
وفي بيت الشعر للنابغة الذبياني عيب من عيوب القافية الذي هو الإقواء، لقد أشار إلى ذلك كثير من النقاد في كتبهم:
اقرأ أيضاً الأدب الرقمي.. الشعر العربي وسبب تطور الوسائل الحديثة
النظر في دواوين الشعراء القدماء
أمن آل مَيَّةَ رَائِحٌ أَمْ مُفْتَدِي ... عَجْلانَ ذَا زَادٍ وَغَيْرَ مُزَوَّدِ
ويروى أنه قال فيها:
زَعَمَ البَوَارِحُ أنَّ رِحْلَتَنَا غَدًا ... وَبِذَاكَ خَبَّرَنَا الغُرَابُ الأسْوَدُ
وأنه قال أيضًا فيها:
غَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَّطَافَةِ يُعْقَدُ
فقيل له في ذلك فلم يعرفه حتى أحضرت له قينة فغنت به ومدت صوتها فغيَّره". (القوافي للتنوخي).
وأشار سيّد قطب في كتابه "النقد أصوله ومناهجه" إلى بعض شعر أحمد شوقي الذي فيه ألفاظ عذبة ولكن المعنى خال كل خلو عنه:
ويا وطني لقيتُك بــــــــعد يأسٍ ** كأني قد لقيتُ بك الشبـــــــــــابا
وكل مسافر سيؤوب يـــــــوما ** إذا رُزِق السلامةَ والإيــــــــــابا
ولو أني دُعيت لكنت دينــــــي ** عليه أقابل الحتم المجــــــــــــابا
أُديرُ إليك قبل البيت وجهـــــي ** إذا فهتُ الشهادةَ والمتـــــــــــابا
وقد سبقتْ ركائبيَ القــــــوافي ** مقلّدةً أزمّتَها، طـــــــــــــــــرابا
تجوب الدهرَ نحوَك، والفيــافي ** وتقتحم الياليَ، لا العُبــــــــــــابا
وتُهديك الثناء الحر تــــــــــاجا ** على تاجيك مؤتلقا عجــــــــــابا
اقرأ أيضاً الشعراء في العصر الأموي.. ونشأة فن النقائض في الأدب العربي
الأبيات في ديوان العقاد
ثم علّق على هذه الأبيات وقال لو بُعِث الخليل من قبره لقال إنها مجردة الأوزان العروضية وليست شعرًا لخلوّها من العاطفة.
قال الرافعي في كتابه "على السفّود نظرات في ديوان العقّاد" في نقد أبيات العقّاد ص68:
"نحن نفتح الآن ديوان هذا السخيف كما يتفق، ونخرج لك مما نصادفه، وكن واثقًا أنك لن تفتح صفحة دون أن تقع على سخافات كثيرة.
انظر قوله صفحة (20) "لسان الجمال":
يا من إلى البعد يدعوني ويهجرني ** أسكت لسانا إلى لُقياك يدعوني
أسكت لسان جمال فيك أسمـــــعه ** في كل يوم بأنْ ألقاك يغريــــني
هذان البيتان لا بأس بهما، ثم يتدحرج بعدهما نازلًا.
العرب والروايات
وفي الشطر الأول غلطٌ ككلام الجرائد والروايات السخيفة حين تقول: دعاه إلى أن يبتعد، ولا معنى لكلمة دعاه هنا؛ لأنها لا تفيد إلا الإقبال، وهو يريد ضده.
وكان الأفصح أن يقول: فيهجرني، ليكون الهجرُ مرتبًا على رغبة صاحبه في إبعاده، فيصوّر أجزاءَ المعنى بألوانها، والبيت الثاني كله تكرار لنصف البيت الأول.
وقد تجوّز العرب في قولهم: نطقت الحال بكذا على اتساع الكلام؛ لأن المنظر كالمنطق فالمجاز قريب شائع، ولكن البرود كله أن يقول: سمعت وجهك يقول كذا، أو سمعت لسان جمالك يقول كذا، فإن هذا يقتضي نطقًا حقيقيًا فيما لا ينطق إلا توهمًا ومجازًا وبهذا ينحط المعنى.
وإذا كان للجمال في هذا الحبيب لسان، فلا يُعقَل أن يكون اللسان في غير فم، فإن هذا يُحضِر صورة هذا، خصوصا بعد ما قال: (أسمعه)، وإذن صار الحبيب حيوانًا عجيبًا، في ظاهر أعضائه أعضاء أخرى.
وما معنى قوله: "أسمعه في كل يوم"؟ إذا كان لسان الجمال ناطقًا أبدًا؟ فالصواب في كل حين أو في كل وقت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.