نظرة إلى ديوان «رشح الحكمة» للشاعر السوداني صلاح دهب فضل

إن العمل الأدبي العربي واقع بين النثر والشعر، فالأول لم تتقيد ألفاظه بتفعيلات معينة متناسبة أو بقافية معينة كما الثاني، ومن النصف الأول من القرن العشرين انبثق الشعر الحر، أو الشعر الحديث أو المرسل، تطابقًا مع معطيات العصر الحديث بما فيه من تطور في كل شيء، ومنها الصوت الموسيقي.

وحسب رأي الشاعرة نازك الملائكة -وهي من أوائل الشعراء الذين كتبوا بنمط الشعر الحر- أنه يتكون من شطر واحد وبوزن إيقاعي؛ أي بتفعيلات موزونة، لكن قد يختلف كل شطر عن الثاني في عددها، ثم انبرت آراء توسعية أخرى في الشعر الحر كاستخدام وزنين في شطرين مختلفين، لإقامة حوار أو للتعبير عن صراعين نفسيين في ذات الشاعر.

ومن الشعراء المعاصرين المجيدين الشاعر السوداني صلاح دهب فضل محمد الذي كان يعمل خبيرًا قانونيًا في مجلس الشورى العماني، وقد أصدر مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم في سنة (1437هـ - 2016م) ديوانه (رشح الحكمة) الذي يحتوي نحو ثلاث وخمسين قصيدة من الشعر الحديث، منها ثلاث عشرة قصيدة من الشعر التقليدي أو العمودي، وأربعون أخرى من الشعر الحر، وقصيدة إضافية عمودية وردت في المقدمة بعنوان (قال السهل والجبل عمان)، اعترافًا بفضل عمان.

وقد كان شاعرنا مترددًا في نشر ديوانه نكرانًا لذاته حتى دفعه الأستاذ إبراهيم شعراوي وهو أحد أصدقائه إلى النشر، وهذا اللقاء كان في سلطنة عمان الحبيبة.

اقرأ أيضًا: الشاعر الفلسطيني محمود درويش وأهم أعماله

يتكون هذا الديوان كما ذكر شاعرنا في مقدمته من نغمات طار، وخواطر وهمسات من ذات الشاعر تحكي عن الآلام من ضياع حلفا السودانية وقراها، وعن مشروع يلغي المكان الحلفاوي التاريخي وإنسانه، ويدعو إلى التمسك بالسودان الكبير، ما يبين ذلك مصداقية وطنية الشاعر، وهو ما يتضح فيما يقارب اثنتي عشرة قصيدة، وإلى جانب ذلك تمتد همومه القومية إلى الوطن العربي، فها هو مرة ينظم شعرًا في عمان، ومرة عن اليمن، ومرة عن لبنان في ثلاث قصائد، ويحتوي الديوان حكايات كقصيدة (تحت المطر) وقصيدة (حكاية عن بلبل) وحكاية (مشهد درويش)، وخواطر أخرى.

وعمومًا فالديوان رشحات من إناء حِكَم شاعرنا الغراء التي جمعها من تجربته الذاتية سواء أكانت تجاربه الوطنية أم القومية أم الاجتماعية أم الغزلية أم القصصية أم الحياتية.

ومعظم أغراض قصائد الديوان تتراوح بين الفخر والاعتزاز بالوطنية والقومية والولع بهما، والمدح والوصف والرثاء، والإخوانيات، فنجد الفخر بالوطنية في قصيدة (النيل البداء أنا)، والفخر بالقومية في قصيدة (لبنان اسمعني)، والمدح في قصيدة (راشيل كوري)، والوصف في قصيدة (قمر)، والرثاء في قصيدة (بلا إياب)، والإخوانيات في قصيدة (إلى البروف عبد السلام) وقصيدة (حفيدتي تالية).

ولا شك أننا نرى الحداثة ظاهرة في حنايا الديوان؛ لأنه يتسم بذاتية الشاعر، وهي ما استقر في أعماقه، وبالرموز الفنية الجميلة مع الهاجس الاجتماعي، وهذا ما يسمى بالوعي الجمالي الحديث، فالقصائد الحديثة قد لا تمت إلى الواقع بشيء، والتوسع في معاني ألفاظها مستمدة من فلسفة عدم التقيد بالألفاظ ومعانيها التقليدية بل من الحرية في انتقائها، والإبحار بتلك الألفاظ إلى أعماق خيالية؛ لتعطي تلك المعاني الجميلة أو الرموز التي تبتعد عن دائرة الحس ومنطق العقل، لذلك تحتاج إلى تأمل وتدبر بذوق فني راقٍ، ويؤدي الهاجس الاجتماعي دور الكاشف عن معاني تلك الرموز، والشعر الحر يقع أولًا: رهينة توازن التوافق بين الشكل والمضمون، وثانيًا: رهينة التلاعب بين المفردات الرموز، وبمقدار جودة هذين العاملين تكون جودته، ولا بد من ترابط بين الشعر الحر والتجربة (الذاتية)، ولا يلزم أن  يتقيد بمكان أو زمان محدد.

اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيله.. الشاعر خالد نصرة صوت فلسطين ووجع الأمة العربية

يقول الشاعر في قصيدته الوطنية بعنوان (لمن كجبار قربانا):

إذا ذَرَّةُ سئلت في نواحي "المريسِ"

وحليةُ عرسٍ، قلادةُ عشقٍ، لمهر عروس

لمحبوبةٍ في الزمان قُبَيْل "جَديسِ"

ستخبر عنكِ

فالذرة وحلية عرس وقلادة عشق، ومحبوبة في زمان قبل جديس كلها رموز مجسدة، وهي دلالات خيالية غير واقعية في إخبارها عن كجبار، عن تاريخها وعن قيمها عن الحب والعشق والزواج، ونرى فيها عدم التقيد بزمان، فهو يشير إلى محبوبة في زمن ضارب في القدم، لا يمكن الوصول إليها.

وهكذا يترسل الشاعر في خيالاته الرمزية النابعة من ذات الشاعر؛ ليعكس فكرته في أصالة كجبار، ويفتخر بها إلى أبعد حدود حتى يقول في النهاية:

لأنك، كجبارُ، أنتِ لُبَاب الوطن

فهل نكصوا، حاشَ، يا أجْبَلَ الَّطوْلِ

فخرَ الفخار بأرض المحسْ

رواسيَ نحن معًا

لاتَ من خاذلٍ يرتكسْ

ستبقى، ونبقى، ونرفع غصن النخيل سلامًا ونبقى

وكجبار في القلب معنًى وحقًّا

- وحبًّا وعشقًا

- سنبقى

هذا الافتخار المرصود في الأبيات يظهر كذلك الوحدة العضوية في القصيدة، وهي من عناصر الشعر الحر، ومعاني الأبيات تتكامل فيما بينها، ولا يمكن أن يستقل بيت عن بيت، كما قد يحصل في الشعر التقليدي، وهذا ما نراه عند شاعرنا، لكن ما الذي دفعه إلى ذلك الافتخار المحموم، وما الذي أشعل عاطفته هذه فانطلقت من تجربته الذاتية تلك الأبيات، إنها الوطنية، إنها أمجادها التاريخية، إنها التألم بما حدث في كجبار من الحوادث غير الوطنية.

ونكاد لا نجد في العربية معنى لـ (أجبل)؛ لأنه اسم جامد غير منصرف، لكن توسع الشاعر في الاستخدام؛ ليعطي معنى وهو ثباته حتى أكثر من الجبال.

اقرأ أيضًا: النظرات في بعض الدواوين الشعرية.. معلومات شعرية لا تفوتك

إلى جانب ذلك فإن الديوان جاء كله بإيقاع موسيقي عجيب وجميل يطرب النفس قبل الأذن، لم يُعهَد في الشعر العمودي، وهذا نابع من اختيار ألفاظ واختيار ترتيبها على نحو يجعلها متساوقة وسلسة أولها يقود آخرها، ومن معانٍ تصويرية جميلة، أنجبته مشاعر جياشة وآداب باشة، فها هو يقول في قصيدته الوطنية (نبتا نوباتيا)، وهي من البحر الهزج الصافي:

هلال في مجال النيل تبريا

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

يربْ سناه أرماثًا على الشط 

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

أرى في ساهر الذكرى لها رؤيا

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

وفي الأقباء عند الرصد أطوار، وعيني تبصر الأحقاب مسجية

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

حتى قال:

وقرباني اعتلاج الشوق مسفوح على المحتدْ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

على قرن الزمان الأول الساجي على نبتةْ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ثم يقول:

يخطْ براحة الأحجار أذكارًا وأوتارًا

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ثم يقول:

وما عندي له في خافقي إلا صبابات

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

وأشواقي حكاياتُ (مفاعيلن مفاعيلن)

وأحيانًا خرج قليلًا من بحر الهزج إلى بحر المتقارب، ولعله بغير قصد فيقول:

- عليك سلامي الأخضرْ

(فعولن فعولن فعولن)

ثم يعود قائلًا:

عليك الطلة الأزهرْ

(مفاعيلن مفاعيلن)

ثم يقول:

إلى شمس الزمان الأول الساجي على نبتةْ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ووادٍ مر في عدْواته النسمةِ للحنطة

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ثم يقول:

عليك الرونق الأزهى

(مفاعيلن مفاعيلن)

عليك الحلة الأبهى

(مفاعيلن مفاعيلن)

إلى أن قال:

جنينًا غائرًا في رَحْمِها دهرًا

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

وأحيانًا يدخل بحر الرجز:

فجْر الدنا

(مستفعلن)

إلى أن ينادي قريته (النوبة) فيقول:

فرديني من المنفى وضميني

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ويختتم الشاعر قصيدته بـ:

و"تهجيري" وطوفاني

(مفاعيلن مفاعيلن)

وخوفي الجازر المحموم خطَّارُ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

متى يا نبتةُ العودة والدارُ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

وتبرد ضفتا ناري

(مفاعيلن مفاعيلن)

متى الأنسام تنثال

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

ويهنأْ فوق حجرك خافقٌ مَحْقَتْهُ أسفارُ

(مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

اقرأ أيضًا: السيرة الذاتية للشاعر المصري أمل دنقل

يلاحظ أن الشاعر تمسك بوزن التفعيلة، ولم يتقيد بعددها، فالتفعيلة تتراوح بين الواحدة حتى الست، كما لم يتقيد بالقافية الواحدة، وأحيانًا نادرة يدخل في بحر آخر ثم سرعان ما يعود إلى البحر الأصلي، هذا الأسلوب الفني الرائع أخرجنا من ملل القصيدة العمودية إلى الحرية في الأوزان التعبيرية، ثَمَّ إلى القدرة على التصوير عما يجول في داخل الشاعر بدقة وسعة، فكلما كانت الحرية أكثر كان التصوير أدق، إضافة إلى خلق موسيقى رائعة مسلية ممتعة وجذابة، تجعل القارئ قادرًا إلى تكرار قراءتها، بالإضافة إلى أن قوة عاطفة شاعرنا وصدقها ومصداقية وطنيته كانت العنصر الفعال في اختراع هذه الألفاظ الجميلة الرائعة التي تربطها موسيقى محكمة عذبة.

والله ولي التوفيق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة