لم يكن الحجاز مجرد ولاية عادية ضمن خارطة السلطنة العثمانية، بل كان قلب العالم الإسلامي النابض الذي يحظى بوضع سياسي وإداري استثنائي. بفضل وجود الحرمين الشريفين، أقر العثمانيون نظامًا فريدًا يُعرف بـ«نظام الشرافة»، وهو صيغة من الحكم الثنائي توازن بين السيادة المركزية للباب العالي والاستقلال المحلي للأشراف.
في هذا المقال، نستعرض بعمق تاريخي كيف تشكلت ملامح هذه الإدارة، وكيف استطاع الأشراف الحفاظ على نفوذهم الواسع في البادية وقوافل الحج، وصولًا إلى التغيرات الجذرية التي طرأت مع مطلع القرن التاسع عشر وصدور قانون الولايات، مما حول الحجاز إلى ساحة تتجاذبها طموحات الاستقلال وضرورات المركزية العثمانية.
ملامح نظام الشرافة والاستقلال الذاتي
أقرَّ العثمانيون في ولاية الحجاز النظام المعروف باسم نظام الشرافة، وبمقتضى هذا النظام يتولى الحكم أحد الأشراف إلى جانب وجود والٍ عثماني.

وكان من عادة العثمانيين تجنب إدخال تغييرات جذرية في البلاد التي يتم فتحها، واستبقاء الأنظمة السائدة ما دامت لا تتعارض مع نظم الدولة وأهدافها، واستحدث العثمانيون بجانب نظام الشرافة نظامًا مدنيًا آخر، إذ أنشؤوا في ثغر جدة سنجقية يقيم فيها والٍ كانت رتبته في أغلب الأحيان سنجقًا، وفي أحيان أخرى باشا.
وبفضل نظام الشرافة تمتع الحجاز خلال العصر العثماني الأول بقدر كبير من الاستقلال الذاتي. وأصبح الأشراف يعتمدون في مصروفاتهم على القاهرة أكثر من العاصمة القسطنطينية. على الرغم مما ترسله الدولة كل سنة من مال كانت الدولة قد قررته على مصر واعتبرته من التزامات مصر السنوية، وهو غلال الجراية والصدقة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
الصراع والولاء بين الباب العالي والأشراف
كان نفوذ العثمانيين قد ضعف منذ بداية القرن الثاني عشر في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية تقريبًا بسبب اختلال نظام الانكشارية، الذي فقد تدريجيًا كل مزاياه، وتحول في النهاية إلى معول هدم لشؤون الحرب والإدارة، وقد أدى ذلك إلى اختلاف نظام الحكم من جميع الوجوه. وخاصة في الولايات العثمانية البعيدة عن العاصمة.
إلا أن الأشراف ظلوا محتفظين بولائهم للباب العالي، إذ كان يتسلم براءة منصبه ويعترف من جانبه -أي الشريف- بالقاضي الذي يعينه السلطان، ويفخر بأنه خادم الدولة والسلطان العثماني. ومع ذلك لم تكن الصلات بين الأشراف والدولة العثمانية ودية تمامًا، فعندما كان يبدو على أحدهم بأنه غير صالح يطلب منه لزوم داره ويستبدل به آخر، لذلك كانت المكائد منتشرة بينهم، وأصبحت رغبة السلاطين هي أن يجعلوا الحجاز ولاية عثمانية تدار إدارة مباشرة أو شبه مباشرة.
تأمين الحرمين.. مسؤوليات الشريف وقوافل الحج العالمية
وكان الشريف صاحب الكلمة العليا في تصريف شؤون البادية، وهو المرجع الأكبر في الحجاز، وكان يتصل مباشرة بالصدر الأعظم، ويأتي بعده في لائحة التشريفات العثمانية. ومن أهم اختصاصات الشريف تأمين قوافل الحج الذاهبة إلى الحجاز وخصوصًا قافلتي الحج الشامي والتي تضم حجاج الشام وتركيا، وقافلة الحج المصري وتضم حجاج مصر وشمال إفريقيا.
بالإضافة إلى قافلة الحج العراقي وتصم حجاج العراق وفارس، وقافلة الحج اليمني وتضم بلاد اليمن والهند وإندونيسيا.
وتأمين القوافل يتضمن تأمينها من أعمال السلب والنهب التي تتعرض لها من جهة الأعراب وقطاع الطرق، ويعتمد الشريف في ذلك على نفوذه لدى القبائل العربية النازلة على طرق القوافل، حيث لم تكن هناك قوات عسكرية نظامية، ويوجد هناك أيضًا محطات حراسة أنشأتها الدولة العثمانية بجوار الآبار على طول طريق قافلتي الحج الشامي والحج المصري.
وفي العهد العثماني الأول كانت القضايا الإدارية للبلاد من اختصاص الأشراف، ثم استحدث العثمانيون في كل مدينة مجلسًا خاصًا للفصل فيها وكان أعضاؤه من الحجازيين والعثمانيين غير الحجازيين.

وهذا المجلس قد تكون بمقتضى قانون الولايات الذي صدر في سنة 1864م بهدف دعم سياسة الدولة المركزية، حيث قسمت السلطنة إلى ولايات تتألف من متصرفيات، وهذه تتألف من قائمقاميات يتبع كلًا منهم عدد من النواحي، وكانت الهيئات المنتخبة التي أوجدها قانون الولاية الجديد، لتعاون الولاة والمتصرفين والقائمقاميين، غير خاضعة للقانون العام ولم يكن جميع أعضائها منتخبين، بل إن الأعضاء المنتخبين لم يكونوا يشكلون سوى أربعة من تسعة أعضاء بما فيهم الوالي، أما الأربعة الباقون فيكونون من كبار موظفي الدولة الذين يعطون إلى جانب الوالي أو المتصرف أو القائمقام في كل وحدة من الوحدات الإدارية.
قانون الولايات وأثر قناة السويس
وقد قسمت الدولة العثمانية البلاد العربية أثر تنفيذ قانون الولايات الجديد إلى الولايات التالية: حلب وبيروت ودمشق وبغداد والموصل والبصرة وطرابلس الغرب، بالإضافة إلى متصرفيات مستقلة تابعة رأسًا للباب العالي وهي: جبل لبنان، والقدس ودير الزور وبنغازي، وكانت هناك ولايتا الحجاز واليمن اللتان لم يطبق فيهما قانون الولايات تطبيقًا تامًا، بسبب التعارض مع نظام الشرافة والإمامة.
وفي سنة 1286 هجري الموافق 1869م كان افتتاح قناة السويس دعمًا لهذا النظام الجديد، حيث تقلصت سلطة الأشراف، بعد أن كانوا يوقعون عقوباتهم بالسجن أو النفي أو القتل دون أن يستأذنوا السلطان، أما في ظل هذا النظام فقد اقتصر نفوذهم على حكم البلاد باسم العثمانيين، حيث أصبحوا يرجعون إليهم في كل شأن من شؤون الحكم.
تمتع الأشراف بواردات بلادهم في العهد العثماني الأول بالإضافة إلى ما يصلهم من منح السلاطين، إلا أن الدولة حددت بعد ذلك دخل الشريف، وأضيفت الأموال المتحصلة إلى قيود الخزينة العامة، ومع هذا كان لبعض الأشراف مصادر تدر عليهم بعض الأموال كخرج الجمال وأتاوات أخرى يأخذونها من بعض الطوائف العاملة في خدمة الحجاج أو رؤساء حلقات بيع المنتجات الزراعية.
ولم يعارض الولاة العثمانيون في ذلك إلا في حالات قليلة عندما كانوا يشعرون بضعف الشريف، ومن خلال هذا يبدو ضعف نفوذ الدولة أو اتساعه على حسب قوة الحاكم من الأشراف.
اقتصاد الولاية.. الهبات السلطانية ومصادر دخل الأشراف
ومما هو جدير بالملاحظة أن واردات الحجاز تلك التي تضاف إلى الخزينة العامة لا تغطي نفقات الحجاز ولا تعود بربح لخزانة الدولة، بل كانت الدولة تتفق على مرتبات الأشراف ورؤساء القبائل وكبار العلماء وأعيان البلاد والموظفين ما يزيد مجموعة من الواردات والتي تنحصر في رسوم التقاضي.
وكان بجانب الأشراف قائد عسكري يسمى الصنجق ومكانه جدة، ثم تحول هذا اللقب إلى والي جدة الذي نقل مقره إلى مكة وكان ذلك سنة 1287هجري، وأقامت الدولة في الحجاز إلى جوار الوالي العثماني وشريف مكة قوة عثمانية كبيرة لتوطيد النفوذ العثماني، ونجح العثمانيون إلى حد كبير في دعم سلطانهم في الحجاز، وكان اختصاص الوالي العثماني الإشراف على القوة العسكرية المرابطة بين مكة والطائف وجدة.
وقد حاولت الدولة العثمانية منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي أن تحتفظ بممتلكاتها في شبه الجزيرة العربية وخاصة في الحجاز، حيث يفد الحجاج سنويًا من أرجاء العالم ويسمعون اسم السلطان يدعى له يوميًا في مكة، ويرون العثمانيين أمامهم قوة حاكمة، فكان ذلك يرفع من مكانة السلطان العثماني في العالم الإسلامي كله، ويضخم من نفوذ الدولة أمام الدول الأوروبية.
إلا أن نفوذ الدولة في الحجاز لم يكن مستقرًا تمام الاستقرار، فعلى الرغم من المعونات التي كانت تقدمها الحكومة العثمانية للحجاز، فإنها كانت تخشى من أشراف مكة الذين ينحدرون من نسل النبي صلى الله عليه وسلم أن يحاولوا تنصيب أحدهم خليفة للمسلمين.
لذلك نجد العثمانيين يكتفون بما حصلوا عليه من الطاعة من قبل الأشراف، الذين تتفق عليهم الدولة، فكانت غلال القمح تصل إلى كل بيت في الحرمين، والمعاشات تصل إلى الموظفين الكبار.
وعلى مر السنين شعر الناس أنهم يعيشون في كنف آل عثمان، واستكانوا لهذا الظل، وتوطئت نفوسهم على احترام العلاقة التي تربطهم بآل عثمان والرضا بتبعيتهم للدولة، واهتم الناس بتلقين أولادهم حسب السلاطين من آل عثمان والدعاء لهم بالعز والتمكين، كما استطاعت الدولة بفضل تلك الأحوال التي تدونها للحجازيين أن يدعموا نفوذهم في البلاد على الرغم من تذمر بعض القبائل، واستطاع صنجق جدة أو الوالي فيما بعد أن يستقل بمقدرات الإمارة، وأن يتصرف في تنصيب الأمير بعد الأمير ويكتب رأيه فيه إلى عاصمة الدولة ليتلقى تعليماتها وأوامرها.
ويرى ذلك واضحًا في كيفية تعيين الأشراف في منصب شرافة الحجاز والذي كان يصدر به فرمان التولية من العاصمة إستانبول، فبعد انسحاب القوات المصرية من شبه جزيرة العرب سنة 1840م كانت السلطة بيد الشريف محمد بن عون الذي أخذ يتطلع إلى توسيع نفوذه خارج الحجاز.
وفي سنة 1841م عين السلطان عبد المجيد (1839 - 1861م) عثمان باشا واليًا على الحجاز، وكان الغرض من ذلك أن تكون الأماكن المقدسة الإسلامية تحت إدارة مباشرة ثنائية تكون فيها سلطات الوالي مقيدة فلا تطغى على الامتيازات الممنوحة لكبار الأشراف.
ولقد ثابر هذا الوالي على اتخاذ جدة مقرًا له، فحصن ينبع وأنشأ حامية صغيرة، وأقام مخافر عسكرية بينها وبين مكة، وأخذ يدس الدسائس بين العشائر ولكن هذا أدى إلى قيام أعمال العنف ضد الدولة، إلا أن الوالي العثماني قمعها بحملات ارتكبت الفظائع ضد الأهالي وتمكنت حملة مكونة من ألف رجل من دخول مكة، مما جعله ينقل مقر الإقامة إليها، وبذلك تيسر له التدخل المباشر في عزل الشريف وتولية آخر مكانه.
وجهت لليمن عن طريق جدة في مايو سنة 1849 م واستخدم نفوذه لدى قبائل عسير ليقفوا على الحياد أثناء مرور الحملة عبر أراضيهم إلى اليمن فقد تلقى باشا جدة في أغسطس سنة 1852م تعليمات من الباب العالي بإرسال شريف مكة وابنيه الكبيرين إلى تركيا، وتعيين عبد المطلب مكانه، فترك الشريف محمد بن عون (1828 - 1852م) أمور شرافة مكة بيد منصور بن يحيى وذلك حتى عودة عبدالمطلب من العاصمة.
ومكث الشريف عبد المطلب في شرافة مكة أربع سنوات (1852 - 1856م) ثم أعادت الدولة محمد بن عون إلى شرافة مكة حتى توفي في مارس سنة 1858م، فوجهت الدولة الإمارة لابنه الشريف عبد الله.
ويعد الشريف عبدالله أول شريف منح رتبة الوزارة ولقب باشا وتربى في الأستانة، وتعلم فيها العلوم الشرعية والتفسير والحديث وفنون الأدب، وكان من أعضاء المجلس الخاص، واشتهر عند رجال الدولة بكمال العقل وحسن التدبير ومعرفة الأحكام، وكان يكثر في مجلسه من مذاكرة العلم والأدب، ويحضر مجلسه كثير من العلماء والأدباء.
حادثة العلم في جدة: الشرارة التي أشعلت غضب الحجازيين
وفي 6 ذو القعدة سنة 1274 هجري الموافق 1858 م وقعت حادثة فحواها أن صالح جوهر أحد تجار جدة كان له مركب عليه العلم الإنجليزي، فخلعه ووضع مكانه العلم العثماني، وعندما طلع القنصل الإنجليزي البحر دخل المركب وأزال العلم العثماني ورفع العلم الإنجليزي وتمادى ووطئ العلم العثماني بقدمه مما أدى إلى ثورة المسلمين في جدة وذهبوا إلى دار القنصلية وقتلوا القنصل وبعض القناصل الموجودين في جدة، واستولوا على أموال النصارى، وذهبوا إلى فرج أحد التجار الذي دافع عن القنصل الإنجليزي وأرادوا أن يدمروا داره، فمنعهم عبد الله نصيف والذي كان لا يزال يشغل منصب وكالة محمد بن عون آنذاك.
وكان نامق باشا والي الحجاز قد ولى الشريف علي ريثما يحضر الشريف عبدالله من العاصمة، وكان الاثنان في المدينة المنورة لمقابلة الحجاج وعندما سمعا بذلك توجها إلى جدة وسكنا الفتنة، ونتيجة لذلك أرسل الإنجليزي مركبًا حربيًا أخذ يرمي جدة بالمدافع، فهرب الناس وانزعجوا، فعقد نامق باشا في مكة مجلسًا في ديوان الحكومة وأخذ يتشاور لتسكين الأمر مع العلماء والتجار وأعيان الناس، ووصل الشريف عبدالله في ربيع الأول سنة 1275هجري، ودخل مكة في موكب عظيم وفرح الناس بولايته، وكانت له عند الناس هيبة، لعلمهم بحسن سياسته ودرايته.
وقابل الشريف عبد الله المندوبين الإنجليز، فطلبوا منه المساعدة في دخول مكة فاعتذر عن احتمال هذه المسؤولية ثم قال لهم: ماذا تريدون من بلد لا زرع فيه ولا نبات ولا ماء، وربما نالكم منه مرض يذهب بحياتكم لعدم اعتيادكم على مثل هوائه في حين أنكم في غنى عنه؟ فاقتنعوا بجوابه وعادوا إلى بلادهم.
وكان مقدم الشريف عبدالله برفقة معاون برتبة فريق، وفي سنة 1276 هجري توجه إلى الشرق لقمع بعض المخالفين، وكان ذلك في مدة ولاية نامق باشا قبل عزله واستبداله بعلي باشا الكاهيلي.
وفي سنة 1277 هجري قام سعيد باشا والي مصر بزيارة المدينة، فتوجه الشريف عبدالله لمقابلته ورافقه إلى مصر ورجع إلى مكة في نفس السنة بعد أن قوبل بالإجلال والإكرام، وسار الشريف عبدالله إلى عسير في سنة 1281هجري لقتال أميرها محمد بن عائض لأنه تجاوز الحدود.

وفي سنة 1285هجري توجه ناحية الشرق ووصل إلى رنية لتأديب بعض القبائل ورجع منصورًا، وفي سنة 1294 هجري أمر بتعليم أهل مكة الحركات النظامية، وتوفي الشريف في نفس السنة في شهر جمادى الآخرة وعين مكانه أخوه الشريف حسن باشا بعد مقدمه من الأستانة وكان على جانب عظيم من التقوى والصلاح والزهد والورع واستمر حكمه إلى سنة 1297هجري حيث قتل بيد رجل أفغاني وذلك أثناء دخوله جدة.
وجاء الشريف عبد المطلب للإمارة للمرة الثالثة ولكنه عزل عنها سنة 1299هجري بسبب الشقاق بينه وبين الأشراف، وعين بدله الشريف عون الرفيق بن محمد بن عون الذي مكن نفسه في مركز الشرافة، ودعم نفوذه على العرب والولاة العثمانيين وأصبحوا كأنهم مأمورون من قبله، إلا في زمن عثمان ونوري باشا، فإنه حد من نفوذه حتى نقل من ولاية الحجاز بسعى من عون الرفيق وأنصاره في الأستانة ومن ذلك الوقت أخذ حريته في الولاية.
الهيكل التنظيمي.. المتصرفيات والمجالس الإدارية في مكة وجدة
قسمت الدولة العثمانية ولاية الحجاز إلى متصرفيتين، متصرفية جدة الواقعة على البحر الأحمر وهي ميناء عظيم، ويوجد بها جمرك وثكنات للعساكر ومحجر صحي، وكانت تعد من أعظم مدن الحجاز، ويتكون سكانها من خمسين ألفًا، وميناء جدة من أعظم الموانئ على البحر الأحمر، والمتصرفية الثانية في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وكان قائم مقام ينبع تابعًا لها على اعتبار ينبع ميناءها، وبالإضافة إلى قائمقامية ينبع هناك قائمقامية الليث، وهي مرفأ على البحر الأحمر جنوب جدة وعدد سكانها ستة آلاف، وقائمقامية الوجه وهي مرفأ على البحر الأحمر وبلغ سكانها خمسة آلاف.
واختصت الحجاز بمجلس ينظر في الأمور الهامة، ويتكون من قاض والدفتردار، ومدير الحرم، وكاتب أسرار الولاية، ونقيب الأشراف ونائب الحرم، وسادن البيت الحرام، ومفتي الحنفية، وقائمقام الشريف في مكة، ومدير الصحة ونقيب السادة الحسينية، وهناك ديوان تميز بالنظر في الدعاوى المدنية والجنائية، تستأنف أحكامها في محاكم الأستانة، وتتكون هذه المحكمة من نائب الشرع الشريف، وثلاثة أعضاء منتخبين من أهالي مكة، وقائمقام مكة يعين من قبل الشريف، وقاضي مكة يعين من قبل الدولة العثمانية لسنة واحدة، أما نائب الشرع فكان يعين لمدة سنتين.
ولولاية الحجاز نواح وأخطاط يسمى متوليها مدير ناحية، وحاكمها بلقب قائمقام، منها الطائف ورابغ بالإضافة إلى القائممقاميات السابقة، ولكل قائمقامية مجلس يتكون من القائمقام، ومن نائب الشرع الشريف ومأمور المالية ومن بعض الأهالي الذي يختارهم شريف مكة، وكان للقبائل مجالس عرفية تنظر في أمورهم وتتألف من القاضي وبعض الشيوخ ورؤساء القبائل مع من يختاره الطرفان للاشتراك معهم واستئناف أحكام هذه المجالس عند الشريف الذي بدوره يؤيد الحكم أو يعدله ويكون حكمه هو الأخير.
أعفت الدولة أهل المدينتين المقدستين من الضرائب والجندية الإجباريّة، ودفعوا لهم إعانات سنويّة، ولم يطبق نظام الالتزام الذي أخذت به مصر وجهات أخرى من بلاد الشام.
الرمزية الدينية.. كسوة الكعبة والمحمل والمكانة الدولية
وعندما استولت الدولة العثمانية على مصر والحجاز، اختصت الدولة بكسوة البيت الداخلية وكسوة الحجرة النبوية الشريفة بالإضافة إلى الشمع الذي يسرج به داخل الكعبة وخارجها، ومقامات المسجد الحرام، كما ترسل الدولة طيب الكعبة وبخورها مثل عطر الورد والعنبر، علاوة على الحبال التي تربط بها أستار الكعبة وترسل هذه مع المحمل الشامي، واختصت مصر بكسوة الكعبة الخارجية، وقد كانت مصر تصنع الكسوتين الداخلية والخارجية حتى سنة 1118هجري.
وعندها أمر السلطان أحمد بن السلطان محمد الرابع بحياكة كسوة الكعبة في إستانبول، وكان ذلك سنة توليه السلطنة، واستمر سلاطين آل عثمان في إرسالها على النحو المذكور حتى عهد السلطان عبد العزيز خان بن السلطان محمود الثاني، ثم توقفت الدولة عن هذا العمل. وكانت المحامل قد صنعت في فترة وجود قوات محمد علي في شبه الجزيرة العربية، ثم استأنف المحمل الشامي والمصري مسيرهما إلى مكة، وكان المحمل الشامي هو الذي يحمل الصرة والصدقات، وكان المحملان المصري والشامي يستقبلان في جدة ومكة استقبالًا رسميًا.
وعند وصول الركب يناخ جمل المحمل بجانب باب النبي في حفل عام وتعزف موسيقى مكة، ثم ينقل المحمل على أكتاف الرجال من باب النبي حتى داخل الحرم.
وهكذا يتضح من هذا العرض ما كان للحجاز من وضع خاص يتميز به عن سائر أجزاء الدولة بسبب وجود الأماكن المقدسة الإسلامية به، فكانت الامتيازات التي تمتع بها سكان الحجاز وحكامه، حيث أقامت الدولة فيه نظامًا هو عبارة عن سلطنة ثنائية طرفاها: الشريف والوالي، وحدوث بعض التغييرات إبان صدور قانون الولايات أي منذ سنة 1864م، فإن هذا القانون لم يصحبه تطبيق فعلي في الحجاز كما طبق في الأجزاء الأخرى من الدولة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.