نضّارة

جمع الدكتور ما بقي من قطع الخشب و الأوراق القديمة في قصره ..أغلق أبواب غرفته عليه و بدأ باشعال النار للتدفئة، بدا القصر بالنسبة له شبيها بمنازل مصاصي الدماء التي كان يشاهدها في صباه قبل نهاية القرن العشرين بسنوات قليلة، تنهد بصوت مسموع حين تذكر أن القصر كان يوماً ما مليئا بالحركة و البشر و الأثاث، تذكر أسرته التي رحلت تباعاً و أصدقاءه الذين لم يبق منهم على قيد الحياة سوى من رحلوا عن الوطن أيام كان الرحيل متاحاً، التقط وعاءاًُ قديمُا و قام بتثاقل باحثًا في أدراج مطبخ عتيق لم تبق منه سوى وحدة أدراج سوف يصيبها الدور هذا الشتاء لتحترق.

وجد الدرج لكنه لم يجد الشاين تذكر أنها تكاد تكون المرة الألف التي ينشى خلالها أن المدينة بكاملها تحولت إلى مدينة أشباخ وأنه حتى المحلات التي تركها أصحابها قد ردمتها رمال العواصف الجافة وترابها همس: لو الحارس الذي حفر بئراً في الحديقة كنت سأموت عطشاً بالتأكيد.

كانت العاصفة في الخارج تشتد وتطيح بالبيوت التي أصابتها الهشاشة بعد فراغها من البشر، فيبتسم الدكتور فرحا لأنه سوف يجد بعض الأخشاب غدا أو بعد غد حين تهدأ العاصفة، تتسع ابتسامته ناظرا إلى مكتبته التي استطاع أن يتجنب احراقها للتدفئة رغم أنه لا يستطيع أن يقرأ الآن للضعف الشديد الذي أصاب بصره وينظر إلى نضارته بحسرة ويتمنى لو استطاع أن يطير إلى ما كان يسمى قديما " وسط البلد" و يهمس : بالتأكيد سأجد واحدا من محلات النضارات وسوف أدخله وأجد نضارة جديدة ، حينها سأقرأ من جديد، لكنني لا أستطيع في أغلب الأحيان الخروج من باب القصر ، فكيف أطير.

يتذكر الدكتور آخر صوت بشري سمعه، ذلك الحارس الذي حذره من البقاء في القصر، وأخبره أنه ذاهب إلى أهله في الجنوب بدلاً من الموت عطشا في هذه الصحراء ..تدمع عيناه ..ينتفض متسائلا : من سرق النيل من أمام قصري ؟ من سلط  العواصف الرملية والجفاف على حياتي، من سرق الكهرباء والسد العالي .. من سرق أعمار أبنائي وبناتي وزوجتي .. ينظر إلى السماء بينما تشع عيناه غضباً: لماذا يموت الجميع وأعيش وحدي في هذا الجحيم؟

يغيب الدكتور عن الوعي ممداً في مكانه الذي عرفه قديما باعتباره غرفة مكتبه و اعتكافه للقراءة والدراسة والكتابة، تطارده العاصفة في الحلم لكنها عاصفة أخى أكثر قوة وقسوة وغدرًا فتخطف إبنته الوحيدة التي كانت عائدة من عملها كطبيبة في مستشفي بأكتوبر.. سقط الكوبري الذي كان مضرب الأمثال و سقطت معها عشرات السيارات، إنتفض الرجل صارخا " أميناااااااااااا" لكن أمينة اختفت منذ عشرة أعوام أسفل الكوبري و لم يستطع حتى اليوم أن يصل إلى جثتها ليفنها بيديه، فقد انتهى عهد البلاد بالطاقة والماء و السيارت.

كانت العاصفة قد هدأت، لكن شدة البرودة منعته من التفكير في الخروج من غرفته فكل نوافذ القصر أحرقت للتدفئة ولم يبق له سوى هذه الغرفة الوحيدة ، في البداية شعر أنه محبوس في زنزانة إنفرادية ولكنه تذكر أن العالم بالخارج يكاد يكون فارغاً أيضاً، كان الحارس الأخير يأتيه بالأخبار المحزنة أولاً بأول ولم يتركه إلا بعد أن صارحه أن القاهرة الكبرى والجيزة وما يحيطهما من ضواحي قد تحولتا إلى خرائب لا يجرؤ حتى الغربان على العيش فيها.

لم يصدق الدكتور أذنيه في البداية لكن شدة الطرق أجبرته على الانتباه، إلتقط معطفه الوحيد الباقي و فتح باب الغرفة، وفوجئ بامرأة في كامل أناقتها تحييه :

-ههه..هه أهلا وسهلا

-أنا سلمى جارة حضرتك ساكنة في الفيلا اللي في أول الشارع لكن من عشرين سنة سافرت و رجعت من يومين ....

-رجعت إزاي؟

- جوزي عنده طيارة خاصة و أنا صممت أشوف بيتنا القديم و خلال اليومين اللي فاتوا ما لقيتش أي مكان فيه بشر غير حضرتك

- وعرفتي إزاي؟

- دخلت البيوت اللي في الشارع لقيتها كلها فاضية ومفتوحة ... حضرتك الوحيد اللي عنده باب مقفول... حضرتك مش فاكرني؟

- الحقيقة لأ ..

- أنا صاحبة أمينة ..

- آه أمينة بنتي ..

- أنت كنت عندها ..هي كويسة ؟

تتأمل سلمى الدكتور بحزن وتقول :

-أنا عايزة أسألك عليها ..

- والله يا بنتي مش فاكر هي سافرت فين ..آخر مرة كلمتني من عشر سنين، و قالت إنها جاية في الطريق، لكن أنا زعلان من ولادها و جوزها مفيش حد فيهم بيرفع السماعة ويتصل.

مرة أخرى تتأمل سلمى الرجل الذي تصورت أنه يحتفظ بذاكرته لكن خاب أملها وقالت لنفسها " لعله يحتاج للعلاج فقط "

-حضرتك محتاج أي حاجة يا دكتور؟

-آه محتاح نضارة

-حاضر ..ح أرجع لك بعد شوية..

أغلقت سلمى باب الغرفة خلفها بقوة فانتبه الدكتور واعتقد أنه استيقظ لتوه، و أن سلمى جاءته في الحلم وتذكر صديقة ابنته التي اشتهرت بجمالها و رغبتها في الزواج من شخص أجنبي و هو ما حدث.. قال بهدوء : سلمى سافرت من 15 سنة ... ثم أضاف قائلا : أكيد قابلت أمينة في السفر !

رن جرس المنبه اليدوي القديم الذي إحتفظ به منذ أهداه إياه والده قبل رحيله وأوصاه بضبط وقته من خلاله، و رغم فقد الوقت والنظام لمعناهما فقد إعتاد ضبطه كلما وقعت عيناه عليه، و كان جرسه هو السلوى الوحيدة له وهو الخيط الذي يربطه بجذوره القريبة البعيدة، تعلم الدكتور أن جرس المنبه يقول جملة مختلفة في كل صباح ..علق : هذا المنبه عاقل تماماً، بل وناصح أمين، لو كنت أعطيته لأمينة ربما أنذرها قبل سقوط الكوبري.

سمع الدكتور حوارا بشرياً بين شخصين فانتبه متحفزاً و قام مسرعًا نحو باب الغرفة، كانت سلمى تحمل حقيبتين كبيرتين و بجوارها صبي لم يتجاوز الرابعة عشرة، قدمته قائلة : ابني يوسف يا دكتور صمم يشوفك لأني حكيت له عنك كتير...

-أهلا يا يوسف..

-بيتكلم إنجليزي بس للأسف

إنطلق الدكتور في حوار طويل مع الولد الذي بدا سعيداً، بينما حاولت سلمى تهيئة مكان للطعام بلا جدوى فإقترحت أن يخرجوا من الغرفة إلى حديقة القصر لتناول الطعام، وكانت قد جلبته معها، وتردد العجوز في البداية إلا أن سلمى شجعته مؤكدة أن الجو في الخارج ليس سيئاً تمامًا.

تعاون الثلاثة في حمل أكياس الطعام، ووضع يوسف الأحجار المبعثرة في الحديقة في شكل ثلاثة مقاعد غير مريحة و مائدة، وقبل بدء تناول الطعام ناولت سلمى الدكتور نضارتين ليجربهما فانتشى مؤكدا أنه يرى تفاصيل الأشياء للمرة الأولى منذ غياب أمينة.

سأل الدكتور :

ما هي أخبار العالم ؟

قالت سلمى :

لا جديد يا دكتور ..العالم يسير كما كان منذ عشر سنوات

نظر مندهشاً، ففهمت وقالت : الوضع هنا مختلف، فالكارثة لم تمتد إلى أماكن خارج البلاد، حضرتك لو حبيت تيجي معايا و تعيش معانا بره يبقى أفضل و ح تلاقي العالم زي ما هو ..

لم يرد الدكتور سوى بابتسامة إمتنان ..ثم أضاف قائلا : أنا كنت محتاج نضارة بس.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب