صاحب الابتسامة الخافتة الرقيقة الحزينة الملهمة، ذو الشعر الطويل الناعم الملمس الذي اشتهر به في جيله وفي الأجيال كلها التي أتت بعده والتي ستأتي.
ذو الوجه الأسمر النحيل الذي أصاب أذهاننا بأنغام عذبة شجية تجذب كل أذن تلتقطها، تذيب القلوب وتغمرها بأفراح ممزوجة بحزن تجعلك تحزن وتفرح في آن واحد.
الصوت الذي شدا، ولا يزال يشدو داخل أرواحنا بكل صدق، كل تعبيرات وجهه مرآة لذلك المخزون الضخم من المشاعر الصادقة أداءً ولحنًا، هي لحظات سُكر حقيقي، مزيج بين الألفاظ والمعاني عتقهما اللحن الجميل، وأذاقنا إياها هذا الصوت الحنون، المملوء رهفًا وحسًا عاليين جدًّا، لا يصل إليهما إلا صوت الملائكة.
تجده يغلق عينيه، وتلتف أنامله الموسيقية مع تشابك الأيدين معبرًا وشاديًا، وأنا أسمعه من زمان طويل كأنني أسمعه للمرة الأولى، صوته شيء ورؤيته على الشاشة الصغيرة شيء آخر، يقف على المسرح وخلفه فرقته التي ملأت الدنيا نغمًا، مرتديًا بدلته الأنيقة، خالقًا لنفسه هالة وحالة، يشقُّ طريقًا لا يقطعه سواه في فن الحياة، صانعًا عالمًا من الهمس الدافئ المحاط بكلمات لها جذور متأصلة في نفوس جمهوره العريق.
كل كلمة تتفوه بها هذه الحنجرة الحزينة، كانت تنطق من روحه لا من جسده النحيل البالي، يغلفها بالحب الذي يبني ويجدد النفس، تستنطق هذه الروح كل ذلك العمق الفج كأنها خيوط طيف يربطنا به وبحالته هذه على مدار سنين وسنين.
ولما اجتاز كل العقبات والصعاب التي واجهته في جبال وتضاريس هذه الأغنية، وصل إلى نبع جاف من مشاعر الغربة التي أحسست بها أنا، وتذوقتها نفسي الخائرة الضعيفة المنحنية المكسورة حين شدا وقال:
يا فاتنًا عمري..
هل انتهى أمري
أخاف أن أمشي في غربتي
وحدي في ظلمة الأسر
يا مالكًا قلبي..
حديث الغربة في هذا اللحن من أقوى اللحظات الصعبة التي تتفجر من النفس البشرية الضائعة على جسور الحياة البالية، ليت الإنسان يجد نفسه ولا يضيعها، يحتفظ بحالتها نقية، دائمًا يجدد من روحه، ولا يسير أبدًا وحده، ولا يترك مشاعر الغربة والأسر تتسلق روحه في ذلك العالم المظلم.
مقال في غاية الروعة، مبدع أستاذ أرميا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.