قراءة في رواية سِيف الصّوّان للكاتب نصر بالحاج بالطيب

تُقدّم رواية «سيف الصوان» لنصر بالحاج بالطيب محاكمةً وجودية وتاريخية لمرحلة الاستعمار في تونس عبر سيرة شخصية معقدة تبحث عن التطهّر في عمق الصحراء.

«سِيف الصّوّان» هو اسم مكان في عمق الصحراء التونسية به أعلى كثيب رملي في تونس بارتفاع 300 متر عن سطح البحر. وقد اتّخذ الأديب التونسي نصر بالحاج بالطيب من هذا الاسم عنوانًا لروايته المتوّجة بإحدى الجوائز المرموقة في تونس وهي جائزة الكومار الذهبي لسنة 2026. لتكون هذه الرواية استكمالًا لثلاثية الصحراء بعد روايتيه السابقتين «تِمبايين» و«بير عَوين».

من هو نصْر بالحَاج بالطَّيّب؟

نصْر بالحَاج بالطَّيّب؛ طبيب جرّاح تونسيّ ولد في قرية «دوز» من قرى ولاية قابس، على نحو يزيد عن أربعمائة كيلومتر جنوب تونس العاصمة. وهو طبيب جمع بين الأدب والعلم؛ فهو روائيّ وكاتب قصّة وجرّاح في آنٍ معًا.

ومنطقة دوز بالجنوب التونسي تُعرف ببيئتها الصحراوية ونبوغ أهلها في العلم والشعر. غير أنّ الكاتب اختار الرواية للتعبير عن مغامرة الإنسان في تلك الفيافي والصحاري الممتدّة. ومن علاقة الإنسان بالمكان نسج خيوط رواياته.

ونقدم هنا قراءة نقدية في رواية «سيف الصوان» للأديب التونسي نصر بالحاج بالطيب الحائزة على جائزة الكومار الذهبي وفيها ملخّص للرواية ومقارنة بين الكاتب وإبراهيم الكوني في طريقة تناولهما لموضوع الصحراء في أدبهما.

الكاتب التونسي نصْر بالحَاج بالطَّيّب

ملخّص رواية «سِيف الصّوّان»

تقدّم لنا هذه الرواية شخصية شديدة التعقيد، شديدة التناقض هي شخصية «بوبكر الرُّوبي» الذي تطوّع في فيلق عسكري فرنسي زمن الاستعمار ليستغلّ المستعمر خبرته بالصحراء وشغفه بالسلطة وميله إلى العنف فيحوّله إلى أداة للبطش بأبناء جلدته من المقاومين، ففتك بهم وبلغ من أمره في التنكيل بهم أبشع مظاهر الوحشية إلى درجة أنّ الرواية تصوّره في بعض مقاطعها «فاقدًا لإنسانيته» بل أشبه بوحش كاسر يستعمل نفوذه في البطش والتقتيل ويتلذّذ بتعذيب الآخرين في نوع من «السادية» التي لا يخفيها، إذ تقول الرواية عنه في صفحتها 50 «منتهى سعادته أن يخافه النّاس. يهبه بكاء الآخرين وخوفهم نشوة وعلوًّا».

وإن لطَّف حبّه لزوجته الثانية الفاتنة بعضًا من غلوائه، إلاّ إنّه ينتهي في آخر حياته إلى شعور حادّ بالندم ويريد أن يكفّر عن ذنوبه بعد أن استبدّت به الكوابيس وحاصرته الهواجس وفقد الطمأنينة وراحة البال. فتدفع به الرواية في رحلة شاقّة إلى مجاهل الصحراء طلبًا للتطهّر كما أوصاه بذلك عرّاف من «التوارق» ليلقى حتفه في رمالها.

وبذلك تتكثّف في سيرة هذه الشخصيّة معاني الخلاص والقَصاص. هكذا هي «سيف الصّوّان» بقدر ما تتوغّل في الصحراء، تتوغّل في الحقيقة. وبقدر ما تبحث عن الخلاص، تتورّط في القَصاص. وبقدر ما حاكمت «السّرجان شاف بوبكر الرّوبي»، حاكمتنا.
الصحراء كون سرديّ

لا تبدو «ثيمة» الصحراء غريبة عن الأدب العربي، وهو ما يدفعنا إلى المقارنة بين كاتبنا نصر بالحاج وبين الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، وهي مقارنة يفرضها تصدِّي الرجلين لعوالم الصحراء وتحويلها إلى «مسرود». وللوهلة الأولى تبرز نزعة «أنسنة الصحراء» عند الرجلين، إذ لا تبدو الصحراء في هذا النوع من الروايات مجرّد جغرافيا فقط أو فضاءً شديد القسوة، بل هي حكايات وأساطير وتاريخ وصراع من أجل الحياة.

وإذا كان الكوني أميل في رواياته عن الصحراء إلى «أسطرتها» والتركيز على فكرة «وحدة الوجود» من خلال مكوناتها من إنسان وحيوان وجماد، فإنّ نصر بالحاج استدعى من خلالها تاريخًا ظلّ طيّ الكتمان، فحوّلت روايته سيرة بطلها إلى «محاكمة» لمرحلة مثيرة للجدل من تاريخ تونس الحديث هي مرحلة الاستعمار.

وإذا كان الكوني قد لجأ في تقنياته الروائيّة إلى الرمز والأسطورة، فإنّ نصر بالحاج بالطيب قد اتّكأ إلى تقنيات التحليل النفسي حين شرَّح شخصياته ودفعها إلى الاعتراف والتطهّر وكشف تناقضاتها ونفذ إلى «لاوعيها» وبواطنها.

في كلمة يمكن الإقرار بأنّ «صحراء» الكوني أقرب إلى الواقعية السحرية، بينما «صحراء» نصر بالحاج أقرب إلى الوجودية والملحميّة حيث يكافح الإنسان قسوة المكان ووطأة التاريخ وثقل الذكريات من أجل نحت كيانه والتغلّب على هواجسه، ومن أجل البحث عن الحقيقة وطلب الطمأنينة والسلام.

«سيف الصوان» رواية عميقة عمق الصحراء، نجح كاتبها في صياغتها في لغة متينة تنهل من أساليب القرآن والشعر. تقضُّ مضاجع القارئ وتدفعه إلى إعادة التفكير في وجوده وتناقضاته وتاريخه، وبقدر نبشها في التاريخ المحلّي فإنّها تنفتح على آفاق إنسانية أرحب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة