نصب الفعل المضارع: أدواته وعلاماته وإعرابه بالتفصيل

نصب الفعل المضارع هو تغير نحوي يطرأ على آخر الفعل المضارع عند دخول إحدى أدوات النصب عليه، وتكون علامة نصبه الفتحة الظاهرة (للصحيح والمعتل بالواو والياء)، أو الفتحة المقدرة (للمعتل بالألف للتعذر)، أو حذف النون (إذا كان من الأفعال الخمسة). وتتنوع أدوات النصب بين ما ينصب بنفسه مباشرة (أنْ، لن، كي، إذن) وما ينصب بأن المضمرة جوازًا أو وجوبًا.

تتميّز اللغة العربية بدقّة نظامها النحوي الفريد الذي لا نظير له في اللغات الأخرى، إذ لا تأتي الحركات الإعرابية فيها زينةً صوتية فحسب لضبط أواخر الكلم، بل تؤدي وظائف دقيقة وحيوية في بيان المعنى المراد، وتحديد العلاقات المنطقية والتركيبية بين الكلمات داخل الجملة. 

ومن أبواب النحو العظيمة التي تكشف عن هذه الدقة المتناهية باب نصب الفعل المضارع؛ فهو باب واسع تتداخل فيه الأدوات والمعاني، وتتنوّع فيه علامات الإعراب حسب صورة الفعل، ووزنه الصرفي، وحالة آخره حسب الصحة والاعتلال.

والفعل المضارع في الأصل معرب، وهذا يعني أنه ليس مبنيًا كالفعل الماضي أو فعل الأمر اللذين يلزمان حالة واحدة (إلا في حالتين يبنى فيهما المضارع وهما: اتصاله بنون النسوة أو نون التوكيد). بناءً على ذلك، يتغيّر آخره تبعًا للعامل النحوي الداخل عليه، فيكون مرفوعًا إذا لم يسبقه ناصب أو جازم، ومنصوبًا إذا سبقه ناصب، ومجزومًا إذا سبقه جازم. 

ومن هنا كان فهم أدوات النصب وعلاماته وتأثيراتها المختلفة ضرورةً حتمية لكل دارس للعربية ولكل كاتب ومحرر؛ لأن ضبط هذه القاعدة بدقة يعين على سلامة القراءة والكتابة، ويحمي النصوص من اللحن، ويكشف للمتأمل عن دقائق المعنى وبلاغته في النصوص الأدبية، والمقالات العلمية، والنصوص الشرعية على حد سواء.

وتزداد أهمية هذا الموضوع وتتجلى صعوبته أحيانًا عند دراسة قسم محدد منه، وهو نصب الفعل المضارع المعتل الآخر؛ إذ تختلف علامة نصبه باختلاف حرف العلة الواقع في آخره، فتظهر الفتحة خفيفةً على الواو والياء، في حين تُقدَّر تقديرًا كاملًا على الألف لتعذّر ظهورها واستحالة نطقها.

ويتناول هذا البحث المرجعي الشامل أدوات نصب الفعل المضارع، وبيان أقسامها بالتفصيل، ثم يوضح علامات نصب المضارع المعتل الآخر والصحيح والأفعال الخمسة، مستعينًا بأمثلة تطبيقية وشواهد بلاغية ونحوية من آيات القرآن الكريم، ونصوص الحديث النبوي الشريف، وعيون الشعر العربي، مع تقديم إعراب تفصيلي يذلل الصعاب أمام القارئ.

الفعل المضارع وحكمه الإعرابي الأصلي

الفعل المضارع في تعريفه النحوي المبسط هو الفعل الذي يدل على حدوث عمل أو فعل أو حالة في الزمن الحاضر (الآن) أو الزمن المستقبل، ويتميز دائمًا ببدئه بأحد أحرف المضارعة المجموعة في كلمة «نأتي» (النون، الهمزة، التاء، الياء)، مثل: يكتب، يقرأ، يجتهد، يسعى، يدعو، يرمي، نلعب، أستغفر، تشارك.

والأصل الثابت في الفعل المضارع أن يكون مرفوعًا دائمًا، ما لم يدخل عليه عامل خارجي يغيّر حكمه الإعرابي، وعامل الرفع هنا هو «التجرد»، أي تجرده من النواصب والجوازم. فنقول على سبيل المثال: يكتبُ الطالبُ واجبهُ بإتقانٍ.

فالفعل «يكتب» إعرابه: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره؛ لأنه لم يسبقه ناصب ولا جازم.

فإذا دخلت عليه إحدى أدوات النصب، تغيّر حكمه الإعرابي فورًا من الرفع إلى النصب، فنقول مغيّرين سياق الجملة لتفيد النفي المستقبلي:

لن يهملَ الطالبُ واجبهُ أبدًا.

فالفعل «يهمل» أصبح منصوبًا بسبب دخول الحرف «لن» عليه، وظهرت الفتحة على آخره بوضوح.

ومن هنا يمكن صياغة تعريف دقيق لمفهوم نصب الفعل المضارع بأنه: تغيّر نحوي يطرأ على آخر الفعل المضارع بسبب دخول أداة من أدوات النصب عليه، وتكون علامة نصبه الفتحة (الظاهرة أو المقدرة)، أو ما ينوب عنها حسب نوع الفعل وصورته (كحذف النون في الأفعال الخمسة).

ومن المهم جدًا التنبيه للباحثين والمتعلمين إلى أن النواصب في اللغة العربية ليست جميعها في مرتبة واحدة ولا تعمل بطريقة متطابقة؛ فمنها أدوات قوية ما ينصب الفعل المضارع بنفسه مباشرة دون وسيط، ومنها ما ينصبه بواسطة (أنْ) المضمرة التي لا تظهر في اللفظ وتختفي عن العين، ولكن يقدّر النحاة وجودها في الإعراب لضمان استقامة القاعدة.

ما هي حروف نصب الفعل المضارع؟

قسَّم علماء النحو أدوات نصب المضارع إلى قسمين رئيسين من حيث طريقة العمل:

1- حروف تنصب الفعل المضارع بنفسها (مباشرة)

وهي أربعة أحرف أساسية متفق عليها، تعمل النصب بمجرد دخولها على المضارع، وهي: (أنْ، لن، كي، إذن).

أ- أنْ (المصدرية)

«أنْ» حرف مصدري ونصب واستقبال، مبني على السكون لا محل له من الإعراب. يدخل على الفعل المضارع فينصبه، ويؤول مع الفعل بعده بمصدر (يسمى المصدر المؤول).

مثل: أريدُ أنْ أتعلمَ مهاراتٍ جديدةً.

فـ «أتعلم» فعل مضارع منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. والمصدر المؤول من (أن أتعلم) في محل نصب مفعول به للفعل (أريد)، والتقدير: أريدُ التعلّمَ.

ومن الشواهد القرآنية البليغة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184].

فالفعل «تصوموا» منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. والمصدر المؤول (أن تصوموا) في محل رفع مبتدأ، التقدير: صيامُكم خيرٌ لكم.

ويظهر أثر «أن» جليًا في تحويل الفعل وما بعده إلى معنى مصدري خالص، فقولنا: يسرني أن تنجحَ، يساوي في المعنى تمامًا قولنا: يسرني نجاحُك. وهذا يكشف بوضوح أن «أنْ» لا تؤدي وظيفة إعرابية شكلية فحسب، وإنما تؤدي كذلك وظيفة دلالية عميقة في ربط الحدث بما قبله وتحويله إلى اسم جامد معنوي.

ب- لن

«لن» حرف نفي ونصب واستقبال، مبني على السكون، تدخل على المضارع فتنفي وقوعه وتنفيه نفيًا قاطعًا في المستقبل.

مثل: لن أهملَ دروسي مهما كثرت الملهيات.

فالفعل «أهمل» مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

ومن شواهد القرآن الكريم الخالدة قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].

فـ «تنالوا» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.

وتفيد «لن» نفي الفعل في الزمن المستقبل تحديدًا، ولذلك يختلف معناها الجوهري عن الحرف «لم» التي تختص بنفي المضارع وقلب معناه وزمنه إلى الماضي، فنقول: «لم يذهبْ» (تفيد أنه لم يفعل ذلك في الماضي)، أما «لن يذهبَ» فتفيد نفي الذهاب مطلقًا في المستقبل.

ج- كي

«كي» حرف تعليل ونصب واستقبال، وتفيد بيان السبب أو الغاية التي من أجلها وقع الفعل الذي يسبقها. ويعد نصب الفعل المضارع بكي من أكثر الأساليب شيوعًا في الكتابة العربية لتوضيح المسببات.

مثل: اجتهدْ كي تنجحَ في حياتك.

فالفعل «تنجح» مضارع منصوب بـ «كي»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. (ويشترط لنصب الفعل بـ «كي» بنفسها أن تسبقها اللام لفظًا مثل «لكي» أو تقديرًا كما في المثال السابق).

ومن الشواهد القرآنية العظيمة قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].

فالفعل «يكون» منصوب بـ «كي»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، و«لا» هنا نافية لا عمل لها إعرابيًا.

وتظهر قيمة «كي» في ربط الفعل بنتيجته أو غايته المرجوة، فهي لا تكتفي بإحداث النصب الظاهري، وإنما تضيف إلى الجملة معنى التعليل السببي العميق؛ فقولنا: أقرأ كي أتعلم، يربط القراءة بالتعلم، ويجعل التعلم غايةً عظمى للفعل الأول.

د- إذن

«إذن» (وتُكتب أحيانًا «إذًا») حرف جواب وجزاء ونصب واستقبال، ولكن نصبها للمضارع ليس مطلقًا كبقية الحروف، بل له شروط صارمة دقيقة معروفة عند النحاة، من أهمها:

  1. أن تتصدر جملة الجواب (تأتي في بداية الجملة الردية).
  2. أن يكون الفعل المضارع الواقع بعدها دالًا على الزمن المستقبل.
  3. ألا يفصل بينها وبين الفعل المضارع فاصل أجنبي.

مثل أن يقول لك شخص: سأجتهد في دراستي هذا العام. فتقول مجيبًا له: إذن تنجحَ بتفوق.

فالفعل (تنجح) مضارع منصوب بـ (إذن) لتوافر الشروط. أي: إذا اجتهدت فسوف يكون جزاؤك أن تنجح.

ويجب الانتباه ومراعاة شروط عمل «إذن» بكل دقة؛ لأن إهمال هذه الشروط يؤدي حتمًا إلى بطلان عملها وعدم نصب الفعل بعدها، فيعود لحالته الأصلية وهي الرفع.

حروف نصب الفعل المضارع

أدوات تنصب الفعل المضارع بأنْ المضمرة

يعد نصب الفعل المضارع بأن المضمرة من أدق المباحث النحوية التي تبرز ذكاء اللغة العربية واختصارها. فهناك أدوات لا تنصب الفعل المضارع بنفسها مباشرة، وإنما يكون النصب بعدها بتقدير وجود (أنْ) المضمرة (أي المخفية)، ومن أبرز هذه الأدوات: لام التعليل، وحتى، ولام الجحود، وفاء السببية، وواو المعية، وأو في بعض استعمالاتها.

نصب الفعل المضارع بأن المضمرة وجوبًا وجوازًا

لا تُضمر (أن) عشوائيًا، بل تخضع لقواعد الوجوب والجواز:

 الجواز (أي يجوز إظهار «أن» ويجوز إخفاؤها): ويكون ذلك بعد «لام التعليل»، وكذلك بعد حروف العطف (الواو، الفاء، ثم، أو) إذا عطفت فعلًا مضارعًا على اسم صريح.

 الوجوب (أي يمتنع إظهار «أن» تمامًا ويجب إخفاؤها): ويكون ذلك بعد خمسة أحرف هي: (لام الجحود، حتى، فاء السببية، واو المعية، أو الناصبة).

أ- لام التعليل (حالة الجواز)

لام التعليل حرف جر يدل على الغاية والسبب، ويأتي بعدها المضارع منصوبًا بأن مضمرة جوازًا.

مثل: جئتُ لأتعلمَ.

التقدير: جئتُ لأن أتعلم. (وهنا يجوز إظهار أنْ، وهو ما يجعل الإضمار جائزًا).

فالفعل «أتعلم» إعرابه الدقيق: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. والمصدر المؤول في محل جر بلام التعليل.

ومن الشواهد القرآنية قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].

فالفعل «تبين» منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وتكشف هذه اللام بوضوح عن العلاقة السببية بين الفعل وهدفه، فهي تجعل الجملة أكثر تحديدًا في المعنى، إذ تبين الغرض والدافع الذي من أجله وقع الفعل الأول.

ب- حتى (حالة الوجوب)

تأتي «حتى» للدلالة على الغاية (بمعنى إلى أن) أو التعليل (بمعنى كي)، وقد تدخل على المضارع فيكون منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا، بشرط أن يكون الفعل بعدها دالًا على الاستقبال.

ما هي شروط نصب المضارع بعد «حتى»؟

ينصب الفعل المضارع بعد (حتى) بـ (أن) مضمرة (مقدرة) وجوبًا، بشرط: 

الدلالة على الاستقبال: أن يكون الفعل واقعًا في المستقبل بالنسبة لما قبلها. أما إذا دل الفعل على الحال (الزمن الحاضر)، فيجب رفعه.

أن تكون (حتى) جارة: تفيد الغاية أو التعليل (بمعنى إلى أن، أو لكي)، ويكون الفعل بعدها منصوبًا بـ (أن) المضمرة، والمصدر المؤول في محل جر بـ(حتى).

مثل: أجتهدُ في عملي حتى أنجحَ.

فالفعل «أنجح» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد «حتى»، وعلامة نصبه الفتحة.

ومن شواهد القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91].

فالفعل «يرجع» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد «حتى» الغائية. وقد تدل «حتى» على الغاية الزمنية أو المعنوية، فتربط الفعل السابق بمدى زمني أو معنوي ينتهي إليه.

ج- لام الجحود (حالة الوجوب)

لام الجحود هي اللام التي تأتي بعد كون منفي (أي فعل «كان» ومشتقاته مسبوقًا بنفي)، مثل: ما كان، لم يكن، ما يكون. ويكون الفعل المضارع بعدها منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا. وفائدتها تقوية النفي وتوكيده.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: 179].

فالفعل «يذر» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

وتفيد هذه اللام المخصوصة شدة النفي واستبعاده استحالةً، ولذلك كان استعمالها قويًا وبليغًا في الأسلوب العربي، فهي لا تؤدي مجرد النفي العادي، بل تحمل معنى التوكيد الصارم والاستبعاد القطعي للحدث.

د- فاء السببية (حالة الوجوب)

تنصب فاء السببية المضارع بأن مضمرة وجوبًا إذا سبقتها جملة فيها نفي محض أو طلب محض (والطلب يشمل: الأمر، النهي، الاستفهام، التمني، الترجي، العرض، التحضيض، الدعاء)، وكان ما بعدها نتيجةً مترتبة ومسببة عما قبلها.

مثل النفي: ما قصرتُ في عملي فأندمَ. (الفعل أندم منصوب بأن مضمرة وجوبًا).

ومثل الطلب (النهي): لا تهملْ فتندمَ.

فالفعل «تندم» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية. ومعنى الجملة: لا تهمل، فيترتب على إهمالك وتخاذلك الندم.

ومن الأساليب العربية المشهورة في (الأمر): اجتهدْ فتنجحَ.

أي: اجتهد، ويترتب حتمًا على اجتهادك النجاح. وهنا يظهر الترابط الوثيق بين النحو والدلالة البلاغية؛ فالحركة الإعرابية المنصوبة ليست منفصلة عن المعنى، بل تسهم بقوة في بيان العلاقة السببية الحتمية بين أجزاء الكلام.

هـ- واو المعية (حالة الوجوب)

تنصب واو المعية المضارع بأن مضمرة وجوبًا عندما يكون معناها «مع» الخالصة للمصاحبة، ويكون الفعل بعدها مصاحبًا مقترنًا بالفعل السابق، ولا يصح حمل الواو على معنى العطف المجرد في السياق. ويُشترط فيها ما يُشترط في فاء السببية (أن تُسبق بنفي أو طلب).

مثل: لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه.

أي: لا تجمع بين نهيك للناس عن الخلق السيئ وبين إتيانك أنت مثله في الوقت ذاته.

فالفعل «تأتي» منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية. وقد اشتهر هذا الأسلوب البليغ في الشعر العربي وسنفصله لاحقًا في قسم الشواهد الشعرية.

و- «أو» الناصبة في بعض استعمالاتها (حالة الوجوب)

قد تأتي «أو» بمعنى «إلى أن» (الغاية) أو «إلا أن» (الاستثناء)، وعندئذ ينصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبًا.

ومن الشواهد الشعرية القوية قول الشاعر:

لأستسهلنَّ الصعبَ أو أدركَ المنى    فما انقادتِ الآمالُ إلا لصابرِ

فـ «أدرك» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حرف العطف «أو»، على تقدير معنى الغاية (إلى أن أدرك). وهذا الاستعمال العبقري يبين ثراء العربية ومرونتها؛ إذ قد تنتقل الأداة من معناها الأصلي (التخيير) إلى معنى آخر (الغاية أو الاستثناء) حسب السياق المنطقي، ولا يصح الحكم على الأداة منفردة بمعزل عن النظر في تركيب الجملة ومقصد المتكلم.

علامات نصب الفعل المضارع

الأصل والقاعدة الأم في نصب الفعل المضارع أن تكون علامة نصبه الفتحة، غير أن هذه الفتحة قد تكون ظاهرة بيّنة، وقد تكون مقدرة مخفية لسبب صوتي، وقد ينوب عن الفتحة علامة فرعية وهي حذف النون في حالة الأفعال الخمسة. وتختلف العلامة باختلاف صورة الفعل وتكوينه الصرفي على النحو التالي:

  1. الفتحة الظاهرة: وتكون في الفعل المضارع الصحيح الآخر (الذي لا ينتهي بحرف علة)، مثل: يكتب، يقرأ، يجتهد. فنقول عند النصب: لن يكتبَ، كي يقرأَ، أن يجتهدَ. وكذلك تظهر الفتحة على المعتل بالواو والياء لخفتها.
  2. الفتحة المقدرة: وتكون في الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف فقط، حيث يمنع من ظهور الفتحة «التعذر» (أي استحالة نطق الحركة على الألف الممدودة أو المقصورة).
  3. حذف النون: وتكون علامة نصب فرعية تنوب عن الفتحة إذا كان الفعل المضارع من «الأفعال الخمسة» (وهي كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة). مثل: يكتبان (لن يكتبا)، تعملون (كي تعملوا)، تدرسين (أن تدرسي).

أما الفعل المعتل الآخر، فله أحكام دقيقة تتغير فيها علامة نصبه حسب حرف العلة المنتهي به، وهو ما سنفصله في القسم التالي.

نصب الفعل المضارع المعتل الآخر

الفعل المضارع المعتل الآخر هو ما كان آخره حرف علة أصلي، وهو إما الألف أو الواو أو الياء.

مثل: يسعى (معتل بالألف)، يدعو (معتل بالواو)، يرمي (معتل بالياء)، يعلو (معتل بالواو).

وعند نصب هذه الأفعال، يجب مراعاة طبيعة الحرف الأخير، وتكون العلامة على النحو الآتي:

1. الفتحة الظاهرة على المضارع المعتل بالواو

إذا كان آخر الفعل واوًا أصلية، فإن الفتحة تظهر عليه بوضوح عند النصب؛ لأن الفتحة حركة خفيفة يسهل نطقها على الواو دون ثقل.

مثل: لن أدعوَ إلى الشر أبدًا.

فـ «أدعوَ» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

وكذلك: يجب أن يعلوَ الحقُّ فوق كل صوت.

فالفعل «يعلو» منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

ومن المهم جدًا للمحررين والكتاب تصحيح بعض الصيغ الإملائية الشائعة الخاطئة في هذا الباب؛ فالصواب أن يقال: لن أدعوَ، وليس إلحاق ألف فارقة بعدها فتُكتب خطًا «لن أدعوا»؛ لأن الواو هنا أصلية في بنية الفعل وليست واو الجماعة، والفعل هو «أدعو» ويُنصب آخره بالفتحة الظاهرة مباشرة.

2. الفتحة الظاهرة على المضارع المعتل بالياء

إذا كان آخر الفعل ياءً، ظهرت الفتحة عليه كذلك لخفتها المتناهية على الياء.

مثل: لن أرميَ الكرةَ خارج الملعب.

فـ «أرميَ» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

ومثل: أريد أن أسقيَ الزرعَ في الصباح.

فالفعل «أسقي» منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الياء.

ومن ذلك أيضًا في لغة الصحافة والأدب: لن يمضيَ الحقُّ ضعيفًا ما دام له أنصار يدافعون عنه.

فالفعل «يمضي» منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة الجلية على الياء.

3. الفتحة المقدرة على المضارع المعتل بالألف

إذا كان الفعل المضارع معتل الآخر بالألف (سواء رسمت ألفًا قائمة أم مقصورة على شكل ياء غير منقوطة)، فإن الفتحة لا تظهر على الألف قط؛ لأن طبيعة الألف الصوتية لا تقبل الحركات إطلاقًا، ولذلك تكون علامة النصب فتحة مقدرة منع من ظهورها التّعذّر.

مثل: لن أسعى إلى الفساد بين الناس.

فـ «أسعى» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا.

ومثل: اجتهدْ في عملك حتى ترقى بنفسك إلى مراتب المجد.

فالفعل «ترقى» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد «حتى»، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.

أمثلة على نصب الفعل المضارع من القرآن والشعر والحديث

نورد في هذا القسم إعرابًا وتطبيقًا عمليًا، لنستعرض باقة من أمثلة الفعل المضارع المنصوب التي وردت في أعظم النصوص العربية لتأكيد فهم القواعد السابقة:

المضارع المنصوب في القرآن الكريم

جاءت الأفعال المضارعة المنصوبة، وخاصة المعتلة، في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، بما يبرز جمال النظام الإعرابي وتناسقه ودقته العجيبة.

قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

الإعراب:

 «ترضى»: فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وهذا من أوضح الشواهد على الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف في حالة النصب.

 «تتبع»: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد «حتى» الغائية، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

المضارع المنصوب في الحديث النبوي الشريف

يظهر استعمال الفعل المضارع المنصوب في الحديث النبوي الشريف في سياقات بلاغية متعددة، ولا سيما مع أدوات مثل «أن» و«لن» وحتى.

ومن الأحاديث الصحيحة المشهورة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه».

الإعراب: 

فالفعل «يحبَّ» جاء بعد «حتى»، وهو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. والشاهد هنا يجمع بين روعة المعنى وجمال الأسلوب وقوة الدلالة؛ إذ جعل الحديث محبة الخير للآخرين غايةً نهائية من الغايات التي يكتمل بها الإيمان الحق.

المضارع المنصوب في الشعر العربي 

حفل ديوان الشعر العربي بآلاف الأفعال المضارعة المنصوبة، لما تمنحه الأدوات الناصبة للشاعر من دقة متناهية في التعبير عن الغايات، والنتائج، واستشراف المستقبل المأمول.

ومن ذلك قول الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ     عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

الإعراب:

فالفعل «تأتيَ» مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية المسبوقة بطلب (نهي: لا تنهَ)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الياء. لأن المعنى المنطقي المقصود: لا تجمع في آن واحد بين نهي الآخرين عن الخلق الدنيء وبين الوقوع أنت فيه.

ويقول شاعر آخر في الحث على قوة الإرادة والصبر:

لأستسهلنَّ الصعبَ أو أدركَ المنى    فما انقادتِ الآمالُ إلا لصابرِ

الإعراب:

وفي هذا البيت يظهر نصب المضارع «أدركَ» بالفتحة الظاهرة، وهو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حرف «أو» حين تحمل معنى الغاية (إلى أن أدرك المنى)، بما يضيف إلى الجملة دلالة بلاغية تحث على الاستمرار والمكابدة في السعي والعمل الدؤوب حتى بلوغ الغاية المنشودة.

والشعر العربي، في هذا الباب الممتع، ليس شاهدًا جافًّا على القاعدة المدرسية، بل هو مجال نقدي رحب لاكتشاف أثر الإعراب في جمال العبارة وتدفقها الموسيقي ودقة الدلالة؛ فاختيار الأداة الناصبة المناسبة يربط بين الأحداث والأغراض بحنكة، ويجعل المعنى الشعري أكثر إحكامًا وانسجامًا.

خلاصة قواعد وعلامات نصب الفعل المضارع

لتثبيت المعرفة، يمكن تلخيص القواعد والأحكام التي فصلناها في النقاط المنهجية الآتية لتكون مرجعًا سريعًا:

  1. الفعل المضارع الصحيح الآخر يُنصب بالفتحة الظاهرة دائمًا، مثل: لن يهملَ.
  2. المضارع المعتل بالواو ينصب بالفتحة الظاهرة كذلك لخفتها، مثل: لن أدعوَ إلى الشر.
  3. المضارع المعتل بالياء ينصب بالفتحة الظاهرة أيضًا، مثل: لن أرميَ الكرة.
  4. المضارع المعتل بالألف ينصب بالفتحة المقدرة تقديرًا كاملًا على الألف، منع من ظهورها التعذر واستحالة النطق، مثل: لن أسعى إلى السوء.
  5. إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة (المتصلة بألف الاثنين، واو الجماعة، ياء المخاطبة)، كانت علامة نصبه الفرعية هي حذف النون، والأمثلة على ذلك:

واو الجماعة: لن تهملوا واجباتكم.

                لن يكتبوا الدرس.

ألف الاثنين: لن تفعلا ذلك.

      6. القاعدة الذهبية في الإعراب: لا يكفي أن نعرف ونتأمل آخر الفعل، بل ينبغي للمُعرب أولًا تحديد العامل الناصب (هل هو ناصب بنفسه أم بأن المضمرة)، ثم معرفة علامة النصب التي تناسب صورة الفعل ونوعه.

يتضح بجلاء في هذا البحث الشامل أن نصب الفعل المضارع ليس قاعدة مدرسية جافة، بل هو باب حيوي يجمع بحرفية بين الجانب الإعرابي اللفظي والجانب الدلالي المعنوي في لغتنا العربية الخالدة؛ فالأداة الناصبة لا تغيّر حركة الفعل في آخره فحسب، وإنما تسهم إسهامًا فاعلًا في تحديد المعنى الدقيق الذي يؤديه السياق والموقف.

وقد تأتي الأداة لنفي الحدث في المستقبل البعيد والقريب، كما في «لن»، أو لبيان الغاية والتعليل المنطقي لسبب الفعل، كما في «كي» ولام التعليل، أو لبيان الغاية الزمنية والمعنوية التي ينتهي إليها الفعل، كما في «حتى» الاستقبالية.

كما ظهر لنا تفصيلًا أن علامات نصب المضارع المعتل الآخر ليست واحدة جامدة؛ فالمعتل بالواو أو الياء تظهر عليه الفتحة بانسيابية، في حين تقدر الفتحة وجوبًا على الألف لتعذر ظهورها.

وتكشف هذه القاعدة المنطقية عن جانب مشرق من دقة العربية وتناغمها الصوتي؛ إذ تتكيف العلامة الإعرابية وتنسجم تمامًا مع طبيعة بنية الكلمة ومخارج حروفها دون أن يختل معناها الأصلي أو نظامها الهيكلي.

وتؤكد الشواهد القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية البليغة والنصوص الشعرية الأصيلة التي استعرضناها، أن القواعد النحوية لم تنشأ في الفراغ منفصلة عن الاستعمال العربي الحي، بل استُنبطت بعبقرية من كلام العرب الفصيح، وجاءت لتفسر انتظامه وتكشف للأجيال عن أسرار تركيبه المعجز.

ومن ثم فإن دراسة النحو، ولا سيما أبواب النصب، لا يجب أن تقوم على حفظ القواعد المجردة والتلقين الآلي وحده، بل يجب أن تقوم على ربط القاعدة بالشاهد الحي، والحركة الإعرابية بالمعنى المراد، والتركيب اللفظي بالسياق الدلالي الشامل.

إن إتقان أبواب النحو، وفي القلب منها نصب الفعل المضارع، ليس غايةً تقف عند ذاتها، وإنما هو خطوة أولى ضرورية في طريق أوسع وأرحب نحو امتلاك ناصية العربية؛ تلك اللغة العظيمة التي تجمع بين قوة البناء المنطقي، ورشاقة العبارة وسلاستها، ودقة الدلالة، وجمال الإيقاع الصوتي.

وكلما أحسن الدارس والكاتب وصانع المحتوى فهم هذه القواعد وتطبيقها، أصبح أقدر على قراءة وتذوق النصوص العربية قراءة واعية مستنيرة، وعلى التعبير عن أفكاره وهواجسه بلغة سليمة واضحة، لغة تحفظ للمعنى عمقه ودقته وللعبارة رونقها وجمالها الأخاذ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة