تمثل المقامات أحد أبرز وأعقد أنواع السرد في تراث الأدب العربي، لأنه يجمع بين السرد والوصف، ويرسم رحلة تحوُّل مدهشة من المجلس أو مكان الاجتماع إلى نوع أدبي متكامل له قواعده وأبطاله، ويستعرض مواقف اجتماعية بأسلوب فني رفيع، ويتتبع هذا المقال المسار التاريخي والدلالي والمسار التطوري للمقامة، بدءًا من معناه اللغوي السلس كونها (مجلس) أو (أحدوثة)، ومحاولاتها الجنينية عند ابن دريد، مرورًا بانعطافتها الحاسمة على يد بديع الزمان الهمذاني الذي أرسى بنيتها الفنية القائمة على ثنائية الراوي والبطل، وحوَّلها من فضاء الوعظ الديني إلى عالم الكُدية والظرف الأدبي. ويناقش المقال الجدل الدائر حول الريادة الإبداعية بين الهمذاني والحريري، مُعززًا بالحجج والشهادات التي تُثبت سبق الهمذاني في ابتكار هذا الفن الخالد.
وسنتعرف على العوامل التي أسهمت في ظهور المقامات، مثل قصص اللصوص وحكايات الظرفاء، وكيف استلهمت المقامة من أدب سابق مثل (ألف ليلة وليلة) و(نوادر البخلاء) للجاحظ. وسنحلل كيف تميزت المقامات عن أصولها التاريخية والوعظية، وكيف رسَّخ الهمذاني مكانته كونه رائدًا حقيقيًّا لفن المقامة.
المقامات من الدلالة اللغوية إلى المعنى الاصطلاحي
تدور الدلالة اللغوية للفظ «مقامة» حول المجلس أو جماعته أو الأحاديث التي تدور فيه، والمقامات «جمع مَقامة بفتح الميم، وهي في أصل اللغة اسم للمجلس والجماعة من الناس، وسُمّيت الأحدوثة من الكلام مقامة كأنها تُذكر في مجلس واحد يجتمع فيه الجماعة بسماعها».

وهذا المعنى اللغوي يُحيل على دار الندوة أو الندى، وهو المكان الذي تجتمع فيه القبيلة للتشاور أو السمر، ثم أصبحت تُطلق على الاجتماع نفسه، أي مجلس القبيلة وناديها.
أما الدلالة الاصطلاحية فقد شهدت مخاضًا عسرًا منذ محاولاتها الجنينية عند ابن دريد (223–321هـ) حتى أجاءها المخاض إلى الهمذاني (398هـ)، فكانت ولادة طبيعية لا سقط فيها ولا ابتسار، وقد سهَّل هذا المخاض طبقة من المتكسبين، مكنتها ثقافتها الأدبية من الذيوع، ثم جاء المناخ الثقافي ليساعد على انتشار هذا النوع السردي واعتماده.
الإرهاصات الأدبية التي مهدت لظهور المقامات
قد ساد هذا المناخ مؤلفات إخبارية قوامها السير الشعبية، وحكايات الظراف والمتماجنين، فضلًا على أخبار اللصوص التي جمعها الكاتب المصري أحمد بن يوسف (340هـ) في كتابه «المكافأة»، وقد روى فيها عنهم ما يزيد على سبعين حكاية. أضف إلى ذلك حكايات «ألف ليلة وليلة»، ومناظرة يونس بن متى حول النحو العربي والمنطق اليوناني التي ترددت أصداؤها في المقامات بهذا الأسلوب الملحوظ بين الراوي والبطل.

وقبل كل ذلك، نوادر بخلاء الجاحظ (255هـ)، بخاصة خالد بن يزيد الذي اشتهر بخالويه المُكدّى؛ فإن وصف السكندري لمغامرته في «المقامة السجستانية» عند الهمذاني يُشبه ما ذكره خالويه عن نفسه، كما أن وصيته إلى ابنه تُشبه عند الحريري وصية السروجي لولده، ووصية أبي الفتح السكندري لابنه عند الهمذاني.
الفرق بين (المَقام) الديني و(المَقامة) الأدبية
توجد أيضًا مقامات العباد عند الخلفاء، كمقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي، ومقام الأوزاعي بين يدي المنصور، ومقام السماك عند الرشيد، ومقام أعرابي بين يدي هشام، ونحوها من المقامات الدينية التي تُطرد في سياق الموعظة وليس الكدية، ولهذا تُطلق جمع «مقام» وليس «مقامة»، ويبدو من استعمال ابن قتيبة (276هـ) حين وضع في «عيون الأخبار» فصلًا بعنوان «مقامات الزهاد عند الخلفاء والملوك»، خصصه لمواعظ التقوى التي ينطق بها الزهاد، وهي مقامات تقريرية ترمي إلى غاية اعتبارية، وتقوم على المحسنات اللفظية، بخاصة الغريب والسجع والجمل المقسّمة.
المقامات والتحرر من الإسناد وبناء المتن السردي
ثم تحررت من الإسناد على هذا النحو الذي سلكه أحمد بن يوسف (340هـ)، والقاضي التنوخي (384هـ)، فالأول ضمَّن كتابه «المكافأة» أخبارًا مرسلة، إذ كانت كما يقول ترمي إلى «المكافأة» على الحسن والقبيح، تُفصِم الخاطر، وتُقرّب بُغية الراغب.
كذلك القاضي التنوخي في كتابيه «نشوار المحاضرة» و«الفرج بعد الشدة»، فقد خرج عن البنية التقليدية للخبر، إذ ضمَّن الأول حكايات ضعيفة السند لأنها ترمي إلى غاية اعتبارية، لا إلى الكدية، وكان قد «تلقفها من أفواه الرجال، وما دار في المجالس، وأكثرها مما لا يكاد يُجاوز به الحفظ في الدفاتر.. والعادية الجارية في مثله أن يُحفظ إذ سُمع ليتذاكر به إذا جرى ما يُشبهه ويقتضيه، وعرض ما يُوجبه ويستدعيه، ولعل قارئها والناظر فيها أن يستضعفها إذا وجدها خارجة عن الأسانيد المعروفة في الأخبار، والطريقة المألوفة في الحكايات، والآثار الراتبة في الكتب المتداولة بين أهل الأدب».

وأما كتابه الثاني «الفرج بعد الشدة»، فمع أنه وفقًا للثعالبي «أسير من الأمثال وأسرى من الخيال»، إلا أنه تحرر من الإسناد، إذ كانت غايته اعتبارية، وهي كما يقول: «تفريغ كروب المكروبين، وانشراح صدور ذوي الألباب عندما يدهمهم من شدة ومصاب، إذ كنتُ قاسيت من ذلك في محن دُفعتُ إليها دفعًا، ما يحنو بي على الممتحن، ويحدوني على بذل الجهد في تفريغ غموم المكروبين».
فهو إذن لا يرمي إلى الكدية، وإنما يتحدث عن محنته الشخصية، وبواسطة خطاب ديني وثنائية «الشدة–الفرج».
ظهرت المقامات إذن في شكل أخبار أو أحاديث أو حكايات وعظية تحررت من الإسناد، وشُحنت المتن بتجارب ذاتية، ثم ما لبثت أن صارت نوعًا سرديًا، محدد البنية ثابت القواعد، يختلف عن أصوله اللغوية عند ابن دريد، فقد كانت أحاديثه تحليلًا لحقائق أو أحداث لغوية ينقلها شخص حقيقي، وهو «المخبر» أو «المحدث» لا للكدية، كما هو الشأن في المقامة، ولكن لغاية علمية هي تحقيقها والتثبت منها، أما المقامة فتُسند ما لا حقيقة له إلى ما لا وجود له، ولذا تقوم على الوهم من جهة المتن ومن جهة الراوي.
هكذا انتقلت المقامات من أفقها الدلالي الأول، وهو التعليم والوعظ، إلى أفق دلالي آخر هو الظرف والكدية، وصارت نوعًا سرديًا ذا بنية ثابتة، قوامها بطل رحالة «يحكي»، وراوٍ جوال «يصف» ذلك الحكي، ومن تناقلهما الشفاهي يتكون متن سردي قوامه «الحكاية» و«الرواية».
ريادة الهمذاني الإبداعية وشهادة الأدباء
بهذه البنية الثابتة تبوأ الهمذاني (398هـ) ذروة الريادة الإبداعية، وصار قدوة لمن بعده، وقد شهد الحريري (516هـ) أن الشيخ «سبّاق غايات، وصاحب آيات، وأن المتصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته». وذكر القلقشندي أنه -أي الهمذاني- «أول من فتح باب المقامة، علامة الدهر، وإمام الأدب»، وأكد ابن الصيقل الجزري (701هـ) أيضًا أنه «أوحد زمانه، وأشد أوانه».
بهذه الشهادات تبوأ الهمذاني لدى القدماء قصب السبق في الريادة الإبداعية، وليس الحريري كما ذهب بعضهم، فالحريري نفسه يعترف أنه «يتلو تلو البديع، وإن لم يُدرك الضالع شأو الضليع»، وأن النوادي الأدبية حتى عصره تعترف للهمذاني بهذا السبق، أو كما يقول: «حَرِيٌّ ببعض أندية الأدب التي ركدت في هذا العصر ريحه، وخبت مصابيحه، ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان، وعلامة همذان».

هذا الاعتراف، إضافة إلى الشهادات السابقة، ينطوي على ثنائية تفضيلية قوامها: «السابق، اللاحق»، «المبدع، المقلد»، «العمدة، الفضلة»، «الدليل، التابع»، «الضالع، الضليع»، «الإمام، المأموم»، «الأول، الثاني».
ومن الغريب أن الثعالبي (429هـ) يشهد لمعاصره البديع أنه أملى أربعمائة مقامة، ثم تزداد الغرابة دهشة حين نعلم أن الهمذاني الذي لم يُعمر أكثر من أربعين سنة (358–398هـ)، يؤكد ذلك، ثم يضيف أنه ليس من بين هذا العدد واحدة كالأخرى.
دحض ريادة ابن دريد وتأكيد سبق الهمذاني في المقامات
في نص موهِم نجد معاصرًا آخر، هو الحصري القيرواني (403هـ)، يؤكد أن الهمذاني «لما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثًا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها الأفكار والضمائر، في معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسِّع فيها، إذ صرف ألفاظها ومعانيها في وجوه مختلفة، وضروب منصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفًا، تقطر حسنًا، لا مناسبة بين المقامتين، لفظًا ولا معنًى، وقف مناقلتها بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام، والآخر أبا الفتح السكندري، وجعلهما يتهاديان الدر، ويتناقشان السحر، في معانٍ تُضحك الحزين، وتحرّك الرصين، يتطلّع منها كل طريقة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية، وخص أحدهما بالرواية».
هذا النص الموهم استند إليه بعضهم في تأكيد الريادة الإبداعية لابن دريد، غير أن الاستناد إلى هذا النص يُسطّح القضية، ويزيدها غموضًا، ففضلًا على أنه يخلط بين الريادتين التاريخية والإبداعية، فأحاديث ابن دريد، على طرافتها، سرديات إخبارية تنطوي على إسناد كامل وشخصيات حقيقية، أما المقامة فأسانيدها وهمية، وكذلك شخصياتها، إذ إنها كما قلنا تُسند ما لا حقيقة له إلى ما لا وجود له، شأنها في ذلك شأن الحكاية، والخرافة، والأحدوثة من الكلام.
في ختام هذه الرحلة المعرفية، يتضح أن فن المقامات لم يولد مكتملًا، بل مرَّ بمخاض طويل وتحولات عميقة نقلته من مجالس الوعظ الديني إلى آفاق السرد الأدبي القائم على الصنعة اللغوية والظرف والاحتيال، وعلى الرغم من وجود إرهاصات ومحاولات سابقة، فإن الشهادات التاريخية والبنية الفنية للمقامات تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن بديع الزمان الهمذاني هو الرائد المبدع الذي صاغ هذا القالب الفني، مانحًا إياه هويته الخاصة بفضل شخصيتي عيسى بن هشام وأبي الفتح السكندري. لقد ترك الهمذاني بذلك بصمة خالدة، وأسس لتقليد سردي فريد، سار على دربه من بعده الأدباء وفي مقدمتهم الحريري، ليظل فن المقامات شاهدًا على عبقرية السرد العربي وقدرته على الابتكار والتجديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.