نشأة البلاغة العربية.. كيف وُلد النقد الأدبي في العصر الجاهلي؟

إن نشأة البلاغة العربية لم تبدأ من الكتب والقواعد، بل وُلدت من قلب الصحراء، على ألسنة الشعراء وفي أسواقهم التي كانت تعج بالحياة والنقد. إن الدارس لآداب العربية يتعيَّن عليه ابتداءً أن يعرف ماهية الأدب وموضوعه، ليتمكن من الوقوف على ما أنتجته قرائح العرب من علوم وفنون، والتعرف على تجاربهم ومعارفهم، بواسطة لغة ظهرت طَيِّعة في التعبير عن أفكارهم وأحاسيسهم، وليندرج منه إلى فهم آداب اللغة بمعناها العام والخاص. واللغة العربية كغيرها من اللغات كائن حي، ينمو ويتجدد باستمرار حسبما تقتضيه الظروف الاجتماعية والسياسية، ويُعدُّ الشعر الجاهلي شاهدًا على أن نشأة البلاغة العربية لم تكن وليدة علم مقنن، بل كانت نابعة من ذوق فطري عميق.

في هذا المقال، نتبع تاريخ البلاغة العربية من جذورها الأولى في الشعر الجاهلي والبلاغة، ونكشف كيف تحول هذا الذوق إلى قواعد نقدية مهدت الطريق لعلم البلاغة كما نعرفه اليوم.

صندوق المفاهيم: الطبع والصنعة في الشعر

لفهم النقد الأدبي القديم، من المهم معرفة هذين المصطلحين:

  • الشعر المطبوع: هو الشعر الذي يتدفق من الشاعر بسلاسة وعفوية، كأنه طبع وفطرة، دون تكلف أو مراجعة طويلة.

  • الشعر المصنوع: هو الشعر الذي يخضعه صاحبه للتنقيح والمراجعة والتثقيف، ويعيد النظر فيه مرارًا ليصل به إلى الكمال الفني، ويُعرف أصحابه بـ(عبيد الشعر).

بلاغة العصر الجاهلي عفوية لا تخلو من الصنعة

إن الإلمام بنشـأة البلاغة العربية يستدعي أولًا الرجوع إلى ما وصل إلينا من أدب العرب في العصر الجاهلي، وإن الدارس لهذا الأدب شعره ونثره ليصيبه العجب حقًا من العرب الجاهليين وامتلاكهم ناصية القول، ومن تفننهم في أساليب التعبير عن أفكارهم وخواطرهم إلى درجةٍ تشهد لهم بعلو المكانة في عالم الفصاحة والبلاغة.

بلاغة الأدب الجاهلي

ففي أشعار الجاهليين التي كانت تمثل معظم أدبهم، يرد كثير من أساليب البيان المختلفة، من تشبيه ومجاز واستعارة وكناية وما إلى ذلك، وهذه الأساليب سواء ما يتصل منها باللفظ أو المعنى كانت ترد في الغالب إلى خواطرهم ورودا عفويًا، لا تكلف فيه ولا تعمّلًا، ولعل هذا راجع في المحل الأول إلى ما فُطروا عليه من طبيعة شعرية جميلة، يوائمها أن يعبر عنها بصور من البيان خلابة مؤثرة.

حقًا كان من أولئك الشعراء من يرسل القول إرسالًا فإذا شعره لا يفترق عن النثر إلا في النظم، لكن من الحق أيضًا أنه كان فيهم من يتروى في شعره، ويبالغ في تنقيحه وتثقيفه، كما كان الشأن بالنسبة إلى زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما، ولعلهما بهذه المحاولة عن قصد أو غير قصد كانوا يقصدون الانتقال بالشعر إلى طور جديد يكون الشعر فيه لذات الشعر قبل أي حساب آخر.

شهادات من التراث: الجاحظ وابن رشيق ورأي الأصمعي

لإيضاح الفرق بين الشعر المطبوع والمصنوع، نستعين بشهادات كبار نقاد التراث:

وعن هذه المحاولة يحدثنا الجاحظ بقوله في البيان والتبيين: «ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله تعالى من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات والمقلّدات والمنقّحات والمحكّمات، ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا، وشاعرًا مفلقًا، وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد، ومنها الشواهد، ومنها الشوارد، والشعراء عندهم أربع طبقات، فأولهم: الفحل الخنذيذ، والخنذيذ هو التام، قال الأصمعي: قال رؤبة: الفحولة هم الرواة، ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور».

ويورد لنا الجاحظ رأي الأصمعي في أصحاب الحوليات والمنقحات مع التعليق عليه فيقول: «وقال الأصمعي: زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من جود في شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يُخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة، وكان يقال: لولا أن الشعر قد كان استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة ومن يلتمس قهر الكلام واغتصاب الألفاظ لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهم المعاني سهوًا ورهوًا، وتنثال عليهم الألفاظ انثيالًا».

وفي كلامه عن الشعر المطبوع والمصنوع يعلل ابن رشيق القيرواني ما يبدو في أشعار غير المولدين من أثر الصنعة بقوله: «والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفوًا، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجانس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها -هو- في فصاحة الكلام وجزالته وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي.. واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت والبيتين في القصيدة بين القصائد، يستدل بذلك على جودة شعر الرجل، وصدق حسه وصفاء خاطره، فأما إذا كثر ذلك فهو عيب يشهد بخلاف الطبع وإيثار الكلفة».

كل هذه المقتبسات تؤكد طبيعة الشعر الجاهلي وبلاغته السمحة التي تأبى الصنعة إلا ما جاء منها عفو الخاطر من غير قصد ولا تعمُّل، وإذا كان زهير بن أبي سلمى قد سن لشعراء الجاهلية سنة تنقيح الشعر وتثقيفه وتجويده، فليس ذلك في الواقع عن ولع منه بالصناعة الشعرية، ولعله بهذه المحاولة لا شعوريًا كان ينزع إلى الكمال الفني في الشعر، والبلوغ به إلى أسمى درجات ممكنة من التعبير، أو ليصبح فحلًا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا على حد قول الجاحظ.

دور النقاد الأوائل.. أسواق العرب ومناظرات الشعراء

ومع ما أُثر عن عرب الجاهلية، وما تميز به أدبهم من بلاغة، فقد كان منهم من يفضل قولًا على قول، كما يتجلى في مناظرات الشعراء وفيما كان يدور في أسواق العرب وأنديتهم ومجتمعاتهم من حوار أدبي عن الأشعار التي تنشد فيها.

سوق عكاظ أول منصة للنقد الأدبي عند العرب

ورد في كتاب الأغاني أنه كان يُضرب للنابغة قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وأول من أنشده الأعشى، ثم حسان بن ثابت، ثم أنشدته الخنساء تماضر بنت عمرو بن الشريد، فقالت:

سوق عكاظ للنقد الأدبي

وإن صخرًا لتأتم الهداة به        ***          كأنه علم في رأسه نار

فقال النابغة: والله لولا أن أبا بصير -يعني الأعشى- أنشدني آنفًا، لقلت إنكِ أشعر الجن والإنس، فقام حسان فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك، فقال له النابغة: يا بن أخي، أنت لا تُحسن أن تقول:

وإنك كالليل الذي هو مدركي       ***      وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطاطيفُ حُجنٍ في جبالٍ متينةٍ    ***    تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ

من هذا الخبر مثلًا نرى أن النابغة كان يتمتع بسمعة عالية بين معاصريه، وأنهم كانوا يعترفون بتفوقه وألمعيته، وأنه من صيارفة الشعر الذين بذوقهم وحسهم النقدي يستطيعون الحكم عليه، وتمييز جيده من رديئه.

إن أوليات البحث في البلاغة العربية تُلتمس إذن في مناظرات الشعراء، وفي المجالس التي كان يتصدر للحكم فيها على الشعر أمثال النابغة الذبياني، وكذلك فيما كان يثار من جدل ونقاش عن الشعر الذي كان ينشد في أسواق العرب وأنديتهم، ومن هذه الأوليات تنقيح الشعر وتجويده، وما يدل عليه ذلك من إلمام الشاعر بمقاييس بلاغية يطبقها على شعره، فيخضعه إليها.

البلاغة وعي فني من الإيجاز إلى الاختلاف

ولعل من أشعار الجاهليين من مثل قول زهير:

ما أرانا نقول إلا مُعارًا           ***               أو معادًا من لفظنا مكرورًا

وقول عنترة العبسي:

هل غادر الشعراء من متردم    ***             أم هل عرفت الدار بعد توهم؟

لعل في هذا القول ما يدل على أن العرب قد فطنوا إلى مفهوم البلاغة المعتمد على التعبير عن المعنى الواحد بأساليب مختلفة للدلالة عليه، وكما يدل على أن عنترة كان يعد نفسه محدثًا، قد أدرك الشعر بعد أن فرغ الناس منه، ولم يغادروا إليه شيئًا.

وما عرف عن عرب الجاهلية من كثرة الخطباء البلغاء، وما أثر عنهم من شدة اعتزازهم بالبيان، وفي هذا يقول ضمرة: «إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن صال صال بجنان وإن قال قال ببيان».

ويحدثنا الجاحظ بأن الجاهليين عرفوا عيوب البلاغة والخطابة مستدلًا على ذلك بما يرد في اللغة من الأضداد فيقول: «وكلام الناس في طبقات، كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليحُ والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا، فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلمَ ذكروا العيّي والبكيء، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق.. ولولا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض، لما سمى ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء».

البلاغة عند الجاحظ

من كل ذلك ندرك أن عرب الجاهلية قد عرفوا كثيرًا من الأساليب البلاغية وصورها، وأن منهم من بدأ بذوقه وحاسته النقدية يقضي بين الشعراء، ويميز بين محاسن الشعر وعيوبه على أساس مقاييس بلاغية تتصل باختيار الألفاظ والمعاني والصور الشعرية، وتتصل أيضًا بالإيجاز والتعقيد والمطابقة بين الكلام ومقتضاه، وما إلى ذلك من الملاحظات البلاغية لفن القول.

من كل ذلك ندرك أن عرب الجاهلية قد عرفوا كثيرًا من الأساليب البلاغية وصورها، وأن منهم من بدأ بذوقه وحاسته النقدية يقضي بين الشعراء، ويميز بين محاسن الشعر وعيوبه على أساس مقاييس بلاغية تتصل باختيار الألفاظ والمعاني والصور الشعرية، وتتصل أيضًا بالإيجاز والتعقيد والمطابقة بين الكلام ومقتضاه، وما إلى ذلك من الملاحظات البلاغية لفن القول. وبذلك يظل إرثهم هو حجر الزاوية لكل الدراسات اللاحقة في تاريخ البلاغة العربية.

من الذوق الفطري إلى العلم المنهجي

وبذلك يظل إرثهم هو حجر الزاوية لكل الدراسات اللاحقة في تاريخ البلاغة العربية، إن رحلة البلاغة العربية من مجرد ذوق فطري عفوي في الشعر الجاهلي إلى وعي نقدي أولي في أسواق العرب، تمثل شهادة على عبقرية لغوية فذة، وقد كانت هذه البدايات هي التي مهدت الطريق لعلماء العصور اللاحقة لوضع قواعد وأسس علم البلاغة الذي نعرفه اليوم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة