-
تتناول هذه الدراسة مجموعة «نساء من بلاد الشرق» لأحمد غانم عبد الجليل بوصفها مشروعًا سرديًا يستثمر الذاكرة والاغتراب والجسد الأنثوي بوصفها محاور دلالية مركزية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن النصوص لا تُعنى بتقديم حكايات نسوية معزولة، بل تؤسس لبنية تمثيلية تجعل المرأة وعاءً لذاكرة جمعية، وتجعل الشرق استعارةً لهوية مأزومة.
وتعتمد المقاربة على تداخل ثلاثة أطر: التحليل النفسي، وجماليات المكان، ونظرية العتبات؛ للكشف عن البنية العميقة للنصوص.
نبذة عن الكاتب
هو الكاتب العراقي أحمد غانم عبد الجليل، من مواليد بغداد عام 1973، حاصل على بكالوريوس اقتصاد من جامعة بغداد.

أهم أعماله
- رواية «بين الجنة والنار» عن مركز المحروسة للنشر والتوزيع والخدمات الصحفية، مصر 2010.
- رواية «عند شواطئ أندلوسيا» عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن 2015.
- «نساء من بلاد الشرق» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020.
مدخل نظري وإشكالية القراءة
تنبثق أهمية المجموعة من قدرتها على الاشتغال في منطقة تماس بين الخاص والعام، بين الحميمي والتاريخي. فالمرأة في هذه النصوص ليست ذاتًا فرديةً فحسب، بل بنية رمزية تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
وتتحدد إشكالية الدراسة في السؤال الآتي: كيف يتحول الاغتراب من حدث مكاني إلى بنية داخلية؟ وكيف يُعاد تشكيل الجسد الأنثوي ليصير حاملًا لذاكرة الحرب والمنفى؟ وما الدور الذي تؤديه اللغة والعتبات النصية في توجيه أفق التلقي؟
الاغتراب بنية نفسية لا واقعة جغرافية
في قصة «جولات فتاة مغتربة» لا يُقدَّم المنفى باعتباره انتقالًا مكانيًا فحسب، بل يُبنى بوصفه حالة وعي مبكرة. تبدأ الشخصية من طفولة تبدو عادية، لكن تفاصيلها الصغيرة تكشف عن استعداد داخلي للفقد. الدراجة التي تتعلم عليها الفتاة الاتزان تصبح رمزًا أوليًا لاهتزاز العالم؛ إنها تدريب مبكر على السقوط، وعلى إدراك هشاشة الثبات.
وعلى هذا الأساس يتحول الاغتراب إلى قدر داخلي يبدأ قبل السفر ويستمر بعده. هذا التصور يقترب من مفهوم اللاوعي كما بلوره سيغموند فرويد، فتتراكم الخبرات الطفولية لتعيد تشكيل الشخصية في مراحل لاحقة؛ فالمنفى في النص ليس انقطاعًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم نفسي طويل.
الجسد الأنثوي بوصفه ذاكرة
في «عصيَّةٌ على التأويل» يتجلى الجسد لا بوصفه موضوعًا للعرض، بل مساحة صراع داخلي. الحلم يتسلل بوصفه أداةً سرديةً تكشف ما لا يُقال، والرغبة لا تُدان ولا تُبرَّأ، بل تُترك في منطقة التوتر.
إن الجسد هنا ليس بيولوجيًا، بل سردٌ؛ هو نصٌّ موازٍ يحمل آثار القمع والحنين والخوف. واللافت أن السرد لا يقع في فخ الإثارة، بل يكتفي بتكثيف الإحساس، ما يمنح التجربة صدقها. يبدو الجسد كأنه مستودع لذاكرة لا تُمحى، وهو ما يحول الأنوثة إلى طاقة تمثيلية تتجاوز الفردية.
الحب في زمن الحرب: جدلية الانهيار والبقاء
في «شبق الحروب» تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالرغبة تتجاور مع الدمار، والحب يتنفس في فضاء مشبع برائحة الخراب. الحرب لا تظل خارج النص، بل تتسلل إلى العلاقة ذاتها، فيتحول الحوار إلى محاكمة، والاعتراف إلى مواجهة.
وحتى حين ينتهي الزواج، لا ينتهي الحب، بل يتخذ شكلًا آخر من الألم. هذا التداخل بين الخاص والعام يذكِّر بما أشار إليه غاستون باشلار في حديثه عن البيت بوصفه فضاءً نفسيًا هشًا؛ فحين يتصدع الداخل يصبح الخارج انعكاسًا له.
جماليات المكان والحنين
المكان في المجموعة كائنٌ حيٌّ؛ المدينة تتغير، الأزقة تفقد براءتها، والبيت يتحول من ملاذٍ إلى ذكرى. الشرق هنا ليس جغرافيا محددة، بل حالة وجدانية؛ هو مساحة انكسار وهوية، وهو أيضًا ملاذٌ روحي لا يمكن التخلي عنه. وتُبنى الأمكنة عبر لغة مشبعة بالحس الشعري، فتتحول الصور الطبيعية – البحر، الريح، الضوء – إلى امتدادات نفسية للشخصيات.

اللغة بين السرد والشعر
من السمات البارزة في المجموعة هيمنة الجملة المتدفقة؛ فاللغة تتنفس ببطء، وتتحرك في إيقاع أقرب إلى المونولوج الداخلي. لا تُستخدم الصورة الشعرية للزينة، بل لتكثيف التجربة. والتكرار المقصود لبعض المفردات يمنح النص وحدةً نغميةً، كأن القصص تتجاوب فيما بينها عبر معجم مشترك.
عتبات النص وتوجيه التلقي
يمكن قراءة المجموعة في ضوء نظرية العتبات كما صاغها جيرار جينيت في كتابه «عتبات». العنوان الرئيس «نساء من بلاد الشرق» يفتح أفقًا دلاليًا واسعًا دون تحديد مكاني؛ وصيغة الجمع تمنح البعد التمثيلي، في حين يحيل «الشرق» إلى حمولة ثقافية كثيفة.
أما عناوين القصص، مثل «عصيَّةٌ على التأويل» و«شبق الحروب»، فتمارس نوعًا من الاستفزاز التأويلي؛ إذ تزرع في ذهن القارئ سؤالًا قبل الدخول إلى المتن. كذلك تؤدي الاقتباسات الشعرية -ومنها حضور صوت عبد الوهاب البياتي- وظيفة ربط السرد بمرجعية ثقافية أوسع، وتوسيع أفق القراءة.
تفكك الذات وانعكاسها على بنية السرد
الزمن في النصوص غير خطي؛ تتحرك الشخصيات بين الماضي والحاضر في حركة دائرية، فيعود السرد إلى نقطة البداية محمَّلًا بوعي جديد. هذا التفكك الزمني يعكس تفكك الذات ذاتها، ويمنح النص طابعًا تأمليًا يبتعد عن الحبكة التقليدية.
تؤسس المجموعة لوعي سردي يجعل المرأة تمثيلًا لذاكرة جماعية، ويتحول الاغتراب إلى بنية نفسية عميقة تتجاوز المكان، كما تتداخل الحرب والحب في جدلية تكشف هشاشة الإنسان. وتسهم العتبات في توجيه القراءة وتكثيف المعنى، فيما تمنح اللغة الشعرية النصوص بعدًا وجدانيًا دون أن تفقد طابعها السردي.
الذاكرة فعل مقاومة ضد الهشاشة الإنسانية
«نساء من بلاد الشرق» ليست كتابةً عن المرأة فحسب، بل عن الإنسان حين يُدفع إلى أقصى هشاشته. هي نصوص تشتغل على الداخل بقدر اشتغالها على الخارج، وتجعل من الذاكرة فعلَ مقاومةٍ ضد النسيان. إنها تجربة سردية تمشي على حافة الألم، لكنها لا تسقط في العدم؛ بل تظل ممسكة بخيط رفيع من الأمل، حتى وإن بدا باهتًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.