نساء على العرش.. الملكة فيكتوريا جدة القارة الأوروبية

لم يعرف التاريخ الحديث ملكة استطاعت أن تصنع هذا التغيير الكبير لشعبها مثلما صنعت الملكة فيكتوريا خلال مدة حكمها لبريطانيا من تطور وتوسع كبير على المستوى العلمي والثقافي والعسكري والاقتصادي، واستطاعت أن تؤسس (الإمبراطورية التي لا يغيب عنها الشمس)، كما استطاعت بحكمة أن تنشر أولادها التسعة في قارة أوروبا ليتزوجوا من أهم العائلات المالكة والحاكمة، حتى انتشر أحفادها في القارة العجوز، وأطلق عليها (جدة القارة الأوروبية).

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في حياة الملكة فيكتوريا التي حكمت بريطانيا نحو 64 عامًا، ونالت لقب إمبراطورة الهند في جولة لم تخلُ من المتعة والإضافة والمعلومات المدهشة في السطور التالية.

المولد والنشأة

ولدت فيكتوريا يوم 24 مايو عام 1819 في قصر كينسينجتون في لندن، وكان أبوها هو الأمير إدوارد الابن الرابع للملك جورج الثالث، في حين كانت والدتها الأميرة فيكتوريا التي تعود إلى أصل ألماني، وأطلق على المولودة الصغيرة فيكتوريا ألكسندرينا؛ وذلك تيمنًا بعرابها قيصر روسيا ألكسندر الأول.

كانت نشأت فيكتوريا تتسم بكثير من الصرامة والنظام؛ بسبب الأحداث التي وضعتها على خط ولاية العرش فقد كان ترتيبها الخامس، لكن الأمور تغيَّرت سريعًا حين توفي والدها بعد عام من ولادتها؛ نتيجة إصابته بالالتهاب الرئوي المزمن، وبعده قليل توفي جدها الملك جورج وعُيِّن عمها ويليام الرابع ملكًا على إنجلترا، فأصبحت فيكتوريا ولي عرش البلاد وهي طفلة صغيرة؛ نظرًا لأن أي من أعمامها لم يكن يمتلك أبناء شرعيين يمكن وضعهم على خط خلافة العرش.

بدأت والدة فيكتوريا تتعامل بأن ابنتها ستتولى حكم البلاد في وقت لاحق، فاستعانت بأحد رجال البلاط الملكي يُدعى (جون كونروي)؛ ليشرف على تعليمها وتربيتها، فوضع لها نظامًا اتبع بعد ذلك على أنه نظام لتربية أبناء الملوك والأمراء، وهو نظام (كينسنجتون) الذي يتلخص في مجموعة من القواعد المحددة والصارمة التي تُتبع بمنتهى الدقة، حتى إن فيكتوريا عُزِلت تمامًا عن الحياة خارج القصر، ووضعت تحت الإشراف الكامل من أجل تحضيرها لتصبح ملكة البلاد.

فيكتوريا على عرش إنجلترا

في يونيو 1837 توفي ويليام الرابع ملك إنجلترا وعم فيكتوريا عن 71 عامًا، لتصبح الفتاة الصغيرة ذات الـ18 عامًا ملكة على المملكة المتحدة، وتصبح أول ملكة تُقيم في قصر باكنغهام، وقد صاحب تتويج الملكة فيكتوريا ابتهاجًا كبيرًا لدى جموع الإنجليز؛ نظرًا لما تحظى به الملكة الصغيرة من شعبية هائلة منذ أن كانت ولي للعرش، وهو ما زاد بعد ذلك؛ نظرًا للعلاقة الطيبة بين فيكتوريا والشعب الإنجليزي نتيجة لسياساتها المعتدلة والانفتاح الاقتصادي الكبير الذي شهدته البلاد في عهدها.

تزوجت الملكة فيكتوريا في عام 1840 بالأمير ألبرت حب حياتها ومصدر سعادتها الكبيرة، وأصبح بعد ذلك مستشارها السياسي، إضافة لكونه كان يمثل حلًّا سحريًّا للتخلص من سيطرة والدة الملكة فيكتوريا التي كانت تعيش معها في القصر نفسه، إضافة إلى التخلص من سيطرة اللورد ميلبورن مستشارها ووزيرها وصاحب الشخصية القوية والخبرة الكبيرة الذي كان يسيطر عليها تمامًا منذ توليها الحكم حتى زواجها من الأمير ألبرت.

تعرَّضت الملكة فيكتوريا في أثناء حكمها لمحاولات اغتيال فاشلة وصلت إلى سبع محاولات، كان أولها عام 1840 على يد إدوارد أوكسفورد، ثم كانت محاولة بعدها بعامين عن طريق جون فرانسيس الذي حُكِم بتهمة الخيانة العظمى ونُفي مدى الحياة، ثم كانت محاولة أخرى لجون ويليام.

بينما تعرَّضت أيضًا لمحاولة اغتيال على يد الأيرلندي ويليام هاملتون، لكن المحاولة التي تعرَّضت لها عام 1850 على يد روبرت بات أحد الضباط المتقاعدين أدت إلى إصابتها في جبهتها بكدمات قوية، وقد قُبِض على ذلك الضابط ونُفِي مدة سبع سنوات.

مع أنَّ الملكة فيكتوريا كانت تكره الولادة والرضاعة، لكنها أنجبت تسعة أطفال من زوجها الألماني الأمير ألبرت التي أعدته سعادتها السماوية؛ نظرًا لحبها الشديد له، ما جعلها تكتب في مذكراتها بأنها لم تشعر أبدًا بهذه السعادة مع أي شخص آخر.

وكانت الملكة فيكتوريا هي أول من ترتدي فستانًا أبيضًا في الزفاف الذي أصبح بعد ذلك عادة في معظم بلدان العالم، كما تزوج أبناؤها التسعة من عائلات وأسر ملكية في القارة الأوروبية؛ ما أثمر عن 42 حفيدًا للملكة فيكتوريا.

كذلك حكم بعض هؤلاء الأحفاد والأبناء أمكنة متفرقة في القارة العجوز، ومن أبرزهم: ملك بروسيا وإمبراطور ألمانيا القيصر (فيلهلم الثاني) والملكة (إليزابيث الثانية) والأمير (فيليب) وملك رومانيا (مايكل الأول) وملك اليونان (قسطنطين الثاني)، وكذلك ملك إسبانيا (خوان كارلوس الأول) وملك السويد (كارل ال16) وملك النرويج (هارالد الخامس)، إضافة إلى الملكة (مارغريت الثانية).

يُذكَر أيضًا أن الأمير ألبرت زوج الملكة فيكتوريا قد توفي عام 1861 عن عمر ناهز 42 عامًا؛ وذلك بسبب إصابته بالتيفويد، وهو ما أدى إلى حالة من فقدان التوازن للملكة فيكتوريا التي عاشت في حداد على زوجها، أدى إلى ارتدائها اللون الأسود لبقية حياتها.

وكذلك دخلت في عزلة طويلة مدة عشر سنوات كاملة حتى أطلق عليها لقب (أرملة قلعة ويندسور)، كما أثرت هذه المرحلة على شعبية الملكة فيكتوريا، ودفع عدد من الحركات الشعبية للمطالبة بنظام جمهوري، كما دفعت حالة الاكتئاب بالملكة إلى تناول الطعام كثيرًا، فزاد وزنها جدًّا حتى عادت بعد مدة طويلة من الاحتجاجات وغياب الثقة في النظام الملكي، لتبدأ من جديد في الظهور والتجول وبناء السياسة الخارجية والداخلية وإصلاح الأمور سريعًا.

إنجازات الملكة فيكتوريا

لا شكَّ أن مدة حكم الملكة فيكتوريا التي اقتربت من 64 عامًا التي كانت ثاني أطول مدة حكم في تاريخ بريطانيا هي أزهى وأقوى عصور إنجلترا على الإطلاق، وقد أطلق على تلك المرحلة اسم "العصر الفيكتوري"، حتى إنَّ كثيرًا من المؤرخين يرى أن العصر الفيكتوري كان له تأثير على أوروبا والعالم، حيث وصلت الثورة الصناعية إلى ذروتها، وامتدت بريطانيا إلى باقي القارة العجوز، ثم إلى الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يُطلَق عليه عصر الثورة الصناعية الأولى التي نقلت بريطانيا من كونها دولة زراعية إلى أحد أقطاب الصناعة في العالم.

شهد عصر الملكة فيكتوريا عددًا من الابتكارات والاختراعات والتطور العلمي والتكنولوجي الكبير، فحدثت طفرة على مستوى الطب ومقاومة الأوبئة، وظهور عدد من الإصلاحات التعليمية التي استهدفت محو الأمية في إنجلترا، إذ يُسجِّل التاريخ أن العهد الفيكتوري نقل بريطانيا من مرحلة الرغبة في التعلم ومحو الأمية إلى مرحلة التعليم الجيد وازدهار القراءة وارتفاع مستوى الثقافة لدى طبقات الشعب.

كذلك كانت الإصلاحات الداخلية للملكة فيكتوريا لها تأثير كبير على شكل الحياة السياسية في إنجلترا بعد ذلك، وخاصة (قانون الإصلاح) الذي اعتمد عام 1832، وهو ما أدى إلى تغييرات كبيرة في نظام الانتخابات وزيادة الوعي السياسي والمشاركة الاجتماعية.

أما على مستوى الانفتاح الخارجي، فقد وصلت الإمبراطورية البريطانية إلى أقصى اتساع لها في عصر الملكة فيكتوريا، حتى اقتربت من امتلاك ربع اليابس الموجود في الكرة الأرضية، وأصبحت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وهو ما أدى إلى زيادة الموارد على نحو هائل، وإحكام السيطرة على طرق التجارة، وكانت لبريطانيا اليد العليا في المعاملات السياسية والاقتصادية مع بلدان العالم.

يُذكَر للملكة فيكتوريا أيضًا أنها كانت أول ملك يركب القطار، وذلك عام 1842 وهي لم تتجاوز الثالثة والعشرين من عمرها بعد، وهو ما دفعها لإنشاء أكبر شبكة للسكك الحديدية في العالم، كذلك يحسب لها أنها أصبحت إمبراطورة الهند منذ عام 1877، وأطلق عليها لقب "جدة أوروبا"، وتجاوزت عددًا من محاولات الاغتيال والاحتجاجات المطالبة بإنشاء النظام الجمهوري، وعززت فكرة النظام الملكي في عقول وقلوب البريطانيين على نحو لم يحدث من قبل.

مساوئ حكم الملكة فيكتوريا

نظرًا لطول مدة حكم الملكة فيكتوريا الذي اقترب من نحو 64 عامًا، فقد مرت بعدد من الأزمات، أبرزها موت زوجها الأمير ألبرت الذي أدى إلى انعزالها مدة عشر سنوات، وهي المدة التي تُعدُّ نقطة ضعف كبيرة في حكم الملكة فيكتوريا، وزادت معها الصيحات والمطالبات بقيام نظام جمهوري والقضاء على النظام الملكي في البلاد.

ويقال إن الملكة في تلك المرحلة فقدت كثيرًا من تركيزها ووعيها، حتى إنها كانت تتحدث إلى نفسها، وتغلق الباب بالساعات لتتحدث إلى صورة الأمير ألبرت، وهو ما دفع الناس إلى تسميتها (أرملة قلعة ويندسور)، وأحيانًا (الأرملة المجنونة).

تُعدُّ المجاعة التي أصابت أيرلندا في عام 1845 التي استمرت نحو أربعة أعوام من أسوأ الأزمات في عهد الملكة فيكتوريا، إذ توفي نحو مليون شخص، إضافة إلى هجرة مليون آخرين من أيرلندا؛ نتيجة انتشار آفة البطاطس، وهو ما عرف في التاريخ باسم (المجاعة الكبرى) الذي أدى إلى إطلاق لقب (ملكة المجاعة) على الملكة فيكتوريا التي لم تجد حلًّا سوى أن تتبرع بمبلغ ضخم من مالها الخاص لمقاومة تلك المجاعة.

من الأمور التي تُحسب على عهد الملكة فيكتوريا أيضًا هو انتشار الأفيون في بريطانيا على نحو واسع، وهو ما يعده كثير من المؤرخين دليلًا على الفساد والتسيب الاجتماعي الكبير الذي وصل أيضًا إلى قصور الأمراء والنبلاء والسياسيين الكبار في بريطانيا، مع أنَّ الملكة فيكتوريا سعت كثيرًا لوضع وفرض مجموعة من القيم الأخلاقية على المجتمع الإنجليزي، مثل الصداقة والمسؤولية واحترام الكنيسة ويوم الأحد.

الحياة السرية للملكة فيكتوريا

على الرغم من حزن الملكة فيكتوريا الشديد على زوجها الراحل الأمير ألبرت، لكن عددًا من القصص والحكايات نُسِجت وتداولت عن حياة سرية للملكة التي لم تفقد مزاجها العاطفي، إذ تُشير هذه الحكايات إلى علاقة جمعت الملكة فيكتوريا بخادمها الاسكتلندي (جون براون) الذي ظهر في حياتها بعد وفاة الأمير ألبرت بنحو ثلاث سنوات، ومع أنه يصغرها بسبعة سنوات؛ فإنه كان قريبًا جدًّا من الملكة على نحو ملاحظ، وكانت علاقتهما القوية مسار تعليق وسخرية، حتى إن الملكة فيكتوريا أطلق عليها لقب (السيدة براون) بعد أن كان يطلق عليها لقب (أرملة قلعة وندسور).

وبعد علاقة طويلة امتدت نحو 20 عامًا بين الملكة فيكتوريا وخادمها جون براون، فقد توفي براون عام 1883، لكن الملك لم تستطع أن تنساه بسهولة، لدرجة أنها أمرت في وصيتها بوضع خصلة من شعره في قبرها، إضافة إلى خاتم قد أهداه لها، وتذكر المصادر التاريخية أنه جرى تغطية خصلة الشعر الخاصة بـ(جون براون) بالزهور؛ حتى لا يراها أفراد الأسرة المالكة في أثناء تشييع الملكة.

عام 1887 قامت علاقة أخرى للملكة فيكتوريا مع خادمها الهندي عبد الكريم الذي كان مُكلفًا بتدريسها اللغة الأوردية، ورقَّته وقرَّبته منها؛ ما أثار غضب وحفيظة الأسرة الملكية وعددًا من رجال الدولة، لكن علاقة الرجل بملكة إنجلترا استمرت نحو 14 سنة حتى وفاة الملكة فيكتوريا عام 1901، وهو ما وثق في فيلم بعنوان (فيكتوريا وعبدول) الذي عرض عام 2017.

أقوال الملكة فيكتوريا

(إن الزواج يمنح الفرد وضعًا لا يمكن لأي شيء آخر منحه له).

(أنا لا أكره الأطفال مع أنني أعتقد أن الأطفال الصغار مقرفون جدًّا).

(إن الأحداث العظيمة تجعلني هادئة وصموتة أما الأشياء الهادئة هي التي تثير أعصابي).

(ليس الشيء المهم هو ما يعتقده الناس بشأني ولكن ما أعتقده أنا بشأنهم).

(إن ضرب الرجل لأي امرأة هو الشيء الأكثر وحشية، وأنا أعتقد وكذلك الجميع يعتقدون أن أي محاولة لإطلاق النار أو السحر أو الخداع أكثر شمولًا وشجاعة في الأقل).

(لن أنسى أبدًا عزيزي ألبرت فشغفه وعاطفته المفرطة أعطياني إحساسًا بالحب الإلهي والسعادة التي لم أكن أتمنى تجربتها من قبل).

وفاة الملكة فيكتوريا

عاشت الملكة فيكتوريا في حالة حداد منذ موت زوجها الأمير ألبرت، ومع تقدمها في السن بدأ مرض الروماتيزم يُسبِّب لها صعوبةً في الحركة، وكذلك بدأ بصرها ينخفض على نحو ملحوظ جعلها تكتب وصيتها عام 1897، فقد طلبت أن يكون لها جنازة عسكرية، إضافة إلى عدم ارتداء اللون الأسود عند موتها واستبداله باللون الأبيض، كما أوصت أن ترتدي طرحة زفافها على الأمير البرت، إضافة إلى مجموعة من التذكارات التي طلبت أن تدفن معها مثل رداء الأمير ألبرت، ومجموعة من المجوهرات من بينها خاتم قد أهداه لها (جون براون)، إضافة إلى خصلة شعر جون براون.

ومع بداية شهر يناير عام 1901 بدأت الملكة فيكتوريا تشعر بالخمول الشديد والدوار الذي لم يفارقها لأيام، حتى توفيت يوم 22 يناير عام 1901 عن عمر ناهز 81 عامًا، وكان بجانبها ابنها إدوارد السابع وحفيدها فلهلم الثاني.

وأقيمت جنازتها يوم 2 فبراير ودُفِنت بجانب زوجها الأمير ألبرت في ويندسور بارك بعد حكمها مدة 63 عامًا وسبعة أشهر، وعصر حمل اسمها وارتبط بكثير من الإنجازات والاختراعات والاكتشافات والتغيرات السياسية والاجتماعية.

وفي نهاية هذه الجولة السريعة في حياة الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا وإمبراطورة الهند التي كانت أكثر ملوك إنجلترا اهتمامًا من قبل الأدباء والفنانين، ونرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة