ننزع إلى تلقي المعاني عبر الخبر القصصي؛ تلقيًا يفضي بها إلى التسليم، فلا تجد الحكاية كبيرَ مانعٍ قبل أن تنفذ إلى شغاف القلب. فربما لا نضيق ذرعًا برواية من ألف ورقة، في حين لا نصبر على كُتيب من بضع ورقات.
ويبلغ القصص في الإقناع مبلغ الدليل الماضي، والاستشهاد المؤيد بالبراهين. هذا شيء معلوم، وجميعنا لا يرتاب فيه؛ فحب الحكايا أمر مسلم به، وإن كان لا يستند -فيما يلوح للناظر- إلى تفسير واضح. ولكن العجيب حقًا أن ننزع إلى نوع من الحكايا الأصل فيه أن يكون ثقيلًا على النفس فتستخفه النفس، وموحشًا على القلب فيأنس به القلب، ومريرًا على السجية فتستعذبه السجية؛ تلك هي الحكايات الحزينة.
فإذا تُلِيَت على المسامع إحداها طربت لها النفس، وهشَّت لها وبشَّت. فعجبًا لحزن تستروح به النفوس من أحزانها. فنتحمس لسماعها، ونجد في النفس شغفًا بالإنصات إليها، ونُطرق – إبان ذلك – إطراق من على رأسه الطير. ثم تتصاعد وتيرة المشاعر، وتربو أخيلة الانفعالات، تجاوبًا يشبه تلاقي الأرواح.
فلا تجد قصص الأسى لها نوعًا من المقاومة من النفس، ولا تُدافَع إلا بمقدار ما تُدخَل، فتلج في هدوء وسلام. ويبلغ ولعنا بها أن نتلقاها بألسنتنا دون أن نُجوِّزها قنطرة التحليل، فنتناقلها في المجالس والأسمار، نمصمص الشفاه من تأثرنا بها، ونُقلِّب أكف الدهشة من وقعها علينا.
وعلى النحو الآخر، فإن آذاننا تمج سماع تراجم الناجحين؛ فتأبى إلا المقاومة المستميتة. فإن هي اخترقت، نزلت منزل العدو، فلا مرحبًا به. إننا نادرًا ما نحتفي بقصص الناجحين، وإن أضرمت فينا مشاعر الإعجاب كل حين؛ فلست تجد حبًا أشبه بالكُره من حبنا لهذا النوع من الحكايات.
فإذا قابلنا بين الأمرين: التأثر بالقصص الحزينة، وعدم التأثر بقصص النجاح؛ بدا وكأننا ننزع نزوعًا خفيًا نحو الألم أكثر من النجاح، ونحو الخسارة أكثر من الربح، ونحو الانكسار أكثر من الكمال.
قصص النجاح تُشعرنا بالمحاسبة والمقارنة فتُحمّلنا مسؤولية التغيير، بينما تمنحنا الحكايات الحزينة تعاطفًا مريحًا لا يطالبنا بأي فعل.
وسنحلل في هذا المقال المسألة تحليلًا يخلص إلى الجذور؛ إلى ذلك الموضع الذي اعتدنا أن تكمن فيه الأسرار، وتُستودع فيه الأجوبة عن الأسئلة الحائرة.
لماذا تستعذب النفس قصص المعاناة؟
أول ما اجتليته من الأسباب هو أن قصص الوجع لا تنشدنا بشيء. فقط استمع وتأثر؛ فابك إن شئت أو لا تبكِ، وأشفق أو كن قاسيًا؛ فهؤلاء المنكوبون في غنى عن عبراتنا، إلا كنوع من تطييب الخاطر لا يغير من حقيقة النكائب شيئًا. فهذا فيما يخص أصحاب القصة الأسيفة.
أما ما يخصنا نحن المستمعين، فإننا سنمضي غير بعيد في شؤوننا، ولن يمنعنا التأثر الذي اختبرناه لوهلة أن نهيم في وديان العمل على ما كنا بصدده. إن هذا النوع من الحكي ليس مؤلمًا كما يُخيَّل إلينا؛ هو فقط ينسجم مع الإيقاع الهادئ الذي تعشقه النفس الخاملة؛ النفس التي قد تُشفق ولكن لا تُغيِّر، وقد تحزن ولكن لا تسعى في تصيير الحزن فرحًا.
أما قصة النجاح، فهي سؤال مُلَثَّم ينطق به الراوي دون تصريح، ودون قصد أيضًا: لماذا لم تحقق ما حققه هذا الشخص؟ وأين أنت اليوم مما وصل إليه؟ فالقصة الأليمة لا تحاكمنا ولا تتهمنا، في حين أن هذا هو بالضبط ما تفعله قصة النجاح. فنُدفَع من خلالها إلى المثول أمام مرايا المقارنة الأليمة، ولا يكون الأمر كذلك مع القصة الحزينة؛ بل هي تفعل العكس تمامًا. فإننا إذا قابلنا بين حالنا وحال المنكوبين، فلا ريب أننا سنكون الرابحين.
الحزن قاعدة والنجاح استثناء موحش
السبب الثاني أننا نشعر بالانسجام مع القصة الحزينة. والسبب هو أنها تشبهنا إلى مدى بعيد، وإن اختلفت التفاصيل. إن أحدًا منا بلا شك لم ينجُ بإطلاق من الفقد أو الخيبة أو الإحباط. فنجد فيها من الإيلاف والعادة ما يخلق الدفء، وإن كانت قاسية. لسان حالها: لا تحزن، فلست وحدك. وعلى النقيض، فالنجاح تجربة شحيحة جدًا، نادرة نسبيًا، وقد يكون هو الاستثناء أحيانًا، فيصنع فجوة شعورية تجاهه.

فلا جرم نأنس بالقاعدة ونستوحش من الاستثناء. كأن الحزن لغة مشتركة، في حين أن النجاح لغة لا يعرفها إلا القلة؛ فإذا دخل فيهم من لا يحسن لغتهم بدا منبوذًا.
كيف يحمينا التعاطف من فضح أعذارنا؟
السبب الثالث أن الحزن يحفظ علينا صورتنا الذاتية؛ تلك الصورة المثالية التي يتعين أن نكون عليها. فلكل منا ما يشبه عينًا ثالثة لا تنظر إلى الخارج، ولا يعنيها حقائق الأشياء، وإنما ترى فقط ما نتمنى أن نكون عليه. ولا بأس أحيانًا أن ترى هذا الخيال المحض حقيقةً مطلقةً. فأما كون هذه الصورة خيالًا محضًا، فلأنها تجمع الكمالات البشرية المتشعثة فتضعها في إطارها، وتمحو كل نقص محتمل – بل مؤكد – من أن يكون فيها.
والتعاطف مع المنكوبين يتفق مع تلك الصورة؛ لأنه يظهرنا أمام أنفسنا أناسًا طيبين يشعرون بأوجاع الآخرين، ويتألمون لآلامهم. فهو في الواقع ألم مريح؛ ألم خارجي يُسكِّن ألمنا الداخلي. وعلى الجانب الآخر، فإن أخبار الناجحين تفضح أعذارنا، وتنفض كل الحجج التي نتدرع بها نفضَ الرمال في اليوم العاصف؛ لأنها تقول لنا بلسان الحال: لقد أفلح هؤلاء فيما أخفقت أنت فيه، على الرغم من وجود مبررات الفشل كالتي لديك.
ولا غرو إذن أن نحيد عن تسمية نجاح هؤلاء بالنجاح، فنصفه أحيانًا بأن الحظ حالفهم، أو أنه استثناء لا يكسر القاعدة بل يثبتها، أو أنهم كانوا يمتلكون قدراتٍ وفرصًا لا نملكها. أما أن يكون عزيمةً وتحديًا للصعاب، فلا يليق بكرامتنا، ولا يتفق مع الصورة الذاتية التي نراها بما اصطلحنا عليه: العين الثالثة. فنحن لا نهاجم نجاح الآخرين بقدر ما ندافع عن فشلنا نحن. الكمال في قصص هؤلاء يعني نقصًا فينا نحن، والنجاح لديهم تعبير عن فشل لدينا.
حين يربط الموروث الثقافي العمق بالحزن
النظر إلى القصة من منظور الثقافة التي نتشبع بها؛ لا بأس أن نعتبر ذلك عينًا رابعة. فالثقافة الموروثة تمجد المعاناة أكثر من تعظيم المحاولة. إننا على مستوى اللاشعور – الذي هو حصيلة المحيط وميراث البيئة – نربط القيمة بالألم، والتأثير بالوجع، والعمق بالحزن؛ فيبدو النجاح شكلًا من السطحية، والسعادة تفاهةً.
فيروق لنا أن نسمع النصف الأول من قصص العصاميين دون النصف الأخير؛ لأنه يصف ما نستحسن لا ما نستقبح، ويصف المعاناة التي يمجدها الموروث الثقافي، وليس الترف الذي هو دليل السطحية من ذات المنظور. فكأن النجاح الذي بلغه العصامي في الشطر الثاني من العمر، أو ربما في نهايته، يعني الانسلاخ من طور القيمة إلى طور اللاقيمة، أو التجرد من ثياب الفضيلة إلى عراء الرذيلة.
حتى في الشعر ننزع إلى قصائد الرثاء أكثر من أناشيد الظفر. ودموع الحزن التي يذرفها الشاعر على فراق المحبوبة أشهى عندنا من عبرات الفرح التي ينسجها شاعر آخر قد أسعفه القدر بالجمع على محبوبه؛ فأنشأ من نشوة الفرح أبياتًا باسقةً في فضاء البيان واللغة. وأطلال البين والوداع ألهب لمشاعرنا من قصور مترفة ينعم فيها حبيبان معًا، وأنات المهزوم في الحرب أحب إلينا من أبيات المنتصر بنصره.

يكاد الحزن أن يكون ذا سحر أخاذ أبلغ من الفرح، وتكاد النفس أن تكون نزاعةً إلى لغة التشاؤم أكثر من لغة الإنجاز والأمل، وتكاد مشاعرنا تُصاغ بأيدي المحيط حولنا لا بأيدينا.
الفرق بين رثاء عاجز وقرار حاسم
أن الحكايات الحزينة غالبًا لا تفرض نهايات محددة؛ ومن ثم فهي تدع لنا متنفسًا من الرثاء الآمن والحزن العاجز. فهي تعبير مضمر عن قلة الحيلة وخواء ذات اليد. في حين تنتهي قصص النجاح بنقطة فاصلة: قرار محدد، مخاطرة محسوبة، أو قفزة غير متوقعة. فتكون هذه تعبيرًا عن قوة وعزيمة.
وهذا هو مكمن الخوف الذي يعترينا من حكايا النجاح؛ إذ إننا على يقين داخلي بأن الحياة لا تتغير بالشفقة، وندب الحظ، والتألم؛ بل بفعل كبير كالذي صنعه صاحب القصة المذكورة. عندئذٍ تنعقد علينا مسؤولية كنا في حل منها قبل قليل. فكأن أخبار المحزونين بلسم لجروحنا، وترياق لأوجاعنا، وتعزية لنا بالنظر إلى مصائب الغير؛ في حين تعود قصص النجاح ماء النار الذي يُسكب على الجرح الملتهب، فيغلي منه ألمًا واحتراقًا.
كيف نتعامل مع نزعة الشعور نحو الحزن
الحزن شعور إنساني عميق، وليس بالضرورة عدواً يجب قتله، بل هو أحياناً إشارة من النفس بوجود شيء يستحق الاهتمام، ويتطلب التعامل مع نزعة الحزن توازناً بين القبول الواعي والتوجيه الذكي للمشاعر، وإليك خطوات عملية للتعامل مع هذه النزعة:
1. الكف عن مقاومة الشعور
أكبر خطأ نقع فيه هو محاولة إجبار أنفسنا على السعادة فوراً، والمقاومة تزيد من حدة الشعور وتجعل الحزن يتراكم في الخلفية.
- اعترف بوجوده: قل لنفسك: أنا أشعر بالحزن الآن، وهذا حق طبيعي لنفسي.
- لا تصنف الحزن كفشل: الحزن ليس ضعفاً، بل هو رد فعل طبيعي لفقدان، خيبة أمل، أو حتى إرهاق جسدي.
2. تحليل المصدر (التفكيك)
أحياناً يكون الحزن ضبابياً وغير واضح المصدر، لذا حاول إظهاره والتعرف عليه:
- هل هو حزن ظرفي؟ (بسبب حدث معين وقع مؤخراً).
- هل هو حزن تراكمي؟ (إرهاق من العمل أو ضغوط مستمرة).
- هل هو حزن كيميائي؟ (نقص نوم، سوء تغذية، أو قلة حركة).
3. قاعدة الخمس دقائق
إذا شعرت برغبة في الاستسلام للحزن، امنح نفسك وقتاً محدداً للغرق فيه تماماً. ابكِ، اكتب مشاعرك، أو اجلس في صمت، لكن بمجرد انتهاء الوقت، التزم بالقيام بحركة فيزيائية واحدة (غسل الوجه، المشي في الغرفة، أو شرب الماء).
4. التعبير بدل الكبت
المشاعر التي لا تجد طريقاً للخارج تظل تحفر في الداخل، لذا يمكنك تفريغ نزعة الحزن عبر:
- الكتابة الحرة: أفرغ كل ما في رأسك على الورق دون ترتيب.
- الحديث: شارك ما تشعر به مع صديق تثق به أو مختص.
- الفن: حتى لو لم تكن فناناً، التفريغ بالرسم أو التلوين يغير مسارات التفكير.

5. تغيير البيئة المحيطة
الجسد والعقل يتأثران بالمكان. إذا غلبك الحزن وأنت جالس:
- غير وضعيتك: قف إذا كنت جالساً.
- الإضاءة والشمس: افتح الستائر؛ فالضوء الطبيعي يؤثر بشكل مباشر على كيمياء الدماغ.
- الحركة: المشي لمدة 10 دقائق يرفع من مستوى السيروتونين والدوبامين بشكل طبيعي.
الحزن اختيار والنجاح استحقاق
ربما نميل إلى الحكايات الحزينة لا لأنها أكثر جمالًا وروعة، ولا لأننا نزاعةٌ إلى الحزن بالسليقة، ولكن لأنها أكثر راحة؛ فهي أشبه بالاستسلام إلى واقع مفروض، أو الانسجام مع تفكير مقلوب، أو التكيُّف مع ألم مزمن. وهي لن تقض مضاجع أحلامنا الهاجعة، ولن تناشدنا بالشجاعة والمواجهة والفعل.
أما سير النجاح، فليست مجرد حكايات مسلية أو أخبار نزجي بها سأم الفراغ؛ بل هي منبهات مزعجة، وتذكيرات لاذعة بأن الوجع مفهوم، في حين أن البقاء عليه محض اختيار.
م
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.