منذ سنوات مبكرة من عمري كانت تلفت انتباهي ظاهرة تتكرر كلما دار الحديث بين أجيال مختلفة، وهي أنني في الغالب لا أجد جيلًا مقتنعًا تمامًا بالجيل الذي سبقه، ولا بالجيل الذي سيأتي بعده. فالجيل الأحدث يرى أنه أكثر وعيًا وفهمًا للعالم من السابقين، وأن من قبله لم يدركوا كثيرًا مما أدركه هو، ثم تمضي السنوات فإذا بالجيل نفسه ينظر إلى من جاء بعده نظرة لا تختلف كثيرًا، فيراهم أقل صبرًا وقدرة وتحملًا، وأنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا ما فعله هو.
ومع كثرة الملاحظة بدأت أرى أن المسألة ربما لا تتعلق بمجرد اختلاف طبيعي بين أجيال عاشت في ظروف مختلفة، بل بشيء أعمق من ذلك. فكأن كل جيل يحمل في داخله تصورًا بأنه الجيل الذي تجاوز مَن قبله، وأن من يأتي بعده لن يستطيع أن يبلغه. أي إن كل جيل، بطريقة أو بأخرى، يضع نفسه في قمة التاريخ، جيلًا لم يُسبق ولن يُلحق.
وظلت هذه الملاحظة في ذهني زمنًا بلا اسم، حتى أهداني ابن عمي، «أبو أصيل»، في حديث بيننا، عبارته الموجزة: «نرجسية الأجيال». فوجدت فيها اسمًا دقيقًا لما كنت ألاحظه منذ زمن، واتخذتها عنوانًا لهذه المقالة.
ولا أقصد بالنرجسية هنا اضطراب الشخصية النرجسية بمعناه النفسي السريري، ولا أدعي أن «نرجسية الأجيال» مصطلح علمي مستقل بالمفهوم الأكاديمي الدقيق، وإنما أستخدمه وصفًا لهذه الحالة التي تجعل الإنسان يبالغ في تقدير جيله، ثم يجعل معايير هذا الجيل ميزانًا يحاكم به من سبقه ومن جاء بعده. فالمشكلة ليست في أن يعتز الإنسان بجيله أو بزمانه، فهذا أمر مفهوم، وإنما في أن يتحول جيله من مرحلة في التاريخ إلى معيار يقاس به التاريخ كله.
ومن أكثر الصور التي تكشف هذه الفكرة بوضوح أن يجعل الإنسان المهارات التي كانت مهمة في زمنه معيارًا للحكم على كفاءة الناس في كل زمان. وأذكر أنني ناقشت مرة شخصًا كان شديد الاعتزاز بجيله، فقال لي إنهم كانوا يذبحون الذبيحة ويسلخونها في أقل من عشر دقائق، أما جيلنا فلا يستطيع بعض أفراده حتى تذكية الشاة فضلًا عن ذبحها وسلخها. فضحكت وقلت له إن هذه قسمة ضيزى، لأنك اخترت مهارة أتقنها جيلك ثم جعلتها مقياسًا عامًا للكفاءة.
فالطبيب في زماننا قد يستطيع أن يشرح جسد الإنسان، وأن يتدخل جراحيًا في أعضاء دقيقة منه، ثم يعيد إصلاح ما أمكن إصلاحه، ومع ذلك قد لا يعرف كيف يذبح شاة. والمهندس أو المبرمج أو الطيار قد يقضي سنوات طويلة في تعلم مهارات شديدة التعقيد، لكنه لم يحتج في حياته إلى تعلم الذبح أو السلخ. وليس هذا نقصًا فيه، ثم إنه ليس نقصًا في إنسان عاش قبل عقود أنه لا يعرف البرمجة أو هندسة الشبكات أو التعامل مع أنظمة لم تكن موجودة في زمانه.
الفكرة في نظري أبسط من ذلك. الإنسان يتعلم في الغالب ما يحتاج إليه زمانه ومجتمعه، وكانت هناك مهارات ضرورية في أزمنة سابقة فأجادها الناس لأنها جزء من حياتهم اليومية، ثم تغير المجتمع وازدادت التخصصات وظهرت حاجات أخرى، فأصبح الناس يستثمرون وقتهم وجهدهم في مهارات مختلفة. الخلل يبدأ حين ننتقل من قولنا «هذه مهارة كنا نجيدها» إلى قولنا «من لا يجيد هذه المهارة أقل منا». هنا لم نعد نَصِفُ اختلافًا بين زمنين، بل صنعنا معيارًا يضمن لنا التفوق قبل أن تبدأ المقارنة.
ولهذا أرى أن من أخطاء نرجسية الأجيال الخلط بين ما كان مهمًا في زمن ما، وما تعلمه الناس بسبب أهميته، وما يجب أن يعرفه الإنسان الكفء في كل زمان. الأول والثاني مفهوم، أما الثالث فلا يلزم منهما. وقيمة الإنسان في النهاية فيما يحسنه، لا فيما لم يتعلمه ولم يحتج إلى تعلمه.

كيف نصنع جيلًا مثاليًا في ذاكرتنا؟
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الإنسان حين يتحدث عن جيله لا يستحضر الجيل كاملًا كما كان، وإنما يستحضر غالبًا أجمل صوره. يتذكر المجتهدين والصابرين والناجحين ومَن تحملوا المسؤولية، ثم ينظر إلى الجيل المعاصر أمامه بكل فئاته، الجيد والمتوسط والضعيف والكسول، فتكون المقارنة منذ البداية غير عادلة. نحن نقارن أفضل ما نتذكره عن جيلنا بكل ما نراه من الجيل الآخر.
وللذاكرة دور مهم في ذلك، فنحن لا نتذكر الماضي كما وقع بكل تفاصيله. مع مرور الوقت تختفي كثير من التفاصيل، ويبقى ما يستحق الحكاية أو ما نحب أن نتذكره عن أنفسنا وزماننا، فيصبح الماضي أكثر ترتيبًا مما كان عليه في أثناء حدوثه. ولذلك تتكرر عبارات مثل: نحن لم نكن نفعل ذلك، نحن كنا أكثر احترامًا، نحن كنا نقرأ، نحن كنا نتحمل المسؤولية. وقد يكون في بعضها قدر من الحقيقة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه دائمًا هو: هل كان كل أفراد الجيل كذلك فعلًا؟
وهناك أيضًا ميل طبيعي لدى الإنسان إلى اختيار المجال الذي يعرفه جيدًا ثم جعله مقياسًا للآخرين. من نشأ في بيئة كانت الصلابة الجسدية وتحمل المشقة فيها من متطلبات الحياة قد يجعلها معيارًا للكفاءة، ومن نشأ في عصر المعرفة الرقمية قد يجعل سرعة التعامل مع التقنية معيارًا للذكاء، وكل منهما يستطيع أن يصنع مقارنة ينتصر فيها إذا اختار الميدان الملائم له.
ومن هنا يصبح من السهل أن يقول كل جيل: نحن الأفضل؛ لأنه هو الذي اختار السؤال وهو الذي وضع معايير الإجابة.
هل صنعنا عصرنا أم عشنا فيه؟
ومن صور هذه الظاهرة أيضًا أن ينسب الإنسان إلى جيله إنجازات المرحلة التاريخية كلها. فنسمع جيلًا يقول نحن بنينا، وآخر يقول نحن أدخلنا التقنية، وثالث يقول نحن جيل الإنترنت، وربما سيقول جيل لاحق نحن جيل الذكاء الاصطناعي.
لكن هناك فرقًا بين أن يقع تحول تاريخي في زمن جيل ما وبين أن يكون هذا الجيل قد صنعه كله. الحضارة في حقيقتها تراكمية، ولا يبدأ جيل من نقطة الصفر. الطبيب اليوم يعمل فوق قرون من المعرفة الطبية، والمبرمج يستخدم طبقات من الرياضيات والمنطق والهندسة والحوسبة أسهم في بنائها أناس لم يرهم ولم يعاصرهم، وكذلك الحال في سائر العلوم والصناعات.
نحن جميعًا نستلم شيئًا ممن سبقنا، ثم نضيف إليه أو نهدر جزءًا منه، وبعد ذلك نسلمه لمن يأتي بعدنا. ومن يعتقد أن جيله بدأ التاريخ لا يرى الأرض التي يقف عليها.
ولا يوجد في هذا ما ينتقص من قيمة أي جيل، بل على العكس، فالتقدم الحقيقي لا يمكن أن يحدث إلا بهذه الصورة. لو كان كل جيل مضطرًا إلى إعادة اكتشاف كل شيء من البداية لما قامت حضارة أصلًا.
حين تتحول المعاناة إلى معيار للتفوق
ومن الحجج المتكررة في المقارنة بين الأجيال الحديث عن المشقة: نحن مشينا مسافات طويلة، نحن عملنا في سن مبكرة، لم تكن لدينا هذه الخدمات ولا وسائل الراحة ولا التقنية التي توجد اليوم. وقد يكون هذا كله صحيحًا، وقد تكون تلك المشاق قد صنعت لدى من عاشها قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل، لكن هذا لا يعني أن المعاناة في ذاتها فضيلة ينبغي أن تتكرر.
هناك فرق بين أن يقول الإنسان إن تجربة صعبة علمته الصبر، وبين أن يستنتج أن من لم يمر بالتجربة نفسها لا يمكن أن يعرف الصبر.
بل إن في الأمر مفارقة تستحق التأمل، فالأجيال تعمل وتبني وتطور الخدمات والتقنيات حتى تصبح الحياة أفضل وأسهل، فإذا تحقق شيء من ذلك أصبح اختفاء بعض مشقات الماضي حجة على من جاء بعدهم. مع أن التخلص من كثير من تلك المشقات هو في الأصل أحد مظاهر نجاح المجتمع وتقدمه.
وإذا استطاع جيل أن يجعل من يأتي بعده غير مضطر إلى القيام بأعمال كانت ضرورية من قبل، فليس من المنطق أن نجعل هذا الإنجاز نفسه دليلًا على ضعف الجيل الذي استفاد منه. لكل زمان صعوباته، وبعض صعوبات اليوم ربما لا يراها من عاش في زمن مختلف، كما أن كثيرًا من أهل زماننا لا يعرفون حقيقة الصعوبات التي كانت تواجه من سبقهم.
لماذا نحتاج إلى أن يكون جيلنا الأفضل؟
أظن أن تحت هذا كله سببًا إنسانيًا أعمق، وهو أن الجيل جزء من هوية الإنسان. نحن لا نتحدث عن زمن عشنا فيه فقط، بل عن ذكرياتنا وتجاربنا وأصدقائنا وتعليمنا والأحداث التي شكَّلت وعينا، ولذلك قد يبدو نقد الجيل أحيانًا وكأنه نقد لجزء من الإنسان نفسه.
كما أن الإنسان حين يكون في مرحلة ما من حياته يرى أن العالم الجديد أصبح عالمه، فيسهل عليه أن ينظر إلى من سبقه باعتباره أقل فهمًا للتحولات الجديدة. ثم تمضي السنوات ويتغير العالم مرة أخرى، وتظهر تقنيات ولغة وأنماط حياة لم تتشكل داخل تجربته، فيصبح من السهل أن يتحول الحكم من «العالم أصبح مختلفًا عما أعرفه» إلى «العالم أصبح أسوأ».
وهناك فرق كبير بين العبارتين.
ولعل هذا يفسر جانبًا من المفارقة التي بدأت منها هذه المقالة. فالجيل الذي رأى نفسه في شبابه أكثر تقدمًا ممن سبقه، قد يصبح بعد سنوات مقتنعًا بأن من جاء بعده لن يستطيع بلوغ ما بلغه هو. وفي الحالتين يبقى جيله في المنتصف، وكأنه النقطة المثالية التي بلغ عندها التاريخ أفضل حالاته.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نذهب إلى الطرف المقابل وننكر وجود فروق حقيقية بين الأجيال. الأجيال تختلف فعلًا بسبب التعليم والاقتصاد والتقنية والثقافة والظروف الاجتماعية، وقد يتفوق جيل في صفات ويتراجع في غيرها. ليس كل نقد للجيل اللاحق وهمًا، ثم إن نقد الجيل السابق ليس بالضرورة تمردًا أو جهلًا.
المشكلة ليست في أن نقول إن الأجيال مختلفة، بل في أن نقفز من الاختلاف إلى التفوق المطلق.
التواضع التاريخي
لست أرى أن علاج هذه الظاهرة يحتاج إلى نظرية معقدة، بقدر ما يحتاج إلى شيء من التواضع التاريخي، أن يدرك الإنسان أن جيله ليس مركز التاريخ، وإنما حلقة فيه. وأن يسأل نفسه كلما قال «نحن كنا أفضل منهم»: في ماذا هم أفضل منا؟
هذا السؤال البسيط يعيد التوازن إلى المقارنة. ويمكن أن نسأل عن كل جيل: ما الظروف التي عاش فيها؟ ما المشكلات التي واجهها؟ ما الأدوات التي كانت متاحة له؟ ما المهارات التي احتاج إليها؟ وماذا أضاف إلى ما استلمه ممن سبقه؟
حينها تصبح المقارنة أكثر عدلًا، فلا نحاكم من عاش في زمن سابق بمهارات عصرنا، ولا نحاكم من يعيش اليوم بمهارات كانت ضرورية في زمن آخر ثم لم تعد جزءًا أساسيًا من حياته.
ولا بأس أن يفتخر الإنسان بجيله، بل ربما يكون ذلك طبيعيًا، لكن الفخر لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين حتى يكون له معنى. يمكن أن نعترف بأننا عرفنا أشياء لم يعرفها من سبقنا، وأن من سبقنا عرفوا أشياء لم نعرفها، وأن من يأتي بعدنا سيعرف أشياء قد نعجز نحن عن فهمها يومًا ما.
وهذا ليس نقصانًا في أحد، بل هو معنى استمرار الحياة وتراكم المعرفة.
ولذلك ربما يكون السؤال الأفضل ليس: أي جيل كان الأفضل؟
بل: ماذا استلم كل جيل، وماذا أضاف إليه، وكيف تركه لمن بعده؟
فالإنسان لا يقاس بما لم يتعلمه، ولا الجيل بما لم يحتج إليه. وقيمة الإنسان ما يحسنه، وليس ما لا يحسنه.
ولعل أقصر وصف لما أسميه هنا «نرجسية الأجيال» أن كل جيل يظن أنه جاء متأخرًا بما يكفي ليتجاوز من سبقه، ومبكرًا بما يكفي حتى لا يلحق به من بعده.
والحقيقة فيما أظن أبسط من ذلك.
لم يكن أحد منا قمة التاريخ، وإنما نحن جميعًا حلقات فيه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.