وأثناء بحث كل من رفعت وسليم داخل أروقة تلك الشقة دلفت إحدى الفتيات، كان لتلك الفتاة طلة رائعة الجمال، كانت رقيقة وحالمة كاسمها تماماً، وصوتها يحمل شجناً لا يوصف...
-فجر: هل هناك من أحد؟ هل هناك من أحد؟
-رفعت: من أنت؟ بل من أنا؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟
-فجر: أنا جارة العوسجي، أقطن في الشقة المجاورة، من أنتم؟
-سليم: وماذا يهمكِ في الأمر؟ لحظة، منذ متى وأنتِ تقطنين تلك البناية؟
-فجر: منذ سنوات طوال، أتبحثون عن شيء؟ أستطيع مساعدتكما
-سليم: واضح أن الفضول يتملكك...
-فجر: بل عملي هو الذي يدفعني...
-رفعت: عملكِ! أتعملين لدى العوسجي؟ منذ متى؟ ولِم لم يخبرنا أحد بأنكِ...
-فجر: على رسلك، لقد كنت أعمل مرة واحدة في الأسبوع..
-سليم: لا تخبريني أنه يوم إجازة عثمان الأسبوعية...
-فجر: بلى، لكني طلبت من العوسجي ألا يخبر أحداً بهذا الأمر.
-رفعت: وما السر؟ آسف، تفضلي بالجلوس ثم أخبريني روايتكِ...
اقرأ أيضًا قصة "ندبة في القلب".. ج1
-فجر: كنت ألتقي العوسجي أثناء ابتياعي لبعض الأشياء من محل
السباعي ذات يوم، وحينما علمت بأننا نقطن نفس البناية طلبت منه العمل لديه، لكنه رفض...
-هيثم: جارتي العزيزة، كم أشعر بالحزن لرفضي طلبكِ، لكنني بالفعل لدي من تساعدني في العمل، ومن يدير لي المنزل، وتعلمين جيداً أن دائرة العمل لا تتسع إلا لمن نثق بهم...
-فجر: يمكنك الاحتفاظ بأغراضك الثمينة في خزانتك الخاصة، لا أريد منك سوى العمل، فقد ضاق بي الحال، وضاق بي الوقت للبحث في الأماكن البعيدة...
-هيثم: لكنني لا أملك إلا أفكاري، هي فقط رأس مالي، وجل ثروتي، تعلمين جيداً أن الأفكار لها أجنحة وإن لم أمسك بها في بدايتها قد تغيب عني للأبد، وتعلمين أيضاً أنها سهلة السرقة، وهذا شيء يحزنني بشدة...
-فجر: سأخبرك بأمر ما، عليّ تدبر أي عمل للتخلص من حالة الفراغ المحيطة بي، فبعد انفصالي عن زوجي، وبعد وصول أبنائي لسن حضانته لهما لم أعد قادرة على الاستمرار في الانتظار، فأنا في الصباح أنتظر سماع صوتهما وهما يطالباني بتحضير الفطور، لكن هذا لا يحدث..
في الظهيرة أنتظر اتصالهما بي ليخبراني بمستجدات يومهما، لكن هذا لا يحدث..
في المساء أنتظر عودتهما لنتناول معاً العشاء الساخن، لكن هذا لا يحدث..
وفي نهاية الأسبوع أنتظر مجيئهما بفارغ الصبر، لكن هذا أيضاً لا يحدث..
ناهيك عن المناسبات الخاصة، والأعياد، صرت وحيدة بعد قرار الطلاق، وكأنني حكمت على حالي بالإعدام صمتاً...
-هيثم: انتظري، عثمان يغيب عن البيت يوم الثلاثاء إنه يوم إجازته، ما رأيك في هذا؟ سترتبين البيت في ذلك اليوم، لا انتظري، لن يجدي ذلك الأمر...
اقرأ أيضًا قصيدة " أبجديتي أنت ".. قصيدة حب
-فجر: وما السبب إذن؟
- هيثم: عثمان لديه ذاكرة فوتوغرافية، فحينما أسأله عن أي شيء لا يفعل إلا أمراً واحداً فقط، يقف أمامي شارداً يدور بناظريه، بل يحدق في أعلى الغرفة كلها، وبعد ثوانٍ معدودة يخبرني عن مكانها حتى إنه يكاد يجن إن بدل خريطته الذهنية على سبيل التجديد، وما يلبث أن يعيدها كما كانت من قبل.
أذكر جيداً أنني أصبحت مثله من شدة تعلقي به، فقد تربيت على يديه كما أذكر أنني تعثرت بطرف المنضدة حينما غير موضعها بعض الشيء...
-سليم: لحظة، انتظري لحظة، أسمعت يا رفعت ما سمعته الآن؟
-رفعت: نعم، وفهمت ما ترنو إليه، سنعيد استجواب عثمان في الغد إن شاء الله، أكملي يا فجر، وماذا بعد اتفاقكما على العمل؟
-فجر: كان يغدق عليّ المال كي أستطيع دعوة أولادي على العشاء في نهاية كل أسبوع، وسعدت كثيراً لا بالعمل وكثرة المال، بل لأنني ورثت عنه مكتبته الخاصة، كنت أقرأ العديد من الكتب خلال أقل من أسبوع، هي فترة راحتي، وكان يسألني في الكتب التي أقرؤها، ويناقشني بما فهمته منها، لقد أثمر ثقافتي رغماً عني...
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.