في الخامس من حزيران (يونيو) تحتفل البشرية باليوم العالمي للبيئة، لكن العالم يشهد طفرات من النشاط الاقتصادي، وتعاظم إنتاج السلع، وتعقد المواد الخام الصناعية، وتطور مواد التعبئة وتغليف المنتجات وخاصة البلاستيكية منها، وتزايد الأنماط الاستهلاكية.
تنوعت وتراكمت المخلفات المنزلية والصناعية مما أفرز متاعب صحية واجتماعية واقتصادية، فضلاً عن العبء الثقيل على البيئة، فلم تعد قادرة على تحملها وتحليلها، وناءت بارتفاع أنواع ومعدلات الملوثات، ونسمعها تستصرخ من طرق الاستغلال الجائر لمواردها بصورة تهدد أنماط الحياة، والتوازن الإيكولوجي، والمستقبل المشترك على سطح هذا الكوكب مما يستدعي ضرورة الاهتمام -على كافة الأصعدةـ بحمايتها، وإيجاد الحلول لما يفرزه التطور الاقتصادي والتقني من سلبيات بيئية، فكيف يتسنى ذلك؟
كان شغل الإنسان القديم أن يحمي نفسه من البيئة ومخاطرها، لكن الوضع تبدّل الآن، ليصبح الهم الأكبر هو حماية البيئة من الإنسان الحديث، وتوغل نشاطاته المختلفة، وسلوكياته السلبية عليها.
والمخلفات هي مواد صلبة أو سائلة أو غازية غير مرغوب فيها، وناتجة عن نشاطات مختلفة، فالنفايات المنزلية هي بقايا مواد غذائية وعضوية، وزجاج، وورق وكرتون، وأقمشة وأنسجة، ومواد بلاستيكية وأخرى معدنية، بينما تُقسم المخلفات الصناعية إلى نفايات الصناعات الاستخراجية كالنفط والغاز الطبيعي والمعادن وغيرها، ونفايات الصناعات التحويلية كالصناعات الغذائية، وتكرير النفط، والبتروكيماويات، والأسمدة، والإسمنت، والحديد والصلب، والمعدات، وغيرها من الصناعات الصغيرة.
تشير الإحصائيات إلى أن الحجم العام للسلع والخدمات يتضاعف في البلدان المتطورة صناعياً كل 15 سنة، وكل فرد من سكانها يخلف سنوياً حوالي 30 طناً من النفايات، ويعاد استهلاك نحو 1-1.5 % منها فقط، وفي بلد كألمانيا يتم سنوياً طرح نحو 230 مليون طن من القمامة والنفايات المنزلية الورقية، والزجاجية، والعضوية، والخردة، والمواد البلاستيكية... إلخ. ونصيب الفرد من مخلفات القمامة نحو 239 كجم منها فقط، أما الكمية المستغلة منها في ثانية فتقدر بنحو 57 كجم، وعلى الرغم من تزايد المشاريع المتطورة -الصغيرة والكبيرة- للقطاعين الخاص والعام في البلدان العربية، والتي تقوم بتدوير وإعادة استخدام (Recycling) المخلفات المنزلية والصناعية، إلا أن الحاجة ما تزال ماسة للمزيد منها، مع نشر الوعي بالأهمية الصحية والبيئة والاقتصادية التي تجنى من وراء ذلك، إذ إن الوعي بالمشكلة أولى خطوات حلها.
ويشكل إعادة استخدام المخلفات بشكل حقيقي عند استرداد جميع المواد الداخلة في إنتاجها، وتصنيعها من جديد وفق ما يأتي: سهولة الحصول على جميع المخلفات، وفرزها وتصنيفها، وقابلية استعادة المواد الخام الأولية ضمن مواصفاتها المطلوبة، وتواجد طلب عليها وتسويقها لتدخل في دورة الاستهلاك من جديد، مع سهولة التخلص من البقايا بعد التدوير، ودراسة جدوى تكاليف إعادة الاستخدام وتكاليف التخلص منها.
وتدوير بقايا الأطعمة المنزلية والصناعات الغذائية والزراعية، وبما تحتويه من مواد قابلة للتخمر والتحلل يتم جمعها وكبسها لإعادة استعمالها لإنتاج أعلاف حيوانية، أو جمعها بشكل منفصل ومعالجتها روتينياً أو عبر مجال الهندسة الوراثية (بعض أنواع من البكتيريا والطحالب لها القدرة على التغذية على المواد العضوية) وتحويلها إلى أسمدة عضوية، كذلك يمكن معالجة المخلفات الزراعية وتحويلها إلى منتجات ذات عائد اقتصادي مثل الألواح الخشبية وعجائن الورق، كما يتم في كثير من الدول العربية إنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي.
كما يتم استعمال المخلفات النباتية والحيوانية وكتلتها الحيوية (البيوماس Biomass) لعمل وحدات للوقود الحيوي، لإنتاج طاقة متجددة ورخيصة ونظيفة (بيوجاز Biogas 60%، غاز ميثان، و40% ثاني أكسيد الكربون).
ويمكن إنتاج الميثان بطاقة تصل إلى نحو 140 ألفاً من الأمتار المكعبة يومياً، وتتم الاستفادة من المخلفات الصلبة في الأرياف بطريقة مماثلة، فتجمع المخلفات النباتية مثل حطب القطن وقش الأرز وتخلط بنفايات الحيوانات، ثم يعرض هذا الخليط لفعل البكتيريا في آبار متوسطة العمق، ويستخدم غاز الميثان الناتج في عمليات التسخين وطهو الطعام.
ويعاد تصنيع المخلفات الزجاجية على نطاق محدود منزلياً وفي الورش الصغيرة، وعلى نطاق أكبر يتم فصلها وإعادة استخدامها في صناعة أنواع من الزجاج البني والأخضر والأوعية الزجاجية، إن ما يقرب من نصف الأوعية الزجاجية في ألمانيا مصنوع من بقايا الزجاج المكسرّ، إن إعادة تصنيع كميات كبيرة من نفايات الزجاج تعد عملية مربحة ونافعة على كافة الأصعدة.
ففي الأردن يمكن استرجاع نحو 23.5 ألف طن من الزجاج بقيمة 1,5 مليون دينار، ويتم إعادة استخدام الورق والكرتون عبر تحويلهما إلى عجائن ومن ثم ورق جديد، فظهرت منتجات من أكياس القمامة وورق الكتابة والتصوير مكتوب عليها مواد معاد تصنيعها، وتجدر الإشارة إلى أنه عند إعادة تدوير النفايات المنزلية في الأردن يتمكن من استرجاع 127 ألف طن من الورق والكرتون تبلغ قيمتها 9 مليون دينار، بينما الدول الأوربية تُصنّع حالياً حوالي 120 مليون طن ورق من القمامة، محققين بذلك مكاسب اقتصادية وبيئية كبيرة، وهناك برامج إعادة استخدام الأقمشة والملابس، فالأقمشة القديمة يمكن إعادة استخدامها في التطريز والخياطة والفُـرش.
المواد البلاستيكية
يحلو للكثيرين وصف حضارتنا المعاصرة بأنها حضارة البلاستيك،
فشواهدها ماثلة أينما حللت أو ارتحلت، فالمواد البلاستيكية تتمتع بخواص متميزة وفائقة -خواص فيزيائية وميكانيكية وكهربية وحرارية- جعلتها تناسب مظاهر التقدم التقني الذي طرأ على حياتنا المعاصرة، وهي تمثل جزءاً لا يتجزأ من معايشنا، تلازمنا وتحيط بنا من كل مكان، وتتنوع المواد البلاستيكية ويتعقد تركيبها الكيميائي، ومخلفاتها الصلبة والغازية في ازدياد وتراكم هائل، وبالتالي تزاد مشكلة هذه المواد البلاستيكية وتحللها والتخلص منها، فهي غير قابلة للذوبان أو التحلل، ولا يمكن التخلص منها بسهولة، مما له كبير الأثر على الصحة العامة والبيئة، ومن الأفضل إنتاج أوعية بمقاسات محددة قابلة للاستعمال المتكرر حيث إن إعادة استخدام المواد البلاستيكية -وعلى الأخص نفايات المواد التركيبية البلاستيكية سيئة السمعة- مسألة صعبة.
وفي ظل ازدهار الصناعات في بلاد النمور الآسيوية، تلهث شركات بريطانية وأوربية ودولية للتخلص من نفايات شعوبها عبر تصديرها لتلك البلاد، فنجد نحو 70% من إنتاج البلاستيك العالمي سنوياً يجد طريقه بشكل غير قانوني إلى الصين (مجلة العربي الكويتية، العدد: 584، يوليو 2007م، ص 210)، ويمكن استرجاع 187 ألف طن من البلاستيك بقيمة 26 مليون دينار عند إعادة تدوير النفايات المنزلية في الأردن.
فالمخلفات البلاستيكية من القمامة، أو الفضلات والأجزاء الزائدة من عمليات التصنيع الأساسية (النفخ أو الحقن) يعاد جمعها وفصلها وغسلها وطحنها وتعبئتها في أكياس أو شكائر وتسوق إلى بعض المصانع الصغيرة لإعادة تدويرها وتحويلها إلى منتجات مختلفة، فمنتجات المواد البلاستيكية التي تلين بالحرارة يتم إعادة تدويرها مع عديد من الإضافات عن طريق تسخينها وصهرها وإعادة تشكيلها من جديد، أما تلك التي لا تلين بالحرارة فيتم استعمالها كمواد مالئة للبوليمرات الأخرى، حيث يعاد إضافتها إلى الخامات الأساسية بنسب صغيرة وبالتالي لا يحدث أي ضرر أو تشويه أو إنقاص في خواص تلك المنتجات البلاستيكية الجديدة.
لكن تصنيع منتجات وأدوات كهربية بلاستيكية من خامات غير متجانسة، وبوليمرات مختلفة الأوزان الجزئية والكثافات رخيصة الثمن ومنعدمة الكفاءة ورديئة وغير مطابقة للمواصفات -خواصها الميكانيكية والكهربية والحرارية متدهورة وعاجزة عن تأدية وظيفتها- له ضرر كبير مما يؤدي لاندلاع حرائق الكهرباء الخطيرة.
أيضا ينبغي مراقبة التدوير العشوائي الذي يتم في مصانع أو ورش صغيرة، لا تنشغل إلا بالربح نظراً لارتفاع أسعار المواد الخام لصناعة البلاستيك، خاصة وأنه يتم استيرادها، ويصل سعر الطن نحو 7000 جنيه، في حين أن طن البلاستيك المستخرج من القمامة لا يزيد عن 500 جنيه، فقد تقوم بإعادة استخدام عبوات زيوت ضارة، أو كانت معبأة بالسموم والمبيدات والكيماويات والمعادن الثقيلة، ويضيفون إليها أسود الكربون، وبعض الزيوت المعدنية المحترقة والممتلئة بالمعادن الثقيلة كالرصاص كبدائل للملدنات، وكذلك كميات كبيرة من الجير الحي (أكسيد الكالسيوم) كمادة مالئة، ثم يحولون هذا الخليط إلى عبوات أو أدوات مائدة أو رقائق بلاستيكية سوداء اللون (مثل الأكياس السوداء)، لذا ينبغي الحذر من استخدام هذه الأكياس السوداء في نقل أو تعبئة المواد الغذائية، وعدم تكرار استخدامها إلا في جمع القمامة، وإذا استخدمها الإنسان في حمل بعض الأشياء فعليه أن يغسل جميع المواد الغذائية.
وحرق النفايات التي لا فائدة منها وتحويلها إلى رماد يقلل حجمها، ويوفر طاقة حرارية قد تستخدم للتدفئة، بيد أن محطات كهذه مُكلفة لعزل السموم والغازات الضارة من بقايا الاحتراق والعديد من المركبات الحمضية التي تؤثر سلباً على البيئة، ولكن القيمة الحرارية للمواد البلاستيكية أعلى من القيمة الحرارية للنفط أو الفحم مما يجعل محطة ذات تقنية متطورة تحقق عوائد اقتصادية أيضاً.
منتجات الألمنيوم
لم يكن استخدام الألمنيوم في تصنيع علب للمشروبات معروفاً قبل عام 1960م، ومع بداية سبعينات القرن الماضي تم استخدام أكثر من نصف مليون طن من الألمنيوم لتصنيعها سنوياً، ومعدن الألمنيوم غير سام ودون رائحة ولا يسبب اكتساب أي مذاق كما أنه خفيف الوزن وهو موصل جيد للحرارة، والسائل داخل العبوة يمكن تبريده سريعاً، ولكن الزيادة الهائلة في استخدام عبوات الألمنيوم أدت إلى تراكم أكثر من نصف مليون طن سنوياً من رقائق وعبوات الألمونيوم، وهذا يعتبر فقداً اقتصادياً كبيراً، وإذا ما قورنت الطاقة اللازمة لإنتاج الألمونيوم وبين طريقة إعادة تصنيعه فإننا نجد أن الطاقة اللازمة لإعادة التصنيع (التدوير) هي فقط 9./. من تلك الطاقة اللازمة للتحليل الكهربائي لخامته، وإذا أمكن إعادة تصنيع نفايات رقائق وعبوات الألمونيوم، فإنه يمكن توفير أكثر من 20-30 مليون كيلووات-ساعة من الكهرباء كل عام، فضلاً عن القضاء على مشكلة تراكم هذه المخلفات والتي بلغت في انتشارها حداً فائقاً. (د/ عبد اللطيف محمد أبو العطا علي، الشبكة الدولية للمعلومات).
إعادة تدوير
ولقد تطورت عملية تدوير السيارات غير الصالحة للاستعمال فبدلاً من إلقائها في مقابر للسيارات، ثم كبسها وصهرها وإعادة تدوير المواد المعدنية فيها، أصبحت مقابر السيارات تصدر قطع الغيار القديمة الصالحة للاستعمال في تجارة رابحة، وتزداد عملية الاستفادة من السيارات غير الصالحة في الدول النامية حيث يتم إعادة استخدام كل جزء منها كقطع غيار، وإصلاح كل اجزائها، بل إعادة إنتاج السيارة كاملة في شكل جديد ومطلوب ومربح، فالمادة المسترجعة يمكنها أن تبقى لفترة طويلة، فضلاً عن رخص سعرها بالنسبة لقطع الغيار الجديدة، كما أن النفايات التي لا تباع ولا تستخدم يمكن بيعها إلى مصانع الحديد والصلب لصهرها، وبالتالي فإن النفايات الناتجة من هذه التجارة تعتبر صفراً، لكن البقايا المعدنية للحواسب والتلفزيون والأفران الكهربائية المنزلية والبرادات أكثر تعقيداً بالمقارنة بالزجاج والورق لما تحتويه على مواد مركبة وكيمائية يصعب تفكيكها مثل مادة (فلوركلور هيدروكربون)، لذا فهي تستلزم معالجات خاصة.
ويبقى من أهم الأمور في عملية إدارة النفايات الصلبة اختيار المواقع المناسبة والآمنة بيئياً، واشتراك الجهات المعنية بعملية الاختيار، والتوفير الكبير للآليات الثقيلة الضرورية لعمليات الطمر النهائي، وتبطين المكبّ وبخاصة تلك القريبة من المياه الجوفية، لمنع الترسب والنفاذية، ووضع أنظمة لجمع العصارة المتولدة من النفايات.
نحو بيئة نظيفة
- ترشيد الاستهلاك الترفي، وعدم التأثر بالإعلانات التسويقية التي تستحدث رغبات استهلاكية غير ضرورية، والاعتدال وعدم الإسراف في استهلاك الماء، والمأكل، والملبس، والفراش، والأثاث، والسيارات.. إلخ.
- تفعيل التكافل الاجتماعي عبر تصريف الزائد عن الحاجة الشخصية والأسرية لمن هم في حاجة إليها.
- التعامل مع المخلفات باعتبارها مورداً يُستفاد منه، وليس عبئاً، وإبداع الحلول في هذا المجال.
- تجنب الكثير من مواد القمامة الناتجة عن مواد التغليف، بالتخلي عن شراء مواد تعبئة غير صديقة للبيئة، أو تلك الأحادية الاستعمال، وتقليل استخدام المواد المغلفة والحافظة والأكياس، خصوصاً المصنوعة من مواد غير قابلة للتحلل البيولوجي، واستبدالها بأخرى حيوية مصنوعة من مواد طبيعية صديقة وملائمة للبيئة.
- وضع خطط إنتاج السلع، ويجب الأخذ في الحسبان ليس فقط طريقة التخلص الآمن من مخلفات هذه السلع، ونفايات عملية إنتاجها، بل أيضاً مراعاة طريقة التخلص من السلعة نفسها بعد استهلاكها، وإتمام تدوير وإعادة تصنيع المواد المستخدمة فيها قدر المستطاع أو باتباع طرق سليمة لدفنها والتخلص منها للحفاظ على التوازن البيئي.
- العمل المستمر على تطوير وتحسين مواد خام صناعية جديدة توفر شروط صحية وبيئية واقتصادية هو التحدي الصناعي والتقني المستمر.
- تقليل إنتاج النفايات الصلبة عن طريق إحداث تغيير سلوكي وتطوير في القيم والأنماط الاستهلاكية، مع تطوير أساليب وتقنيات وبرامج جمع ونقل ومعالجتها، وتسهيل إجراء عمليات تدويرها، مع وضع قوانين وإجراءات هادفة إلى تأسيس طريقة التعامل معها وفق معايير حديثة وسليمة بيئياً.
وصفوة القول: علم بيئة جديد يحاول إعادة اللحمة بين الإنسان والطبيعة، لا يعتمد على فهم البيئة بمعزل عن الإنسان ونشاطاته، بل على فهم البنية الجوهرية التي تجعل الطبيعة كلاً يتجاوز الحدود والتجزئة التي فرضها العقل البشري عليها، وإذا كنا بحاجة إلى التطور العلمي، والنظري، والتقني، فالحاجة أكبر إلى المنطلق الإنساني الطبيعي، وإلى المصالحة والتوفيق بين الوقاية والتقانة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.