أريد أن أحدث ثورة في التعليم، أتمنى استحداث نظام يتيح تخيير الطالب بين حزم عدة (مكونة من توليفة مواد في تخصصه الرئيس) يمكنه تعديلها كيفما يشاء، وإضافة مواد من تخصصات أخرى وإن كانت ليست ذات علاقة مباشرة بتخصصه الرئيس.
بحيث يدرس ما يريده في الجامعة وبالقدر الذي يفيده في طموحه المهني، وفي الوقت نفسه يثريه معرفيًّا كونه إنسانًا له ميول متعدِّدة يريد إشباعها في غير مجال المهنة.
وكلٌّ حَسَبَ همَّته يدرس ويختار ما يريد، من شاء الاقتصار على موادِّ التخصص ومن شاء إثراء نفسه بغيرها، المهم أن الفرصة موجودة.
اقرأ أيضًا مفاهيم تربوية لتطوير شخصية الطفل ودعم نموه الشامل
لماذا لا تُتاح لنا حرية اختيار تكوين المعرفة؟
ما الفائدة أن يدرس الطالب مادة يعلم أنه لن يستفيد منها في مجال العمل الذي يريد أو في تخصص الدراسات العليا الذي يطمح له؟
هذا بالنسبة للطالب الذي يعرف ما يريد بالضبط ولديه خطة محددة، أما من يترك متغيرات الواقع الأكاديمي والوظيفي تضعه كيفما اتفق وهو راضٍ لأن سعيه للشهادة ليس إلا للوظيفة بلا هدف علمي؛ فليس معنيًّا بالكلام هنا.
لا أريدها فوضى، بالعكس لا مانع من التوجيه واعتماد معايير عامة لا تفرض قيودًا أكاديمية لا تقرِّب من الهدف العلمي لدى الطالب.
وحينئذ يبرز إشكال أن المؤسسات التعليمية تعدُّ خططها الدراسية بناء على احتياج سوق العمل والسلَّم الأكاديمي فقط دون اعتبار هموم الطلاب المعرفية ودون اعتبارهم أفرادًا يتباينون فيها كمًّا ونوعًا.
مثلًا ما المانع أن يدرس الطالب مادة النحو، أو الفقه أو نظرية المعرفة مع مواد تخصصه ولو كان تخصصه هندسة؟
هذا الفصل بين التخصصات يضر أكثر مما ينفع، وغايته جعل الأفراد مكائن عمل تنفذ ما درسته وحسب، تمنع الإبداع و(التكامل المعرفي) الشمولي لدى الناس.
فترى مثالًا من مخرجات هذا النظام البائس دكتورًا في العلوم الطبيعية يكتب كلمة "لكن" بهذا الإملاء الخاطئ: "لاكن" وشرائحه التي يشرح منها ملأى بالأخطاء اللغوية !
ومن مأخذ اجتماعي؛ يصبح الناس جميعًا من سطحيِّي التفكير الذين يصدقون كل معلومة تمرُّ عليهم لمجرد أنها خارج نطاق تخصصهم الذي درسوه، لعجزهم عن نقدها، هذا لو بلغوا رتبة درايتهم بأن عليها مأخذ نقد أصلًا.
اقرأ أيضًا شريان النمو.. التعليم يرسم مستقبل الأجيال
التخصصات المنفصلة
قد يقال: ولكن الفرد بإمكانه التثقف والاطلاع خارج تخصصه دون دراسة أكاديمية في المادة التي يريد.
أقول: لا، ما دامت لا توجد مساواة في فرص تعلمه بين كل المجالات التي تهمُّه فلن يستطيع التوفيق لما كان طريق همِّ الوظيفة (لقمة العيش) أولى من "الهم المعرفي" الذي سيتحوَّل في هذه الحال إلى "ترف معرفي"، وسيهمل تعلم المواد التي تؤهِّله للرشد المعرفي وتنفعه في اتخاذ قرارات ومواقف كبرى في حياته على كافة المستويات (الفردية/ الاجتماعية/ الأُممية)!
وبشيء من التأمل؛ هل كان ابن تيمية وابن سينا والفارابي وجابر بن حيان والخوارزمي وابن الهيثم وابن حزم وابن النفيس -وغيرهم من العلماء ممن يفاخر بهم العرب- يدرسون بنظام التخصصات المنفصلة؟ لا.
ولو لاحظتم أن متعددي جوانب المعرفة في البدء كانوا من المسلمين، وكلما اقتربنا زمنيًا إلى عصرنا سنلاحظ قلَّتهم شيئًا فشيئًا وظهور شخصيات مبدعة من الغرب مثل ليوناردو دافنشي وليون باتيستا ألبرتي، ونيكولاس كوبرنيكوس، مرورًا بإسحاق نيوتن وإيمانويل كانط وغيرهم ..
حتى لا ترى اسمًا عربيًّا واحدًا انتهاءً بقائمة المعاصرين، حتى المعاصرون منهم ممن درسوا أكاديميًّا لم يكن إبداعهم نتيجة للدراسة الجامعية بل الاجتهاد الفردي الذي لا يؤتي ثماره إلا بشق الأنفس في حال لم يكن ضامنًا وظيفة يسترزق منها ولا تسلبه وقته وتفرِّغه للإنتاج العلمي الجاد.
في وقت كنا فيه أهل العلم وصناع الحضارة لم نكن ندرس بنظام التخصصات!
أهذه الطريقة لا تناسب النظام؟ وطريقة جدولة مواعيد المحاضرات؟ من قال إني أسلِّم بجودة وجدوى مخرجات النظام الحالي؟ ألم أبدأ حديثي عن ثورة في نظام التعليم؟
اقرأ أيضًا الفرق بين التعليم التقليدي والنشط.. التعليم عبر الشبكة العنكبوتية
أهمية تغيير نظام التعليم
يجب تكييف النظام وعملياته حَسَبَ النتائج التي نريد ولو استدعى ذلك تغيير بنية النظام بإجراءاته جذريًّا، لا أن نخضع (النتائج المأمولة) للنظام ونقصقصها بناء على قصور عملياته وإجراءاته الضائعة، هكذا لن يتغير أي شيء وستظل الجامعات -ما دامت مغيِّبة للحرية الأكاديمية والمرونة في النظام- دُور "تطويع" وليست دُور "تعليم"؛ إذ من يتفوَّق فيها ليس الأكثر إبداعًا وقدرةً على التفكير المنهجي المتسق والقادر على حل إشكالات حقول المعرفة، بل يتفوَّق من هو الأكثر التزامًا بالمفروض من واجبات ومن انضباطٍ في الحضور وبشيء قوة الحافظة، ولا أنسى السمع والطاعة لأستاذ المادة إن أصاب أو أخطأ.
ولا أعني بكلامي أن كل متفوِّق ليس له حظٌّ من الذكاء والإبداع، إنما أعني أن معايير التفوُّق تغفل هذا الجانب فلا تنصف أهله.
ومتى أُعيد النظر في معايير التفوُّق فسيُعاد النظر في أمور كثيرة؛ يتكامل تغييرها إلى أن يحقِّق نظامًا تعليميًا أعلى جودة ونفعًا للواقع الراهن والمستقبلي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.