نجيب محفوظ وبعد الجائزة

الحديث عن الراحل نجيب محفوظ له بداية ولكن ليس للحديث عن الروائي الكبير نهاية، حياة الرجل المليئة بالإبداع، الروائي والقصصي كان محل إعجاب قرَّاء ونقاد ومفكرين، هناك من قرأ أعمال محفوظ واستمتع بما بها من حكي، وهناك من بحث خلف النص محاولًا الوصول إلى أبعادٍ أخرى، ومن اهتم بحياة الأديب وتكوينه الفكري واتبع مسيرته الإنسانية والإبداعية، ومن هؤلاء المشتغلين بالفكر الدكتور جلال أمين عالم الاقتصاد المرموق والمفكر المصري، الَّذي كتب ماذا حدث للمصريين، وكتب عن العولمة والثقافة، وكتب في الفكر وحول الكتب: راجع كتابه: كتب لها تاريخ، وكتب في السياسة إلى جانب دراسات اقتصادية قيّمة مثل كتاب معضلة الاقتصاد المصري، وقصَّة ديون مصر الخارجية من عصر محمد علي إلى اليوم.

وفي كتاب الدكتور جلال أمين: شخصيات مصرية فذة الصادر عن دار الشروق يقول في المقدِّمة في شرح كلمة "فذ" إنه المتفرد في المكانة والكفاءة، واختار الكاتب ثلاث عشرة شخصيَّة من مصر، ومنهم نجيب محفوظ ليسود عنه بعض الصفحات.

يحكي لنا الدكتور جلال أمين عن فرحة نجيب محفوظ بجائزة نوبل الَّتي تُعدّ تتويجًا لمسيرته الأدبية بعد عمرٍ كاملٍ من العطاء الأدبي.

يعرف قرَّاء الأدب الكثير عن حياة نجيب محفوظ وبدايات شغفه بالكتابة، شغف دفعه في نهاية العمر، أن يقول إنه لو توقف عن الكتابة يموت، والبعض يعرف تفاصيل أكثر حياتية منها أن السيدة زوجته أيقظته من نومه عصرًا لتبلغه بخبر فوزه بجائزة نوبل، ولم يصدق نجيب محفوظ في بدء الأمر واعتبرها نكتة، والكثيرين شاهدوا على شاشات التلفزيونات أن ابنتاه سافرتا لاستلام الجائزة نيابة عن ابيهما في السويد -ستوكهولم، واكتفى الراحل بكتابة كلمة جميلة ألقيت بالنيابة عنه، لاحظ أن الكثيرين من الأدباء المرموقين في مصر مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد مثلًا كتبوا كثيرًا عن نجيب محفوظ المبدع والإنسان، إلى جانب الكثير من أهل الصحافة والإعلام.

الدكتور جلال أمين وضع نصب عينيه مشهدًا آخر لم يتحدَّث عنه الكثيرون، مشهد في حاجة إلى علم الاجتماع أكثر من النقد الأدبي أو التأريخ الحياتي: الشارع المصري والجائزة، المجتمع والأدب.

في لحظات فور إعلان الجائزة امتلأ شارع منزل الأديب بالأواني الفخارية تحمل زهورًا جميلة، وزيارة من رئيس الوزراء حينئذٍ إلى بيت الأديب، وفور رحيل الأديب اختفت الأواني وما فيها من زهور...

نجيب محفوظ عاش عمره موظفًا في عمله وموظفًا في بيته، يعمل لصالح القص، الفن الَّذي أحبه ودافع عنه منذ أن كان الشعر هو المسيطر والرواية لا تعني شيئًا للكثيرين في النصف الأول من القرن العشرين...

وبعد قراءة الصفحات القليلة الَّتي كتبتُها عن محفوظ بعد الجائزة، دفعتني هذه الصفحات إلى أسئلة من الطبيعي أن تدور في الذهن، هل كان نجيب محفوظ في حاجة إلى جائزة لكي يكون محط اهتمام الإعلام  لعدَّة أسابيع كاملة بعد حصوله على نوبل؟

وهل الجوائز العالمية تُذكرنا أن هناك مبدعين في أوطاننا، لو غابت عنهم الجائزة غاب هؤلاء المبدعين عن الصورة الإعلامية وعن الحضور في العقل الجمعي الواعي للأمة؟

وأخيرًا يجب أن يكون الاهتمام بالإبداع العربي قديمه وحديثه ومستقبله، نابعٌ من (نحن) لا نابع من (الآخر).

إحياء القديم من الثقافة والفكر لا يجب أن يكون بناءً عن صد خطر غزو ثقافي من الخارج، بل يجب أن يكون من رغبة خالصة منا في معرفة وفهم تراثنا والتعلم منه وترميمه والحفاظ عليه.

والاهتمام بإبداعنا المعاصر لا يجب أن يكون بناءً على جائزة دولية أو رغبة في الوصول إلى شواطئ أوروبا والأراضي الأمريكية وآسيا البعيدة، بل يجب أن يكون نابعًا من رغبتنا الأصيلة في بناء حاضر به وعي وفهم وإدراك لنا، لأن بدون أن نفهم من نحن لن نستطيع أبدًا فهم ما يجري حولنا في بقاع الأرض.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.