ناقوس الخطر

إن انتشار ظاهرة الشعوذة في بعص أفراد المجتمع من مجتمعاتنا العربية صار أمراً مخيفاً ومقلقا ومخيرا للغاية، لأنه مع الأسف الشديد، هناك انتشار كبير لما يسمى بالشعوذة بين ظهرانينا، والأمر لا يقتصر على فئة معينة بعينها، بل يشمل فئاتٍ عريضة من المجتمع بكافة طبقاته، وبمختلف تنوعاته، تؤمن بالشعوذة إيمانًا عميقًا، وتصدق ما يقوله ويأتي به المشعوذ.

وإن كان مجرد ترهات وخرافات وخزعبلات وأساطير وكذب ولعب على العقول، والاصطياد في الماء العكر، والمستنقع الآسن ورجمًا بالغيْب، وادعاءات لا أساس لها من الصحة، بل كذب في كذب في كذب، هذا الإيمان جعل من شبه المستحيل، محاربة الشعوذة والمشعوذين والتصدي لهم، في مجتمع وصل به الأمر إلى حد تقديس الشعوذة والمشعوذين، فالكثير من الناس لا يتحركون في جميع أحوالهم إلا بإرادة المشعوذ، فإذا ما أراد أحدهم الزواج وخطب بنتاً ما يذهب الخاطب إلى المشعوذ، بدعوى أنه سيخبره هل له مع هذه البنت سعادة، وتيسير أم لا؟ وهل هي صالحة له أو لا؟

فإن قال له إنها صالحة وله معها خير ورزق وسعادة، طلب منه أن يعمل له حرزاً، وهو عبارة عن طلاسم وحروف مقطعة لا يعرف معناها، يعلقها الخاطب معه بدعوى إنها تحفظه من السحر ومن العين ومن أذى الشياطين، تبقى معه إلى تتم الخطبة.

هذا بالنسبة للخاطب أما بالنسبة للبنت المخطوبة، فطبعا عائلتها أمها، أو خالتها، أو عماتها، أو إحدى أقربائها تذهب بمعيتها إلى المشعوذ، أو المشعوذة، فهناك الكثير من النساء، يمتهن الشعوذة وهن كثيرات، ولعل زبائنهن يكن أكثر من المشعوذين من الرجال، لأن كثرة من يتردد على المشعوذين والمشعوذات هن من النساء، مع الأسف، وهذا دون مبالغة، وهي حقيقة مرة ومع مرارتها لا بد أن تقال.

وعلى أي فإن المخطوبة بدورها تذهب تستطلع زهرها مع من نوى خطبتها وهل هو يريد المعقول أم هو يريد قضاء الوقت معها فترة معينة والذهاب إلى حال سبيله وحسب، والموافقة على الخطبة أو عدمها مرهون بما يقوله المشعوذ، كذلك يعطي أو تعطي لها حجاباً تعلقه عليها لجلب السعد والقبول وذهاب النحس ـ(حسب زعمهم)ـ إلى أن تتم الخطبة، وعوض أن يتكلا كل من المخطوبة والخطيب على الله، ويصليا صلاة الاستخارة، ويتعلقان بالله الواحد الأحد، القادر على كل شيء، يتعلقان بأوراق لا معنى لها ولا تُفيد لا في قليل ولا كثير ولا تغني شيئاً. 

لا يقف الأمور عند هذا الحد، بل يتجدد إبَّان عقد القِرَان والعرس وليلة الدخلة، وما إلى ذلك، وهذا هو حالهم في جميع ما يريدون القيام به، فإذا ما أرادوا البيع والشراء أو السفر أو غيره ذهبوا إلى المشعوذ، وأتمروا بأمره وانتهوا بنهيه، فالتردد على المشعوذ أو المشعوذة صار أمرًا محتماً في جل حركاتهم وسكناتهم، ولا ندري من أين أتى هذا الدخيل إلى مجتمعاتنا وكيف تأقلموا معه وتواطؤوا عليه؟ بالرغم من أن النصوص الدينية تحرم ذلك بشكل قاطع، وتشن حملة شعواء على المشعوذين وعلى من يتردد عليهم ويصدقهم.

يقول: صلى الله عليه وسلم، (من آتى كاهنا أو عرافا ليسأله عن شيء فسأله لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة)، الحديث رواه مسلم وأحمد والبيهقي، والقرآن الكريم يقول في ثناياه: «قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» الآية 67 من سورة النمل.

وهنا كتشريعات في جميع بلداننا العربية تجرم الشعوذة والسحر، ومن يتعاطاه وجعلت له عقوبة رادعة هذه العقوبة تختلف من بلد لآخر، وبالرغم من هذا كله فإن الأمر وصل في بعض المناطق إلى حد لا يطاق، وهذا شر مستطير ينخر كياننا فيجب على العلماء والمثقفين والكتاب والمفكرين، أن يقفوا لهؤلاء بالمرصاد، وأن يبينوا أكاذيبهم وأباطيلهم وأنهم ليسوا بشيء، وإنما يضحكون على روادهم ويتلاعبون بعقولهم، ويأخذون أموالهم بالباطل، ويشعلون نار العداوة والفرقة بين الابن وأبيه، وبين الزوجة وزوجها ويفرقون بينهما، وبشكل عام فإن أعداء الأقارب والعائلات والمجتمع هم هؤلاء المشعوذون، فإنهم حريصون كل الحرص على تدميره وإشعال نار العداوة والفرقة بين أفراد المجتمع بدءاً من العائلات وانتهاء بجميع أفراد المجتمع، لأن في ذلك مصلحة لهم وتكثرًا لزبائنهم وروادهم.

وهذا ما يريدونه ويعملون بشكل متواصل دون كلل أو ملل من أجل تكثيره والمحافظة عليه، فيبقى لزامًا علينا نحن المثقفون أن نقوم بالدور المنوط بنا في المجتمع حتَّى نطهره من مثل هذه الشائبات وننتشله من بين هذه البراثيين الَّتي تنهش كيانه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.