ناصر الخليفي: ملياردير أجلس الشباب العربي في المقاهي

إذا مررت بجانب أحد المقاهي ووجدته مكتظا بالشباب، الذي يُتابع مباراة كرة قدم لفريق يُشجعه منذ الصغر، فاعلم أن كل هؤلاء الشباب قد أجلسهم على المقاهي رجل واحد، هو الذي حرمهم من متعة المشاهدة مع أسرهم وعائلاتهم، في جعبته المليارات ونادٍ رياضي وباقة قنوات، ناصر الخليفي، الرجل الذي يتنفس دولارات.

هو صديق الأمير تميم بن حمد حاكم قطر مُنذ أن كان في الحادية عشر من عمره، وكما يُقال كبرا سويا، ولد بعد عامين من حصول قطر على استقلالها، وتحديدا العام 1973، والده وجده كانا من صائدي اللؤلؤ من مياه الخليج العربي، وكان من أصدقاء العائلة الحاكمة في الدوحة.

الجزيرة الرياضية

كبر ناصر على حُب الرياضة، ولعِب كرة المضرب والتنس في طفولته وشبابه طيلة خمسة عشر عاما، حتى أنه بات ممثل قطر في الألعاب الأولمبية، ورفقة شغفه وحُبه للرياضة درس الخليفي الإعلام في جامعة قطر وتخرج منها، ولم يكن الخليفي وحده مَن يهوى الرياضة وألعابها فهذا شغف تقاسمه مع صديقه الأمير تميم، الذي بعد وصول أبيه للحكم منتصف تسعينيات القرن الماضي، تمكن من تحويل أنظار البلد النفطية صوب الرياضة.

 وتمكنت الدوحة عام 2003 من احتكار حقوق بث المباريات عبر إمبراطوريتها الإعلامية "قناة الجزيرة"، التي انطلقت وتولى الخليفي فيها منصب المسؤول عن حقوق البث، وحتى ذلك الحين كانت المُباريات تُبث مجانا للجمهور العربي المعروف عنه حبه وشغفه، تحديدا بلعبة كرة القدم، وكان الخليفي نفسه وراء شراء أهم حقوق بث بطولتين في ذلك الوقت، دوري أبطال أوروبا، والدوري الإسباني.

الانفصال عن الجزيرة

ولم يكن للخليفي منافس سوى قنوات art الرياضية، التي راح يُزاحمها حتى العام 2009، حينها تمكن من شراء حقوق بث بطولة كأس العالم والكؤوس القارية، وتباعا راح يستحوذ على حقوق بث باقي الدوريات الكبرى، حتى بات في العام 2013 يمتلك حقوق بث كافة الألعاب على كوكب الأرض، وفي العام 2014 انفرد الخليفي بقيادة القنوات الرياضية، بعد أن استقل بها عن الجزيرة، وباتت تُعرف بمجموعة Bein التي تخصصت بالرياضة بداية ثم دخلت عالم الترفيه، والأفلام، والمسلسلات، والبرامج.

مجموعة كُبرى أطلقت قطر لأجلها قمرا صناعيا خاصا يُعرف باسم "سهيل سات"، ويُقدر البعض رأس مالها بالمليارات، وباتت الدوحة ومن أمامها الخليفي يتحكمون بحقوق بث البطولات الرياضية الكُبرى، التي اعتاد العرب على مُشاهدتها مجانا، وبيعت أجهزة الاستقبال الخاصة بـ Bein بمبالغ ليس الجميع قادر على الدفع مُقابلها، والرياضة وتحديدا كرة القدم التي كانت توصف بأنها لُعبة الفقراء باتت حكرا على الأغنياء، ما دفع كثير من الشباب العربي للمكوث في المقاهي للاستمتاع بمشاهدة مباريات أنديتهم المُفضلة بحكم عدم قدرتهم على اقتناء أجهزة Bein، خطوة دفعت كثير من هؤلاء الشباب لكره ذلك الرجل المسؤول عن هذا الاحتكار وهو ناصر الخليفي، الذي لم يكن احتكار البث وحده هو ما قربه أكثر من الأمير تميم.

عروض لا يُمكن رفضها

سعت قطر للمزيد، وهو استضافة البطولات على أرض قطر وتنظيمها، فكانت الخطة التي وضعتها الدولة لزرع رجلهم الخليفي في أوروبا، عبر شراء نادي باريس سان جيرمان الفرنسي بصفقة ضخمة لم تكن واضحة للعلن، فسياسة الخليفي في الشراء كانت تعتمد على العروض التي لا يُمكن رفضها، ليس بهدف الربح وإنما بهدف الاستحواذ، ليُصبح الرجل رسميا مالك نادٍ أوروبي، ما يعني قُربه من اتحادات أوروبا وبالتالي الاتحادات الأوروبية القارية والعالمية الـ Fifa.

لاحقا سيوظف الخليفي علاقاته وأموال لا تنضب لنيل شرف استضافة وتنظيم البطولة الأشهر عالميا "كأس العالم 2022"، بطولة دارت حولها أقاويل وأُقيل لأجلها رؤساء اتحادات، حيث شاع أن الرشوة هي مَن تقف خلف نجاح قطر بتنظيم البطولة، حتى أن الخليفي نفسه وقف أمام المحاكم أكثر من مرة بتهمة الفساد الرياضي والرشوة، لكنه نال البراءة مما هو منسوب إليه.

نجوم بصفقات خيالية

كل تلك الأمور لم تُثني الثري القطري عن متابعة ما بدأ به، حيث بعد أن انتهى من الاستحواذ على الأندية والبطولات وبث مبارياتها، راح يستحوذ على النجوم بصفقات خيالية، وعلى سبيل المثال لا الحصر صفقة شِراء اللاعب البرازيلي "نيمار" من نادي برشلونة كلفت الرجل قرابة الربع مليار يورو، وهو رقم أرعب أوروبا بكاملها وأحدث جنونا بسوق الانتقالات على حد وصف مالك نادي بايرن ميونخ الألماني، الذي رأي بهذه الصفقة ضربة لعالم كرة القدم.

وحتى الآن لا يزال الخليفي يضرب قواعد كرة القدم بعرض الحائط، ويُطلق بين الفينة والأخرى صفقات تعجز عنها الأندية الأخرى، صفقات لا تفعل إلا الدول، وتحديدا النفطية منها، ليحوز الرجل على انتقادات كثيرة لا حصر لها، ونقما من الجمهور الرياضي الذي يتهمه بإفساد لعبته المُفضلة.

نادي الأثرياء

ومؤخرا بعد اندلاع أزمة ما عُرف بـ "السوبر ليج"، وهي بطولة مستحدثة تقف خلفها أندية أوروبا العملاقة، رفض الخليفي الانضمام لها، وانحاز للاتحاد الأوروبي لكرة القدم "اليويفا" ضد أندية أوروبا الكبيرة، ما رأه البعض محاولة من الخليفي للتقرب من مراكز صُنع القرار الرياضي، التي مكنته من إحداث صفقاته الكبرى بعيدا عن أعين الرقابة والقانون، فالرجل لا يمثل نفسه فقط، وإنما يُمثل دولة تمتلك فائضا من الأموال تنفقه دون حسيب أو رقيب، ودون الطموح للربح، وحتى الخليفي نفسه، الذي تمكن خلال مسيرته هذه من جني أموال كثيرة، حيث تُقدر ثروته بحسب بعض التقارير بعشر مليارات دولار، وصنفته مجلة "فوربس" المتخصصة ضمن قائمة أغنى 240 شخص على كوكب الأرض، ليُصبح الرجل عضوا في نادي أثرياء العالم، وهو الذي حرم فقراء العرب مُتعة مشاهدة رياضتهم المُفضلة.

المصادر :

بقلم الكاتب


كاتب مهتم بالتاريخ والأدب والسينما


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب مهتم بالتاريخ والأدب والسينما