نازك الملائكة رائدة التجديد والثورة والغموض

سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنين

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ على: الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

بهذه الكلمات الرقيقة والموجعة التي تتحدَّث عن مرض الكوليرا الذي اجتاح الأراضي المصرية، بدأت الشابة العراقية الصغيرة حكايتها مع الشعر الحر، ومعركتها الكبيرة في ريادة هذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية، وهو ما سيضعها على قمة مشهد الشعر العربي في النصف الثاني من القرن الـ20، ويُدخلها في صراعات عدة مع آخرين يقولون إنهم سبقوا في كتابة الشعر الحر.

إنها نازك الملائكة الشاعرة العراقية الكبيرة التي غيَّرت مجرى الشعر العربي، وأسهمت مع شعراء كبار في ظهور نمط جديد من الكتابة توارثته أجيال وأجيال، لتبقى نازك الملائكة رائدة التجديد والثورة في القصيدة العربية.

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في عالم نازك الملائكة، لنتعرف على أهم محطات الشاعرة العراقية الكبيرة على مستوى النشأة والتعليم والوظائف، وكذلك على مستوى الكتابة والإبداع في رحلة لن تخلو من الجمال والدهشة والغموض الذي كانت توصف به دائمًا نازك الملائكة.

اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيله.. عمر أبو ريشة شاعر حلق بالشعر فوق صخور الأيدولوجيا

مولد نازك الملائكة والنشأة

ولدت نازك الملائكة يوم 23 أغسطس عام 1923 في العاصمة العراقية بغداد في بيئة مثالية لميلاد شاعرة كبيرة، إذ كانت والدتها هي الشاعرة العراقية "سلمى الملائكة" التي كانت تستخدم اسمًا أدبيًّا في المجلات والصحف المتخصصة وهو اسم (أم نزار الملائكة)، كذلك كان والدها هو "صادق الملائكة" أحد المفكرين والكُتاب الكبار في ذلك التوقيت، وله مؤلفات مهمة، منها: (موسوعة دائرة معارف الناس)، أضف على ذلك جدتها الشاعرة "هداية كبة"، وخالها الشاعر "جميل الملائكة"، وخالها الآخر الشاعر "عبد الصاحب الملائكة"، وهكذا فإن العائلة تمتلئ بالشعراء والكُتاب والمفكرين.

درست نازك الملائكة في دار المعلمين العالية في بغداد وتخصصت في اللغة العربية، وتخرجت فيها عام 1944، ثم اتجهت إلى دراسة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة الذي حصلت منه على شهادتها عام 1949.

ثم كانت شهادتها في الأدب المقارن من أمريكا، حيث حصلت على ماجستير الأدب في جامعة ويسكونسن، وهو ما أهلها لتعمل أستاذة في جامعات عربية عدة، منها: جامعة بغداد وجامعة البصرة وجامعة الكويت.

حياة نازك الملائكة

يُمكننا القول إن نازك الملائكة عاشت حياة مرفهة إلى حدٍ ما، إذ نالت كامل الدعم منذ الصغر في تعلم اللغة العربية وكتابة الشعر، وكذلك في الحصول على شهادات من داخل وخارج البلاد، وحصلت على الدعم نفسه عند دراستها للغات والموسيقى؛ ما جعلها تبدأ في كتابة الشعر وهي في العاشرة من عمرها، وكذلك استطاعت أن تنشر مجموعتها الشعرية الأولى عام 1947 بعنوان (عشاق الليل) التي كانت بأسلوب تقليدي يعتمد على النمط العمودي.

كل شيء تغيَّر في حياة نازك الملائكة الفتاة العراقية المتعلمة والمثقفة والشاعرة الشابة عندما كتبت قصيدة (الكوليرا) عام 1947، وكان الوباء اللعين قد ضرب القطر المصري، فتساقطت الضحايا بأعداد كبيرة، وهو ما جعل نازك الملائكة تكتب قصيدتها؛ تأثرًا بالأخبار القادمة من مصر، وهي القصيدة التي نالت استحسان الجميع إلا والديها اللذان كانا دائمًا ما يبحثان عن القصائد التقليدية في الإطار العمودي القديم، وكذلك بعض النُقاد والكُتاب التقليديين في المشهد العراقي لم يستحسنوا  قصيدة الكوليرا التي كتبت على طريقة الشعر الحر، حتى إنها أثارت جدلًا كبيرًا بين المؤيدين والمعارضين، لكن حربًا كبيرة كانت في انتظار نازك الملائكة.

كانت قصيدة الكوليرا التي كتبتها نازك الملائكة هي بداية الشعر الحر في العراق، وربما في الوطن العربي من وجهة نظر كثيرين، لكن الشاعر العراقي الكبير "بدر شاكر السياب" أيضًا كان قد كتب قصيدته الأولى في الشعر الحر عام 1946 بعنوان (هل كان حبا)، ومن حينها بدأت الحرب الضروس بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، إذ يقول كل منهما أنه صاحب أول قصيدة في النمط الجديد، وهو ما ضمَّ بعض الشعراء الآخرين الذين ادعوا أيضًا كتابتهم لهذا النمط أولًا، ومنهم: "عبد الوهاب البياتي" و"شاذل طاقة"، وهو الصراع الذي امتد إلى سنوات طويلة، ولم يحسم حتى الآن، لكننا نعد أن هؤلاء الشعراء جميعًا يُمثلون بداية مدرسة الشعر الحر في العراق، وكذلك في الوطن العربي مع بعض الأسماء الأخرى من خارج العراق.

من أهم المحطات التي مرَّت بها الشاعرة نازك الملائكة في حياتها هي المدة التي عملت فيها في جامعة البصرة بعد زواجها من الدكتور "عبد الهادي محبوبة" الذي كان يعمل أيضًا مُدرسًا في جامعة بغداد، ثم اختير ليكون رئيسًا لجامعة البصرة، وهو ما استمر حتى أعفي الدكتور عبد الهادي محبوبة من منصب رئيس جامعة البصرة.

فغادرت الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة العراق مع زوجها إلى جامعة الكويت للعمل هناك حتى عام 1990 حين وقع غزو العراق للكويت، وهو ما دفع نازك الملائكة إلى مغادرة الكويت، فتوجهت إلى القاهرة، وعاشت مدة 17 عامًا حتى توفيت فيها عام 2007.

كانت نازك الملائكة الأنثى الوحيدة تقريبًا في تلك المدة التي تزاحم الرجال في ريادة الشكل الجديد، بل والأكثر من ذلك أنها كانت ترفض مصطلح الأدب النسوي وهو ما يُعد ثورة كبيرة على التقاليد القديمة، ليس فقط في آراء نازك الملائكة، وإنما أيضًا في قصائدها التي مثَّلت الريادة والثورة في النمط والمضمون، وكانت نازك الملائكة تحمل هم وطنها العراق ووطنها العربي في كل مكان، فكانت نموذجًا للمبدع المسؤول والمثقف المهموم بقضايا الإنسان، وهو ما جعلها رمزًا ليس فقط للنساء العربيات، وإنما لكل المبدعين والمفكرين والمثقفين العرب.

اقرأ أيضًا: الأديب الشاعر مالك حداد.. طائر الحرية وسجين اللغة

مميزات أدب نازك الملائكة

يُعدُّ الكلام عن أدب نازك الملائكة حديثًا عن الشعر العربي منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن، ويُعدُّ حديثًا عن الريادة والتغيير والثورة والتحرُّك إلى فضاءات أوسع على مستوى النص الأدبي، وكذلك على مستوى التفكير في ماهية الشعر والتعامل معه، وهو ما فتح آفاقًا كبيرة ومسارات عدة للتغيير والتحول على مستوى الكتابة والنقد والتلقي؛ لذا فإن أدب نازك الملائكة يخرج من كونه تجربة شعرية لشاعرة كبيرة إلى كونه لائحة أساسية لنمط جديد في الكتابة.

كانت نازك الملائكة متقدمة على مستوى الوعي والذائقة بشدة، وفارقٌ ظهر في تجربتها الشعرية، ومنحها امتيازًا تاريخيًّا كبيرًا؛ إذ كان لها السبق في طريق سار فيه الآلاف من الشعراء العرب بعد ذلك.

وهنا فنحن نتحدَّث عن أول من امتلك الشجاعة والقدرة والموهبة والكفاءة ليسير في هذا الطريق المظلم ليتبعه الآخرين، وبذلك فكل أجيال الشعراء الذين أتوا بعد ذلك ينحنون احترامًا وتقديرًا؛ لتجربة نازك الملائكة حتى إن اختلفت معها، فإنها لا تختلف عليها.

ما ميَّز تجربة نازك الملائكة أيضًا أنها كانت تُعبِّر عن نفسها بجدارة، ولم تنشغل كثيرًا بالخروج بقصيدتها إلى دوائر خارج إطارها المعرفي والخبراتي؛ وهو ما جعل كثير من النقاد يقول عن نازك الملائكة إنها أسيرة واقعها الذاتي، وأن هذا الأمر كان سببًا في ألا يكون لنازك الملائكة كثير من العشاق والمريدين، مثلما حدث مع البياتي وبدر شاكر السياب، لكن هذا الأمر لم يكن عجزًا من نازك الملائكة بقدر ما هو اختيار، فقد صنعت عالمها الشعري بهذا النمط وهذه الشروط.

وعلى مستوى النقد كانت نازك الملائكة أيضًا ناقدة رائعة تُعبِّر كتاباتها النقدية عن وعي وكشف كبير، وقدرة على الاستقراء العميق، والتعامل مع القضايا الثقافية والأدبية بمرونة وشفافية كبيرة، أضف إلى ذلك أفكار نازك الملائكة الثورية والمجددة، وهو ما يظهر في كتبها النقدية، مثل: (قضايا الشعر الحديث) و(سيكولوجية الشعر).

ما ميَّز أدب نازك الملائكة أيضًا أنها لم ترفع لواء التجديد بالسعي لتقليد قصيدة النثر الغربية لتتناص معها أو تتماهى مع التجارب الأوروبية، وإنما كان التجديد في أدب نازك الملائكة قائم على الانتقال إلى مستوى جديد من الشكل الشعري الذي ينفتح على الوعي، ويستلهم المعرفة والبعد الفكري في صياغته الشعرية التي يطرحها بديلًا عن الشكل القديم؛ وهو ما يجعلنا نرفع القبعة لنازك الملائكة تلك الشابة التي خاضت هذه التجربة العاتية بين الرجال وفي ظروف صعبة، وخرجت منها بانتصار وكبرياء كبير، وبتجربة شعرية ونقدية لا يمكن أن يهملها شاعر أو مثقف أو أديب عربي منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن.

اقرأ أيضًا: العجوز الشاب وسيد القصة القصيرة.. الكاتب أنطون تشيخوف

أعمال نازك الملائكة

من الجدير بالذكر أن نازك الملائكة كتبت مجموعة قصصية بجانب الدواوين الشعرية، كما كتبت عددًا من الكتب النقدية والأدبية، ومن أهم أعمالها المنشورة ما يلي:

في مجال الشعر:

ديوان عاشقة الليل عام 1947

ديوان شظايا ورماد عام 1949

ديوان قرارة الموجة عام 1957

ديوان شجرة القمر عام 1968

ديوان يغير ألوانه البحر عام 1977

ديوان مأساة الحياة وأغنية الإنسان عام 1977

ديوان الصلاة والثورة عام 1978

قصيدة الشهيد

الأعمال الشعرية الكاملة

في مجال النقد والكتب الأدبية:

قضايا الشعر المعاصر عام 1962

التجزيئية في المجتمع العربي عام 1974

سيكولوجية الشعر عام 1992

الصومعة والشرفة الحمراء عام 1965

مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية

في مجال القصة:

الشمس التي وراء القمة - مجموعة قصصية عام 1997

مقتطفات من أشعار نازك الملائكة

من قصيدة مر القطار:

الليل ممتد السكون إلى المدى

لا شيء يقطعه سوى صوت بليد

لحمامة حيرى وكلب ينبح النجم البعيد 

والساعة البلهاء تلتهم الغدا

وهناك في بعض الجهات

مر القطار

عجلاته غزلت رجاء بت أنتظر النهار

من أجله.. مر القطار

وخبا بعيدا في السكون

خلف التلال النائيات

لم يبق في نفسي سوى رجع وهون

وأنا أحدق في النجوم الحالمات

من قصيدة النهر العاشق:

أين نمضي؟ إنه يعدو إلينا

راكضا عبر حقول القمح لا يلوي خطاه

باسطا، في لمعة الفجر، ذراعيه إلينا

طافرا، كالريح، نشوان يداه

سوف تلقانا وتطوي رعبنا أنى مشينا

**

إنه يعدو ويعدو

وهو يجتاز بلا صوت قرانا

ماؤه البني يجتاح ولا يلويه سد

إنه يتبعنا لهفان أن يطوي صبانا

في ذراعيه ويسقينا الحنانا

**

لم يزل يتبعنا مبتسما بسمة حب

قدماه الرطبتان

تركت آثارها الحمراء في كل مكان

إنه قد عاث في شرق وغرب

في حنان

من قصيدة قيس وليلى:

كيف مات المجنون؟ هل سعدت لي   لى؟ سلوا هذه الصحاري الحزينة

اسألوها ما حدث الريح قيس ال        أمس ليلا وكيف عاش سنينه

ذلك الشاعر الشريد الخيالي           صديق الظباء في الصحراء

ونجي الرمال والوحش والبي         د وطيف الشحوب والأدواء

سحق الحب قلبه المرهف الغض      فعاش الحياة دون مقر

فوق تلك الرمال ينشد أشعا          ر هواه لكل هوجاء تسري

راسما فوق صفحة الرمل ما        كان من الشوق والأسى والحنين

لاثما كل موضع خطرت لي         لى عليه في ماضيات السنين

من قصيدة أسطورة عينين:

عينان طلسم ولغز أصم

يحار في تفسيره التائهون

غيبان من عهد سحيق القدم

وضفتا شط طوته القرون

عينان لون نابض ساخن

شيء من الشرق لذيذ الفتور

وفيهما العراف والكاهن

ومعبد مخدر بالبخور

عينان أم مزارع في الظلال

ترقرق العبير في الأودية؟

وهدبها أم رعشة البرتقال؟

أم نجمة تخفق؟ أم أغنيه؟

عينان أم عوالم شاسعه؟

ويؤبؤ أم دعوة للرحيل؟

باب إلى يوتوبيا الضائعة

ومعبر ينهى إلى المستحيل

وفاة نازك الملائكة

توفيت الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة في القاهرة في 20 يونيو عام 2007 عن عمر ناهز 84 عامًا، وذلك بعد إصابتها بهبوط حاد في الدورة الدموية، لتترك الشاعرة والناقدة والمفكرة العربية الكبيرة إرثًا هائلًا من الأدب والإبداع والقيم الجمالية، إضافة إلى اسمها الذي سيظل يتصدر التجربة الشعرية العربية في كتابة الشعر الحر، إذ كانت أحد الأوائل الذين أضاؤوا هذا الطريق للعابرين من بعدهم إلى العالم الجديد.

وفي نهاية هذه الرحلة القصيرة والسريعة في عالم نازك الملائكة، نرجو أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة والحماس لقراءة أعمال الشاعرة العراقية الكبيرة.

ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة